الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(17) باب قسم مال المفلس، والحث على وضع بعض الدين
[1646]
عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ثِمَارٍ ابتَاعَهَا فَكَثُرَ دَينُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تَصَدَّقُوا
ــ
(17)
ومن باب: قسم مال المفلس
(قوله: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها) هذا الرَّجل هو معاذ بن جبل. وكان غرماؤه يهود، فكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم في أن يخففوا عنه، أو ينظروه، فأبوا، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكر. وظاهر هذا الحديث: أن الجائحة أتت على كل الثمرة، حتى لم يبق له منها ما يباع عليه، فقد ثبتت عسرته. فحكمه الإنظار إلى الميسرة، كما قال الله تعالى (1). فمن كان كذلك فلا يحبس مثله خلافًا لشريح؛ فإنه قال: يحبس أبدًا، ولا يلازم. خلافًا لأبي حنيفة؛ فإنه قال: يلازم لإمكان أن يظهر له مال، ولا يكلَّف أن يكتسب، لا هو ولا مستولدته. وهذا كلّه مردود بنص القرآن، وبقوله صلى الله عليه وسلم لغرماء معاذ:(خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك). ولا يجب أن يتصدق عليه، ومن فعل ذلك، أو حضَّ عليه كان خيرًا له، وفيه ثواب كثير؛ لأنه سعى في تخليص ذمة المسلم من المطالبة المستقبلة، أو من الإثم اللاحق بتأخير الأداء عند الإمكان إن كان قد وقع ذلك. وفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بمعاذ ليتبين خصومه: أنه ليس عنده شيء، ولتطيب قلوبهم بما أخذوا، فيسهل عليهم ترك ما بقي، وليخف الدَّين عن معاذ، وليتشارك المتصدقون في أجر المعونة وثوابها. وليكن ذلك سُنَّة حسنة.
وفيه ما يدل على نسخ بيع الجزء في الدَّين، كما كان في أول الإسلام. وعلى نسخه تدل الآية، والإجماع.
(1) يشير المصنف رحمه الله إلى قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].
عَلَيهِ. فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيهِ، فَلَم يَبلُغ ذَلِكَ وَفَاءَ دَينِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِغُرَمَائِهِ: خُذُوا مَا وَجَدتُم، وَلَيسَ لَكُم إِلَّا ذَلِكَ.
رواه أحمد (3/ 36)، ومسلم (1556)(18)، وأبو داود (3469)، والترمذي (655)، والنسائي (7/ 265)، وابن ماجه (2356).
[1647]
وعن عَائِشَةَ قَالَت: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَوتَ خُصُومٍ بِالبَابِ عَالِيَةٍ أَصوَاتُهُم، وَإِذَا أَحَدُهُم يَستَوضِعُ الآخَرَ وَيَستَرفِقُهُ فِي شَيءٍ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَفعَلُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَينَ المُتَأَلِّي عَلَى
ــ
و(قوله: خذوا ما وجدتم) يدلُّ على أن المفلس يؤخذ منه كل ما يوجد له، ويستثنى من ذلك ما كان من ضرورته. وروى ابن نافع عن مالك: أنه لا يترك له إلا ما يواريه. والمشهور: أنه يترك له كسوته المعتادة، ما لم يكن فيها فضل، ولا ينزع منه رداؤه، إن كان ذلك مزريًا به، أو منقصًا. وفي ترك كسوة زوجته، وبيع كتبه إن كان عالمًا خلافٌ. ولا يترك له مسكن، ولا خاتم، ولا ثوب جمعته، ما لم تقل قيمتها.
و(الخصوم): جمع خصم، كفلس وفلوس. وقد يقال: خصم على الجمع، والاثنين، كما قال تعالى:{وَهَل أَتَاكَ نَبَأُ الخَصمِ إِذ تَسَوَّرُوا المِحرَابَ} ويقال: خصم أيضًا للمذكر والمؤنث.
و(قوله: وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه) أي: يسأله أن يضع عنه، ويرفق به.
و(المتألي): الحالف. يقال: تألَّى، يتألَّى، وائتلى، يأتلي. وآلى يؤلي. كل ذلك بمعنى الحلف.
وفيه ما يدلُّ على أن سؤال الحطيطة والرفق جائز؛ إذ لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك إذ سمعه. وقد كره مالك ذلك، لما فيه من المهانة، والمنَّة.
اللَّهِ ألَا يَفعَلُ المَعرُوفَ؟ قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ.
رواه أحمد (6/ 69)، والبخاري (2705)، ومسلم (1557).
[1648]
وعن كَعبِ بنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ تَقَاضَى ابنَ أَبِي حَدرَدٍ دَينًا كَانَ لَهُ فِي عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي المَسجِدِ، فَارتَفَعَت أَصوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي بَيتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى كَشَفَ سِجفَ حُجرَتِهِ، وَنَادَى كَعبَ بنَ مَالِكٍ فَقَالَ: يَا كَعبُ. فَقَالَ: لَبَّيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قال: فَأَشَارَ إِلَيهِ بِيَدِهِ أَن ضَع الشَّطرَ مِن دَينِكَ، قَالَ كَعبٌ:
ــ
قلت: وهذه الكراهة من مالك: إنما هي من طريق تسمية ترك الأولى: مكروهًا.
و(قوله: فله أي ذلك أحبَّ) أي: الوضع أو الرفق. وكان حقه: أي ذينك. فإن المشار إليهما اثنان، لكنه أشار إلى الكلام المتقدِّم المذكور. فكأنه قال: فله أي ذلك المذكور أحب. كما قال تعالى: {وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا} وإذا تأملت هذا الكلام بان لك لطافة النبي صلى الله عليه وسلم وحُسن سياسته، وكرم خلق الرَّجل، ومسارعته إلى فعل الخير.
و(قوله: إن كعبًا تقاضى ابن أبي حَدرد دَينًا في المسجد) أي: سأل من ابن أبي حدرد أن يقضيه دينه الذي له عليه، فارتفعت أصواتهما بسبب ذلك حتى سمعهما النبي صلى الله عليه وسلم من بيته، ولم ينكر عليهم، فكان ذلك دليلًا على استباحة مثل ذلك في المسجد ما لم يتفاحش. فإن تفاحش كان ذلك ممنوعًا؛ إذ قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رفع الأصوات في المساجد.
و(قوله بالإشارة: (ضع الشطر من دينك) دليل: على أن الإشارة بمنزلة