الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(3) باب كان في بريرة ثلاث سنن
[1572]
عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ أَرَادَ أَهلُهَا أَن يَبِيعُوهَا، وَيَشتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: اشتَرِيهَا، وَأَعتِقِيهَا فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَن أَعتَقَ قَالَت: وَعَتَقَت فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاختَارَت نَفسَهَا
ــ
وإلا فللمسلمين. وكان الشعبي وإبراهيم يقولان: لا بأس ببيع ولاء السائبة وهبته. وقال أبو حنيفة، والشافعي رحمهما الله تعالى وأصحابهما، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود: هو لمعتقه لا لغيره، ولا يوالي أحدًا (1).
(3)
ومن باب: كان في بريرة ثلاث سنن
(قول عائشة رضي الله عنها: كان في بريرة ثلاث قضيَّات) تعني به: أن هذه الثلاث هي أظهر ما في حديثها من القضايا والسُّنن، وإلا فقد تبيَّن: أن فيه من ذلك العدد الكثير، حتى قد بلغت سننه إلى مائةٍ أو أكثر. ويحتمل أن يكون تخصيصها هذه الثلاث بالذكر؛ لكونها أصولًا لما عداها مِمَّا تضمنه الحديث، أو لكونها أهم، والحاجة إليها أمسّ. والله تعالى أعلم.
فإحدى القضيَّات الثلاث: عتقها. والثانية: تخييرها. والثالثة: أَكلُ النبي صلى الله عليه وسلم مِمَّا تُصدِّقَ به عليها.
و(قولها: وعتقت فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها) هذه الرواية فيها إجمال وإطلاق. وقد زال إجمالها، وتقيَّد إطلاقها بالروايتين المذكورتين
(1) المسألة السابعة والمسألة الثامنة، سقطتا من (م).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بعدها (1). فإن فيهما: أن بريرة كان لها زوج حين أعتقت، وأن زوجها كان عبدًا. ومقتضى هذا الحديث بقيوده مجمعٌ عليه؛ وهو: أن الأمة ذات الزوج العبد إذا أُعتِقت مخيرةٌ في الرِّضا بالبقاء مع زوجها أو مفارقته؛ لشرف الحرّية الذي حصل لها على زوجها، ولدفع مضرَّة المعرَّة اللاحقة لها بملك العبد لها. ولَمَّا كان هذا راجعًا لحقها، لا لحق الله تعالى: خيّرها الرسول صلى الله عليه وسلم في أن تأخذ بحقها فتفارقه، أو تسقطه؛ فترضى بالمقام معه. وعلى هذا: فلو كان زوجها حرًّا لم يكن لها خيار للمساواة بينهما، ولنفي الضرر اللاحق بها. هذا مذهب جمهور العلماء. وقد شذَّ أبو حنيفة، فأثبت لها الخيار، وإن كان زوجها حرًّا؛ متمسِّكًا بما قال الحكم (2): إن زوج بريرة كان حرًّا (3)، وكذلك قال الأسود. وكلاهما لا يصح. قال البخاري: إن قول الحكم مرسل، وقول الأسود منقطع، قال: وقول ابن عباس: (كان عبدا) أصح. وكذلك رواه جماعة عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة: أنه كان عبدًا. وهو الصحيح عنها. وقد تمسَّك أيضًا أبو حنيفة بما تخيَّله من أن علَّة تخيير بريرة كونها كانت مجبورة على النكاح، فلما عتقت ملكت نفسها. وهو مطالب بدليل اعتبار هذه العلَّة. وقد يتمسَّكون في ذلك بزيادة في حديث بريرة غير ثابتة فيه، ولا مشهورة. وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: (ملكت نفسك فاختاري) ولو سلمنا صحتها، لكن لا نسلم: أن الفاء هنا للتعليل، بل هي لمجرد العطف، سلمنا أنها ظاهرة فيه، لكن عندنا الإجماع على عدم اعتبار تلك العلَّة في ولاية الإجبار على الأصاغر. وذلك: أنهم يلزمهم ما عقد عليهم في حال صغرهم ذكرانًا كانوا أو إناثًا إذا زال حجرهم، واستقلوا بأنفسهم، ولا خيار يثبت بالإجماع.
(1) في (ج): بعد.
(2)
هو الحكم بن عتيبة.
(3)
انظر: فتح الباري (12/ 39).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يقال: بينهما فرق. وهو: أن جبر الأمة للرق (1)، وجبر الحرة للصغر؛ لأنا نقول: ذلك الفرق صوري، خلي عن المناسبة؛ إذ الكل ولاية إجبار، وقد ارتفع في الصورتين، فيلزم تساويهما في الخيار فيهما، أو في عدمه. والله تعالى أعلم.
قلت: وقد خرَّج البخاري حديث بريرة هذا عن ابن عباس فقال فيه: إن زوج بريرة كان عبدًا، يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه خلفها يطوف يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(لو راجعته)(2) قالت: يا رسول الله! تأمرني؟ قال: (إنما أشفع). قالت: فلا حاجة (3). وزاد عليه أبو داود: وأمرها أن تعتد. وزاد الدارقطني: عدة الحرَّة. وخرَّجه أبو داود (4) من حديث عائشة فقال: إن بريرة عتقت وهي تحت مغيث - عبد لآل أبي أحمد - فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (إن قَرُبَكِ فلا خيار لك)(5).
وهذه الطرق فيها أبواب من الفقه زيادة على ما ذكره مسلم.
فمنها: جواز إظهار الرجل محبة زوجته. وجواز التذلل والرغبة والبكاء بسبب ذلك؛ إذ لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على مغيث شيئًا من ذلك، ولا نبَّهَهُ عليه.
وفيه: جواز عرض الاستشفاع، والتلطف فيه، وتنزل الرجل الكبير للمشفوع عنده؛ وإن كان نازل القدر.
وفيه ما يدلُّ على فقه بريرة حيث فرقت بين الأمر والاستشفاع، وأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم كان محمولًا عندهم على الوجوب، بحيث لا يُرَدُّ، ولا يُخَالَف.
(1) في (م): للمِلْك.
(2)
في الأصول: راجعتيه، وهي رواية ابن ماجه. قال الحافظ في الفتح (9/ 409): وهي لغة ضعيفة.
(3)
رواه البخاري (5283)، وأبو داود (2231 و 2232)، والدارقطني (2/ 154).
(4)
ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و (ل 1) و (ج 2) وهو مستدرك من (م).
(5)
رواه أبو داود (2233 و 2235).
قَالَت: وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيهَا وَتُهدِي لَنَا، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: هُوَ عَلَيهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَكُم هَدِيَّةٌ فَكُلُوهُ.
وفي رواية: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الوَلَاءُ لِمَن وَلِيَ النِّعمَةَ وَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ زَوجُهَا عَبدًا.
رواه أحمد (6/ 45 - 46)، ومسلم (1504)(10) و (11) و (13)، والنسائي (6/ 162 - 163).
ــ
وفيه: النصوص: على أن الزوج كان عبدًا.
وفيه: ما يدلُّ على أن تمكين المخيرة من نفسها طائعة يُبطل خيارها.
ويفهم منه: أن كل من له الخيار في شيء فتصرف فيه تصرُّف المُلاك مختارًا، إنه قد أسقط خياره.
وفيه: جواز تصريح المرأة بكراهة الزوج.
وفيه: ما يدلُّ على أن نفس اختيارها لنفسها كافٍ في وقوع الطلاق؛ إذا لم تصرّح بلفظ طلاق، ولا غيره. لكن حالها دلَّ على ذلك، فاكتفي به، ووقع الطلاق عليها، وحينئذ أمرها أن تعتدَّ عدَّة الحرَّة.
و(قولها: وكان الناس يتصدَّقون عليها، وتهدي لنا) يعني: أنها كانت معلومة الفقر، فكانت تُقصَد بالصدقات - واجبها، وتطوُّعها - وفي بعض ألفاظ هذا الحديث:(يهدون لها) ولا تناقض فيه، فإنها كانت يُفعل معها الوجهان: الصدقة، والهدية. وقد يجوز أن تُسمِّى الصدقة هدية، كما قد أطلق عليها ذلك (1) بعض الرواة فقال:(أهدي لها لحم) يعني به: تُصدِّق عليها، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:(هو لها صدقة ولنا هدية).
وقد اضطربت ألفاظ الرواة لهذا الحديث، فقال بعضهم:(أهدي لها لحم). وقال بعضهم: (تُصدِّق (2) عليها بلحم بقر). وقال بعضهم: (قالت عائشة:
(1) سقطت من (ل 1).
(2)
في (ع): تصدقوا.
[1573]
وعَنها قَالَت: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ خُيِّرَت عَلَى زَوجِهَا حِينَ عَتَقَت، وَأُهدِيَ لَهَا لَحمٌ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالبُرمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ، فَأُتِيَ بِخُبزٍ وَأُدُمٍ مِن أُدُمِ البَيتِ، فَقَالَ: أَلَم أَرَ عَلَى النَّارِ بُرمَةً فِيهَا لَحمٌ؟ فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَلِكَ لَحمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَكَرِهنَا أَن نُطعِمَكَ مِنهُ فَقَالَ: هُوَ عَلَيهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ مِنهَا لَنَا هَدِيَّةٌ. وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِيهَا: إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَن أَعتَقَ.
رواه البخاريُّ (5097)، ومسلم (1504)(14)، والنسائي (6/ 162).
* * *
ــ
تُصدِّق على مولاتي بشاة من الصدقة) (1). وقال بعضهم: (قالت عائشة: بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى بريرة بشاة من الصدقة).
قلت: وهذان اللفظان أنصُّ ما في الباب، فليعتمد عليهما. وقد استوفينا في كتاب الزكاة ما بقي في هذا الحديث، مِمَّا يحتاج إلى التنبيه عليه. وفيه أبواب من الفقه لا تخفى.
* * *
(1) ما بين حاصرتين ساقط من (ج 2).