الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(6) باب تحسين صحبة ملك اليمين، والتغليظ على سيده في لطمه، أو ضربه في غير حد ولا أدب، أو قذفه بالزنا
[1579]
عَن زَاذَانَ: أَنَّ ابنَ عُمَرَ دَعَا بِغُلَامٍ لَهُ، فَرَأَى بِظَهرِهِ أَثَرًا فَقَالَ لَهُ: أَوجَعتُكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَنتَ عَتِيقٌ. قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ شَيئًا مِن الأَرضِ فَقَالَ: مَا لِي فِيهِ مِن الأَجرِ مَا يَزِنُ هَذَا، إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَن ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَم يَأتِهِ أَو لَطَمَهُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَن يُعتِقَهُ.
رواه أحمد (2/ 25 و 61)، ومسلم (1657)، وأبو داود (5168).
ــ
(6)
ومن باب: تحسين صحبة المماليك
كان ضرب ابن عمر رضي الله عنهما لعبده أدبًا على جناية، غير أنه أفرط في أدبه بحسب الغضب البشري، حتى جاوز مقدار الأدب، ولذلك أثر الضرب في ظهره. وعندما تحقق ذلك رأى: أنه لا يخرجه (1) مما وقع فيه إلا عتقه، فأعتقه بنيّة الكفارة، ثم فهم أن الكفارة غايتها إذا قبلت أن تكفر إثم الجناية، فيخرج الجاني رأسًا برأس، لا أجر، ولا وزر، ولذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما:(ما لي فيه من الأجر شيء).
و(قوله صلى الله عليه وسلم: (من ضرب غلامه له حدًّا لم يأته، أو لطمه، فإن كفارته أن يعتقه) ظاهر هذا الحديث والأحاديث المذكورة بعده: أن من لطم عبده، أو تعدَّى في ضربه وجب عليه عتقه لأجل ذلك. ولا أعلم من قال بذلك. غير أن أصول أهل الظاهر تقتضي ذلك.
وإنما اختلف العلماء فيمن مَثَّل بعبده مُثلة ظاهرة، مثل
(1) في (ل 1): لا يجزئه.
[1580]
وعَن مُعَاوِيَةَ بنِ سُوَيدٍ قَالَ: لَطَمتُ مَولًى لَنَا، فَهَرَبتُ ثُمَّ جِئتُ قُبَلَ الظُّهرِ فَصَلَّيتُ خَلفَ أَبِي، فَدَعَاهُ وَدَعَانِي، ثُمَّ قَالَ: امتَثِل مِنهُ، فَعَفَا ثُمَّ قَالَ: كُنَّا بَنِي مُقَرِّنٍ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيسَ لَنَا إِلَّا خَادِمٌ وَاحِدَةٌ، فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَعتِقُوهَا. قَالَوا: لَيسَ لَهُم خَادِمٌ غَيرُهَا، قَالَ: فَليَستَخدِمُوهَا، فَإِذَا استَغنَوا عَنهَا فَليُخَلُّوا سَبِيلَهَا.
رواه أحمد (3/ 448)، ومسلم (1658)، وأبو داود (5166 و 5167)، والترمذي (1542).
[1581]
وعَن هِلَالِ بنِ يَسَافٍ قَالَ: عَجِلَ شَيخٌ فَلَطَمَ خَادِمًا لَهُ، فَقَالَ لَهُ سُوَيدُ بنُ مُقَرِّنٍ: عَجَزَ عَلَيكَ إِلَّا حُرُّ وَجهِهَا، لَقَد رَأَيتُنِي سَابِعَ سَبعَةٍ مِن
ــ
قطع يده، أو فقء عينه. فقال مالك، والليث: يجب عليه عتقه. وهل يعتق بالحكم، أو بنفس وقوع المثلة؟ قولان لمالك. وذهب الجمهور: إلى أن ذلك لا يجب. وسبب الخلاف اختلافهم في تصحيح ما روي من ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: (من مثل بعبده عتق عليه).
قلت: ومحمل الحديث الأول عند العلماء على التغليظ على من لطم عبده، أو تعدَى في ضربه لينزجر السَّادة عن ذلك. فمن وقع منه ذلك أثم، وأمر بأن يرفع يده عن ملكه عقوبة، كما رفع يده عليه ظلمًا. ومحمله عندهم (1) على الندب، وهو الصحيح؛ بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لبني مقرِّن حين أمرهم بعتق الملطومة، فقالوا: ليس لنا خادم غيرها، فقال:(استخدموها، فإذا استغنيتم عنها فخلوا سبيلها). فلو وجب العتق بنفس اللطم لحرم الاستخدام؛ لأنها كانت تكون حرَّة،
(1) في (ل 1): ويحمله غيرهم.
بَنِي مُقَرِّنٍ مَا لَنَا خَادِمٌ إِلَّا وَاحِدَةٌ، لَطَمَهَا أَصغَرُنَا فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَن نُعتِقَهَا.
وفي رواية: فَقَالَ لَهُ سُوَيدٌ: أَمَا عَلِمتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحَرَّمَةٌ؟ ثم ذكر نحوه.
رواه مسلم (1658)(32 و 33).
[1582]
وعَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ قَالَ: كُنتُ أَضرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعتُ مِن خَلفِي صَوتًا: اعلَم أَبَا مَسعُودٍ، لَلَّهُ أَقدَرُ عَلَيكَ مِنكَ عَلَيهِ. فَالتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجهِ اللَّهِ تعالى، فَقَالَ: أَمَا لَو لَم تَفعَل، لَلَفَحَتكَ النَّارُ، أَو قال: لَمَسَّتكَ النَّارُ.
رواه أحمد (4/ 120)، ومسلم (1659)(35)، وأبو داود (5159 و 5160)، والترمذي (1949).
ــ
واستخدام الحر بغير رضاه حرام. فمقصود هذه الأحاديث-والله أعلم-: أن من تعدَّى على عبده أثم، فإن أعتقه يكفر أجر عتقه إثم تعديه، وصارت الجناية كأن لم تكن، ومع ذلك: فلا يقضى عليه بذلك؛ إذ ليس بواجب، على ما تقدَّم.
و(اللطم): الضرب في الوجه. و (امتَثِل): معناه: استَقِد؛ أي: خذ القود. و (سابع سبعة): أحد سبعة. و (الصورة) هنا: الوجه. وقد تكون: الصفة، كما تقدَّم.
و(قوله لأبي مسعود: (لو لم تفعل للفحتك النار) تنبيه على أن الذي فعله من ضرب عبده حرام، فكأنه تعدَّى في أصل الضرب؛ بأن ضربه على ما لا يستحق، أو في صفة الضرب، فزاد على المستحق. ولا يختلف: في أن تأديب العبد بالضرب، والحبس، وغيره جائز إذا وقع في محله وعلى صفته.
ومساق
[1583]
وعنه: أَنَّهُ كَانَ يَضرِبُ غُلَامَا لهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَضرِبُهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَتَرَكَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَاللَّهِ لَلَّهُ أَقدَرُ عَلَيكَ مِنكَ عَلَيهِ. قَالَ: فَأَعتَقَهُ.
رواه مسلم (1659)(36).
[1584]
وعن أَبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ صلى الله عليه وسلم: مَن قَذَفَ مَملُوكَهُ بِالزِّنَى، أقَامُ عَلَيهِ الحَدُّ يَومَ القِيَامَةِ، إِلَّا أَن يَكُونَ كَمَا قَالَ.
رواه أحمد (2/ 431)، والبخاري (6858)، ومسلم (1660)، وأبو داود (5165)، والترمذي (1940).
* * *
ــ
الرواية الأخرى يدلُّ على تحريم قذف المملوك، وأنَّه ليس فيه في الدنيا حدٌّ للقذف. وهو مذهب مالك، والجمهور. وهو المفهوم من قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَرمُونَ المُحصَنَاتِ ثُمَّ لَم يَأتُوا بِأَربَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجلِدُوهُم} فإن الإحصان هنا يمكن حمله على الإسلام والحرية والعفة، على قول من يرى: أن اللفظ المشترك يحمل على جميع محامله، ولأن العبد ناقص عن درجة الحر نقصانًا عن كفر، فلا يحدُّ قاذفه، كما لا يحدُّ قاذف الكافر، ولأنَّه ناقصٌ عن درجة الحِّر، فلا يحدُّ الحر لقذفه؛ كما لا يقتل به (1).
وقد ذهب قوم: إلى أن الحرّ يحدُّ إذا قذف العبد. والحجة عليهم كل ذكرناه من الحديث، والقرآن، والقياس.
* * *
(1) في حاشية (م): وقال مالك بن أنسٍ: لا تشتم لك عبدًا، ولا أمة بزنى، فإنه بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من قذف أمةً أو حرَّة، أو يهودية، أو نصرانية، فلم يُضرب في الدنيا ضُرِب يوم القيامة".