الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(16) كتاب الطلاق
(1) باب في طلاق السنة
[1538]
عَن نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّهُ طلق امرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ على عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَن ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مُرهُ فَليُرَاجِعهَا،
ــ
(16)
كتاب الطلاق
الطلاق هو: حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة. والفسخ هو: إزالة ما يتوَّهم انعقاده لموجب يمنع العقد. وقد يطلق الفسخ ويراد به الطلاق على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
(1)
ومن باب: طلاق السُّنَّة
(قوله: إن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراجعها). وفي الرواية الأخرى: (أن عمر لما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم تغيَّظ، ثم أمره بمراجعتها). فيه دليل: على أن الطلاق في الحيض يحرم؛ فإنه أنكره بتغيُّظه عليه، مع أن ابن عمر لم يكن عرف تحريم ذلك عليه. فتغيَّظَ بسبب ذلك وأمره بالمراجعة. وهو مذهب الجمهور.
ثُمَّ لِيَترُكهَا حَتَّى تَطهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطهُرَ،
ــ
واختلف في منع الطلاق في الحيض. فقيل: هو عبادة غير معقولة. وقيل: هو معلَّل بتطويل العِدَّة. وهذا على أصلنا في أن الأقراء هي: الأطهار. وينبني على هذا الخلافِ الخلافُ في المطلقة قبل الدخول والحامل في حال الحيض. فإذا قلنا: هو عبادة؛ لم يجز أن يُطلقا وهما حائضان، وإذا قلنا هو للتطويل جاز ذلك؛ لأن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها، ولأن عدة الحامل وضع حملها.
وقيل: إن علّة ذلك: خوف الإسراع إلى الطلاق، والتساهل فيه بسبب: أنه لا يتلذذ الزوج بوطئها لأجل الحيض، بل تنفر نفسُهُ منها، ويهون عليه أمرها غالبًا، فقد تحمله تلك الحالة على الإسراع في الطلاق، والتساهل فيه.
و(الطلاق أبغض الحلال إلى الله) كما قاله (1) صلى الله عليه وسلم؛ لأنه نقيض الألفة المطلوبة شرعًا، وإنما شُرع الطلاق تخلُّصًا من الضرر اللاحق بالزوج؛ ولذلك كُرِهَ الطلاق من غير سبب. وإلى هذا الإشارة بقوله:(لا يفرك مؤمن مؤمنة)(2) و (المرأة خلقت من ضلع أعوج)(3) الحديثين المتقدمين.
وأمره صلى الله عليه وسلم ابن عمر بالمراجعة دليل لمالك على وجوب الرجعة في مثل ذلك. وهو حجة على أبي حنيفة والشافعي، حيث قالا: لا يجب ذلك.
وفيه دليل: على أن الطلاق في الحيض يقع، ويلزم. وهو مذهب الجمهور خلافًا لمن شذَّ وقال: إنه لا يقع. ثم إذا حكمنا بوقوعه اعتد له بها من عدد الطلاق الثلاث. كما قال نافع، وابن عمر في هذا الحديث على ما يأتي.
و(قوله: ثم يتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر) اختلف في المعنى
(1) رواه أبو داود (2177) و (2178)، وابن ماجه (2018).
(2)
تقدم تخريجه في التلخيص برقم (1836).
(3)
تقدم تخريجه في التلخيص برقم (1834).
ثُمَّ إِن شَاءَ أَمسَكَ، وَإِن شَاءَ أن يطلق قَبلَ أَن يَمَسَّ فَتِلكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَن يُطلق لَهَا النِّسَاءُ.
ــ
الذي لأجله منعه من إيقاع الطلاق في الطهر الثاني للحيضة التي طلق فيها. فقيل فيه أقوال:
أحدها: أنه لو طلق فيه لكان كالموقع طلقتين في قُرءٍ واحد، من حيث: إنه لا يعتدّ بالحيض الذي طلق فيه من العِدَّة، وليس كذلك طلاق السُّنَّة.
وثانيها: أنها مؤاخذة بنقيض القصد، من حيث: إنه عجَّل ما حقَّه أن يتأخر، فكان كمستعجل الميراث بقتل مُوَرِّثه. وله نظائر. ولا يقال: إن هذا ليس بشيء؛ لأن ابن عمر لم يقصد فعل المحرم؛ إذ لم يعلم التحريم، فلا يعاقب؛ لأنَّا نقول: هو تقعيد القاعدة، وبيان حكمها مطلقا، وليس هذا من قبيل العقوبة الأخروية، وإنما هذا من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، كما لو حلف فحنث ساهيًا، فإنه يقع الحنث وإن لم يكن مأثومًا.
وثالثها: إنما منع من ذلك لَتَحَقَّق الرجعة؛ لأنه إن (1) لم يمس فيه؛ فكأنه ارتجع للطلاق، لا للنكاح. وليس هذا موضوع الرجعة.
ورابعها: ليطول مقامه معها. ويتمكن منها بزوال الحيض، فتزول تلك النُّفرَة التي ذكرناها، فيتلذذ، ويطأ، فيمسك، ويحصل مقصود الزوجية، والألفة. وهذا أشبهها، وأحسنها، والله تعالى أعلم.
و(قوله: فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء). (تلك): إشارة إلى الحالة التي عيَّنها بقوله المتقدم؛ لجواز إيقاع الطلاق فيها، وهي أن تكون في طهر لم تُمَسَّ فيه، وهي حوالة على قوله تعالى:{إِذَا طَلَّقتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وفي بعض رواياته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ الآية: (فطلقوهن لِقُبُلُ
(1) ساقطة من (ل 1).
وفي رواية: قَالَ ابنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طلقتُم النِّسَاءَ فَطلقوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ.
ــ
عدَّتهن).
وفيها دليل واضح لمالك، ولمن قال بقوله: على أن الأقراء هي الأطهار. كما قالت عائشة، وغيرها. وهي حجة على من قال: إن الأقراء هي الدِّماء؛ وهو أبو حنيفة، وغيره.
وقد دلَّ هذا الحديث: على أن طلاق السُّنة يراعى فيه وقت الطهر. وهل يكفي ذلك في كون الطلاق للسُّنة، أو لا بدَّ من زيادة قيود أُخَر.
فقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: يكفي ذلك، وليس في عدد الطلاق سنة ولا بدعة.
وقال مالك وعامَّة أصحابه: لا بدَّ في طلاق السُّنَّة من أن يعتبر مع الوقت أن يطلقها واحدة، ويتركها حتى تنقضي عدتها، ولا يُردِفُهَا، ومتى خالف شيئًا من ذلك خرج عن طلاق السُّنة، ووصف بالبدعة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: هذا أحسن الطلاق. وله قول آخر: إن شاء طلقها ثلاثًا، طلقها في كل طهر مرَّة. وكلاهما عند الكوفيين طلاق سنة. وقاله ابن مسعود. واختلف فيه قول أشهب. فقال مرة مثل ذلك. وقال مرة: يجوز أن يرتجع، ثم يطلق ثلاثًا.
ومعنى طلاق السُّنَّة: هو الواقع على الوجوه المشروعة، وطلاق البدعة نقيضه.
وقد اختلف فيما إذا طلقها في طهر مسَّ فيه. فالجمهور على أنه لا يجبر على الرجعة. وقد شذَّ بعضهم فقال: يُجبر كما يُجبر عليها في الحيض. والفريقان متفقان: على أن ذلك لا يجوز لإلباس العدة عليها؛ لأنها إن لم تكن حاملًا اعتدّت بالأقراء، وإن كانت حاملًا اعتدت بوضع الحمل، ولإمكان وقوع (1) الندم للمطلق عند ظهور الحمل.
(1) في (ج 2): لحوق.
وفي رواية: أَنَّهُ طلق امرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَن يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُمسِكَهَا حَتَّى تَطهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عِندَهُ حَيضَةً أُخرَى، ثُمَّ يُمهِلَهَا حَتَّى تَطهُرَ مِن حَيضَتِهَا، فَإِن أَرَادَ أَن يُطلقهَا فَليُطلقهَا
ــ
واختلف عندنا فيما إذا لم تُرتَجع المطلقة في الحيض حتى جاء الطهر الذي يجوز أن تطلق فيه. هل يُجبر على الرجعة؛ لأنها حق عليه، ولا يزول بزوال وقته، أو لا يجبر؛ لأنه قادر على إيقاع الطلاق في الحال فلا معنى للرجعة.
و(قوله: إنه طلقها تطليقة واحدة) هذا هو الصحيح، أنها كانت واحدة. ورواية من روى: أنها كانت ثلاثًا وَهمٌ، كما ذكره مسلم عن ابن سيرين: أنَّه أقام عشرين سنة يحدّثه من لا يتهم: أنه طلقها ثلاثًا حتى أتى الباهليُّ، واسمه: يونس بن جبير، يكنى: أبا غَلاب، بفتح الغين، وتخفيف اللام عند أبي بَحرٍ، وتشديدها عند غيره، وكذا قيَّده الأمير: أبو نصر بن ماكولا - وكان ذا ثبت - فحدَّثه عن ابن عمر: أنَّه طلقها تطليقة. وقد روي كذلك من غير وجه مسألة متعلقة بالطهر الذي مسَّ فيه. وتلك: أنَّ كُلَّ من قال: إن الأقراء هي الأطهار، فإذا طلق في طهر مَسَّ فيه، اعتدّ له بذلك الطهر عند الجمهور خلا ابن شهاب، فإنه يلغيه. وقد وجَّهت الحنفيةُ عليهم اعتراضًا؛ وهو: أنهم قالوا: أمر الله المطلقة ذات الأقراء أن تعتدّ ثلاثة أقراء، وأنتم تجعلون ذلك قرأين وبعضَ قرء، فكان قولكم مخالفًا للنص، فدلَّ ذلك على إبطال قولكم: إن الأقراء هي الأطهار. ودلَّ على صحة مذهبنا: أن الأقراء هي الحيض. وقد صحت تسمية الدَّم قرءا في كلام العرب، كما قال:(دعي الصلاة أيام أقرائك)(1) أي: دمك. وكما قال الشاعر (2):
يا رُبَّ ذِي ضِغنٍ عَليَّ فَارِضِ
…
له قُرُوءٌ كَقُروءِ الحائضِ
(1) رواه الدارقطني (1/ 212) عن عائشة، وانظره في تلخيص الحبير (1/ 170) فاطمة بنت أبي حبيش.
(2)
أنشده الصاغاني (انظر تاج العروس).
حِينَ تَطهُرُ مِن قَبلِ أَن يُجَامِعَهَا، فَتِلكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَن تُطلق لَهَا النِّسَاءُ.
ــ
يعني: أنه طعنه، فكان له دم كدم الحائض. وهو المنقول عن أبي عمر، والأخفش (1).
والجواب: أما عن قولهم: إن الأقراء هي الحيض في اللغة، فالمعارضة بأنها أيضًا فيها الأطهار؛ كما قال الشاعر، وهو الأعشى:
مورّثةٍ مالًا وفي الحيِّ غبطةٍ
…
لِمَا ضَاعَ فيها مِن قُرُوء نِسائِكا
أي: من أطهارهن.
وقالت عائشة: الأقراء: الأطهار. وهو منقول عن كثير من أئمة اللغة.
والإنصاف: أن لفظ: (القرء) مشترك في اللغة، ولكنه ينطلق عليهما، لاشتراكهما في أصل واحد، وذلك: أن أصل القرء في اللغة (2)، هو: الجمع، كما قال الشاعر (3) يصف ناقته:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
هِجَانِ اللَّونِ لَم تَقرَأ جَنِينًا
(1) في (ج 2) زيادة: لتميم: قال الأزهري: قال أبو عبيد: الأقراء: الحِيَض. والأقراء: الأطهار. وأصله من دنوِّ وقت الشيء. قال الأزهري: وقد قال الشافعيُّ: القرء: اسم الوقت، فلما كان الحيض يجيء لوقت؛ جاز أن تكون الأقراء حيضًا وطهرًا، وإنما السُّنَّة دلت على تخصيصها بالطهر. قال الزجَّاج بعد أن ذكر كلام أهلِ الفقه في ذلك: والظاهر من كلام هؤلاء العلماء أن القرء من الأضداد، يجوز إطلاقه على الحيض والطهر، وإنما السنة دلت على تخصيصه بالطهر، كما ذهب إليه الشافعي. ولو لم يكن فيه إلا ما قالت عائشة رضي الله عنها: أتدرون ما الأقراء: هي الأطهار. لكان في قولها كفاية، لأن الأقراء من أمر النساء، وكانت رضي الله عنها من العربية والفقه بحيث برزت على أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظًا، وعلمًا، وبيانًا.
(2)
ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(3)
هو عمرو بن كلثوم، وصدر البيت:
ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أدْمَاءَ بِكْرٍ
وَكَانَ عَبدُ اللَّهِ إِذَا سُئِلَ عَن ذَلِكَ، قَالَ لِأَحَدِهِم: إمَّا أَنتَ طلقتَ امرَأَتَكَ مَرَّةً أَو مَرَّتَينِ؛
ــ
أي: لم تجمع في جوفها، أو التَّغير من حال إلى حال، كما قالوا: قرأ النَّجم: إذا أفل، وإذا ظهر. وكل واحد من الأصلين موجود في المُسمَّى: قرءا.
أمَّا الأول: فلأن الدَّم (1) يجتمع في الرَّحم في أيام الطهر، ثم يجتمع في الخروج في أيام الحيض. وأيضًا: فإن الطهر، والحيض يتصل أحدهما بالآخر، ويجتمع معه.
وأمَّا الثاني: فانتقال المرأة من حال الحيض إلى حال الطهر محسوس، وحال القرء فيما ذكرناه كحال الصريم، فإنه ينطلق على الليل والنهار؛ لأن كل واحد منهما ينصرم عن صاحبه. وعند الوقوف على ما ذكرناه يحصل الانفصال عما ألزمنا الحنفية من إطلاق القرء على بعض قرء، فإنه إذا كان القرء: الجمع بين الطهر والحيض، فلو طلقها في آخر الطهر الذي مسَّ فيه فقد صحَّ مسمَّى القرء؛ لاجتماع الدَّم معه. وقد انفصل حالها من الطهر إلى الحيض، فصحَّ الاسم، والله الموفق.
وقد أجاب أصحابنا بجواب آخر، وهو: أن قوله: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} كقوله تعالى: {الحَجُّ أَشهُرٌ مَعلُومَاتٌ} وهي شهران وبعض شهر. وسِرُّه: أنَّ البعض بالنسبة إلى الكل قد لا يلتفت إليه، والله تعالى أعلم.
وأمَّا ما ذهب إليه ابن شهاب: فليس بشيء؛ لأنه انفرد به دون العلماء، ولأنه إذا ألغى ذلك أضرَّ بالمرأة، وزاد في تطويل العدّة طولًا كثيرًا، فإنَّه يلغي ذلك الطُّهر، والدَّم الذي بعده، فتشتد المضرَّة عليها، ويحصل الحرج المرفوع بأصل الشريعة.
وقول ابن عمر رضي الله عنهما: (إمَّا أنت طلقت امرأتك مرة أو مرتين؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا. وإن كنت طلقتها ثلاثًا، فقد حرمت عليك،
(1) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَنِي بِهَذَا، وَإِن كُنتَ طلقتَهَا ثَلَاثًا فَقَد حَرُمَت عَلَيكَ، حَتَّى تَنكِحَ زَوجًا غَيرَكَ، وَعَصَيتَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكَ مِن طلاق امرَأَتِكَ.
ــ
وعصيت ربَّك). (إمَّا أنت): هو بكسر الهمزة؛ كقولهم:
أبا خُراشة إِمَّا أنتَ ذا نَفَرِ
…
فإن قوّمِيَ لم تَأكُلهُم الضَّبُعُ
أي: إن كنت. فحذفوا الفعل الذي يلي (إن) وجعلوا (ما) عوضًا منه، وأدغموا (إن) في (ما) ووضعوا (أنت) مكان (التاء) في كنت. هذا قول النحويين.
و(قوله: وعصيت ربك) يعني: بالطلاق ثلاثًا في كلمة. وظاهره: أنه مُحَرَّم، وهو قول ابن عباس المشهور عنه، وعمر بن الخطاب، وعمران بن حصين. وإليه ذهب مالك. وقال الكوفيون: إنه غير جائز، وإنه للبدعة.
وقال الشافعي: له أن يطلق واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثًا. كل ذلك سُنَّة. ومثله قال أحمد بن حنبل، إلا أنَّه قال: أحبُّ إليَّ أن يوقع واحدةً. وهو الاختيار. والأول أولى؛ لما يأتي إن شاء الله تعالى.
و(قوله: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا) إشارة إلى أمره صلى الله عليه وسلم بالمراجعة. فكأنَّه قال للسائل: إن طلقت تطليقة أو تطليقتين فأنت مأمور بالمراجعة لأجل الحيض، وإن طلقت ثلاثًا (1) لم تكن لك مراجعة؛ لأنها لا تحل لك (2) إلا بعد زوج. وكذا جاء مفسَّرًا في رواية أخرى في الأم.
و(قوله: وإن كنت طلقت ثلاثًا؛ فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيت الله) دليلٌ على أن الطلاق الثلاث من كلمة واحدة محرَّم لازم إذا وقع
(1) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(2)
ليس في (ع).
وفي طريق أخرى: قَالَ عُبَيدُ اللَّهِ: قُلتُ لِنَافِعٍ: مَا صَنَعَت التَّطلِيقَةُ؟ قَالَ: وَاحِدَةٌ اعتَدَّ بِهَا.
وفي أخرى: لما ذَكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، تَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ نحو ما تقدم. وفيها: وَكَانَ عَبدُ اللَّهِ طلقهَا تَطلِيقَةً وَاحِدَةً فَحُسِبَت مِن طلاقهَا وَرَاجَعَهَا عَبدُ اللَّهِ، كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وفي أخرى: فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: مُرهُ فَليُرَاجِعهَا، ثُمَّ لِيُطلقهَا طَاهِرًا أَو حَامِلًا.
وفي أخرى: قال أَنَسِ بنِ سِيرِينَ قَلَت لابنَ عُمَرَ: فَاعتَدَدتَ بِتِلكَ التَّطلِيقَةِ الَّتِي طلقتَ وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: مَا لِيَ لَا أَعتَدُّ بِهَا؟ وَإِن كُنتُ عَجَزتُ وَاستَحمَقتُ.
ــ
على ما يأتي (1) وهو مذهب الجمهور.
و(قوله: مرّه فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا) فيه دليل على جواز طلاق الحامل في أي وقت شاء، وإنه للسُّنة. وهو قول كافة العلماء، وهم على أصولهم. فمالك، ومحمد بن الحسن، وزفر يرون: أنَّه لا يكرر عليها الطلاق إلى أن تضع. والشافعي: يجوز تكرار الطلاق عليها فيه. وأبو حنيفة وأبو يوسف: يجعل بين التطليقتين شهرًا.
و(قوله: أرأيت إن عجز أو استحمق؟ ! ) هذه الرواية فيها إشكال. يفسره ما وقع في رواية أخرى: (أرأيت إن كان ابن عمر عجز أو استحمق، فماذا يمنعه أن يكون طلاقا) يعني: أنَّه لو طرأ عليه عجز عن الرجعة أو ذهاب عقل حتى
(1) في (ج 2) على ما ذكرناه آنفًا.
رواه أحمد (2/ 6)، والبخاري (5332)، ومسلم (1471)(1) و (3) و (11) و (14)، وأبو داود (2179)، والنسائي (6/ 138)، وابن ماجه (2019).
* * *
ــ
لا يتأتى له الارتجاع، أكان يُنحِلُّ ذلك بالطلاق المتقدم، أو كانت المرأة تبقى معلقة، لا ذات زوج، ولا مطلقة. وكأنَّه يقول: المعلوم من الشريعة: أنه لو طرأ شيء مما ذكر لما كان قادحًا في الطلاق المُتقدِّم. فإذًا: الطلقة واقعة يحتسب له بها، كما قال:(فحسبت من طلاقه).
(واستحمق) - بفتح التاء -: مبنيًّا للفاعل، وهو غير متعدٍّ، فلا يجوز أن يُرَدّ لِما لم يُسَمَّ فاعله لذلك. ومعناه: حمق، وظهر عليه ذلك.
و(قوله: وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: (فطلقوهن لقبل عدتهن) هذا تصريح برفع هذه القراءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أنها شاذة عن المصحف، ومنقولة آحادًا، فلا تكون قرآنًا، لكنها خبر مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحيح، فهي حجة واضحة لمن يقول بأن الأقراء هي الأطهار، كما تقدَّم. وهي قراءة ابن عمر، وابن عباس. وفي قراءة ابن مسعود:(لقبل طهرهن). قال جماعة من العلماء: وهي محمولة على التفسير، لا التلاوة.
* * *