المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(3) باب النهي عن سؤال الإمارة والحرص عليها وأن من كان منه ذلك لا يولاها - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - جـ ٤

[أبو العباس القرطبي]

فهرس الكتاب

- ‌(14) كِتَاب الإِمَارَةِ وَالبَيعَةِ

- ‌(1) بَاب اشتِرَاطِ نَسَبِ قُرَيشٍ في الخِلافَةِ

- ‌(2) باب في جواز ترك الاستخلاف

- ‌(3) باب النهي عن سؤال الإمارة والحرص عليها وأن من كان منه ذلك لا يولاها

- ‌(4) باب فضل الإمام المقسط وإثم القاسط وقوله كلكم راع

- ‌(5) باب تغليظ أمر الغلول

- ‌(6) باب ما جاء في هدايا الأمراء

- ‌(7) باب قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم}

- ‌(8) باب إنما الطاعة ما لم يأمر بمعصية

- ‌(9) باب في البيعة على ماذا تكون

- ‌(10) باب الأمر بالوفاء ببيعة الأول ويضرب عنق الآخر

- ‌(11) باب يصبر على أذاهم وتؤدَّى حقوقهم

- ‌(12) باب فيمن خلع يدا من طاعة وفارق الجماعة

- ‌(13) باب في حكم من فرَّق أمر هذه الأمة وهي جميع

- ‌(14) باب في الإنكار على الأمراء وبيان خيارهم وشرارهم

- ‌(15) باب مبايعة الإمام على عدم الفرار وعلى الموت

- ‌(16) باب لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وعمل صالح

- ‌(17) باب في بيعة النساء والمجذوم وكيفيتها

- ‌(18) باب وفاء الإمام بما عقده غيره إذا كان العقد جائزا ومتابعة سيد القوم عنهم

- ‌(19) باب جواز أمان المرأة

- ‌(15) كتاب النكاح

- ‌(1) باب الترغيب في النكاح وكراهية التبتل

- ‌(2) باب ردّ ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة

- ‌(3) باب ما كان أبيح في أول الإسلام من نكاح المتعة

- ‌(4) باب نسخ نكاح المتعة

- ‌(5) باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها وما جاء في نكاح المحرم

- ‌(6) باب النهي عن خِطبَةِ الرجل على خِطبَةِ أخيه وعن الشغار وعن الشرط في النكاح

- ‌(7) باب استئمار الثيب واستئذان البكر والصغيرة يزوجها أبوها

- ‌(8) باب النّظر إلى المخطوبة

- ‌(9) باب في اشتراط الصَّداق في النكاح وجواز كونه منافع

- ‌(10) باب كم أصدق النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه؟ وجواز الأكثر من ذلك والأقل والأمر بالوليمة

- ‌(11) باب عِتق الأمةِ وتزويجها وهل يصح أن يجعل العتق صداقا

- ‌(12) باب تزويج زينب ونزول الحجاب

- ‌(13) باب الهدية للعروس في حال خلوته

- ‌(14) باب إجابة دعوة النكاح

- ‌(15) باب في قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم) الآية وما يقال عند الجماع

- ‌(16) باب تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها، ونشر أحدهما سر الآخر

- ‌(17) باب في العزل عن المرأة

- ‌(18) باب تحريم وطء الحامل من غيره حتى تضع، وذكر الغيل

- ‌أبواب الرضاع

- ‌(19) باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة

- ‌(20) باب التحريم من قِبَل الفحل

- ‌(21) باب تحريم الأخت وبنت الأخ من الرضاعة

- ‌(22) باب لا تُحرِّم المَصَّةُ ولا المَصَّتان

- ‌(23) باب نسخ عشر رضعات بخمس، ورضاعة الكبير

- ‌(24) باب إنما الرَّضاعة من المَجَاعة

- ‌(25) باب في قوله تعالى: (والمحصنات من النساء)

- ‌(26) باب الولد للفراش

- ‌(27) باب قبول قول القافة في الولد

- ‌(28) باب المقام عند البكر والثيب

- ‌(29) باب في القَسم بين النساء وفي جواز هبة المرأة يومها لضرتها

- ‌(30) باب في قوله تعالى: {تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ}

- ‌(31) باب الحث على نكاح الأبكار وذوات الدين

- ‌(32) باب مَن قَدم من سفر فلا يعجل بالدخول على أهله فإذا دخل فالكيس الكيس

- ‌(33) باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، ومداراة النساء

- ‌(16) كتاب الطلاق

- ‌(1) باب في طلاق السنة

- ‌(2) باب ما يُحِلُّ المطلقة ثلاثًا

- ‌(3) باب إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة

- ‌(4) باب في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}

- ‌(5) باب في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدنَ الحَيَاةَ الدُّنيَا} الآية

- ‌(6) باب إيلاء الرَّجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة

- ‌(7) باب فيمن قال: إن المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى

- ‌(8) باب فيمن قال: لها السكنى والنفقة

- ‌(9) باب لا تخرج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها إلا إن اضطرت إلى ذلك

- ‌(10) باب ما جاء أن الحامل إذا وضعت حملها فقد انقضت عدتها

- ‌(11) باب في الإحداد على المَيِّت في العدة

- ‌(12) باب ما جاء في اللِّعَان

- ‌(13) باب كيفية اللِّعان ووعظ المتلاعنين

- ‌(14) باب ما يتبع اللِّعان إذا كمل من الأحكام

- ‌(15) باب لا ينفى الولد لمخالفة لون أو شبه

- ‌(17) كتاب العتق

- ‌(1) باب فيمن أعتق شركًا له في عبد وذكر الاستسعاء

- ‌(2) باب إنما الولاء لمن أعتق

- ‌(3) باب كان في بريرة ثلاث سنن

- ‌(4) باب النهي عن بيع الولاء وعن هبته وفي إثم من تولى غير مواليه

- ‌(5) باب ما جاء في فضل عتق الرِّقبة المؤمنة وفي عتق الوالد

- ‌(6) باب تحسين صحبة ملك اليمين، والتغليظ على سيده في لطمه، أو ضربه في غير حد ولا أدب، أو قذفه بالزنا

- ‌(7) باب إطعام المملوك مما يأكل ولباسه مما يلبس، ولا يكلف ما يغلبه

- ‌(8) باب في مضاعفة أجر العبد الصالح

- ‌(9) باب فيمن أعتق عبيده عند موته وهم كل ماله

- ‌(10) باب ما جاء في التدبير وبيع المُدَبَّر

- ‌(18) كتاب البيوع

- ‌(1) باب النهي عن الملامسة، والمنابذة، وبيع الحصاة، والغرر

- ‌(2) باب النهي عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وعن تلقي الجلب، وعن التصرية، وعن النجش

- ‌(3) باب لا يبع حاضر لباد

- ‌(4) باب ما جاء: أن التصرية عيب يوجب الخيار

- ‌(5) باب النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض أو ينقل

- ‌(6) باب بيع الخيار، والصدق في البيع، وترك الخديعة

- ‌(7) باب النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها

- ‌(8) باب النَّهي عن المزابنة

- ‌(9) باب الرُّخصة في بيع العَرِيَّةِ بخرصها تمرا

- ‌(10) باب فيمن باع نخلًا فيه تمر، أو عبدا وله مال

- ‌(11) باب النَّهي عن المحاقلة والمخابرة والمعاومة

- ‌(12) باب ما جاء في كراء الأرض

- ‌(13) باب فيمن رأى أن النهي عن كراء الأرض إنما هو من باب الإرشاد إلى الأفضل

- ‌(14) باب المساقاة على جزء من الثمر والزرع

- ‌(15) باب في فضل من غرس غرسًا

- ‌(16) باب في وضع الجائحة

- ‌(17) باب قسم مال المفلس، والحث على وضع بعض الدين

- ‌(18) باب من أدرك ماله عند مُفلس

- ‌(19) باب في إنظار المُعسِر والتجاوز عنه ومطل الغني ظلم، والحوالة

- ‌(20) باب النَّهي عن بيع فضل الماء، وإثم منعه

- ‌(21) باب النهي عن ثمن الكلب، والسنور، وحلوان الكاهن، وكسب الحجام

- ‌(22) باب ما جاء في قتل الكلاب واقتنائها

- ‌(23) باب في إباحة أجرة الحجَّام

- ‌(24) باب تحريم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام

- ‌أبواب الصرف والربا

- ‌(25) باب تحريم التفاضل والنساء في الذهب بالذهب والورق بالورق

- ‌(26) باب تحريم الرِّبا في البُرِّ والشعير والتمر والملح

- ‌(27) باب بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب

- ‌(28) باب من قال: إن البُرَّ والشعير صنف واحد

- ‌(29) باب فسخ صفقة الربا

- ‌(30) باب ترك قول من قال: لا ربا إلا في النسيئة

- ‌(31) باب اتِّقاء الشبهات ولعن المقدم على الربا

- ‌(32) باب بيع البعير واستثناء حملانه

- ‌(33) باب الاستقراض وحسن القضاء فيه

- ‌(34) باب في السلم والرهن في البيع

- ‌(35) باب النَّهي عن الحكرة، وعن الحلف في البيع

- ‌(36) باب الشفعة

- ‌(37) باب غرز الخشب في جدار الغير، وإذا اختلف في الطريق

- ‌(38) باب إثم من غصب شيئًا من الأرض

- ‌(19) كتاب الوصايا والفرائض

- ‌(1) باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز

- ‌(2) باب الصدقة عمَّن لم يوص، وما ينتفع به الإنسان بعد موته

- ‌(3) باب ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم عند موته

- ‌(4) باب ألحقوا الفرائض بأهلها، ولا يرث المسلم الكافر

- ‌(5) باب ميراث الكلالة

- ‌(6) باب من ترك مالًا فلورثته وعصبته

- ‌(7) باب قوله عليه الصلاة والسلام: لا نورث

- ‌(20) كتاب الصَّدقة والهِبَة والحَبس

- ‌(1) باب النهي عن العود في الصدقة

- ‌(2) باب فيمن نحل بعض ولده دون بعض

- ‌(3) باب المنحة مردودة

- ‌(4) باب ما جاء في العمرى

- ‌(5) باب فيما جاء في الحُبس

- ‌(21) كتاب النذور والأيمان

- ‌(1) باب الوفاء بالنذر، وأنه لا يرد من قدر الله شيئا

- ‌(2) باب لا وفاء لنذرٍ في معصية، ولا فيما لا يملك العبد

- ‌(3) باب فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة

- ‌(4) باب كفارة النذر غير المسمى كفارة يمين، والنهي عن الحلف بغير الله تعالى

- ‌(5) باب النهي عن الحلف بالطواغي، ومن حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله

- ‌(6) باب من حلف على يمين فرأى خيرًا منها فليكفر

- ‌(7) باب اليمين على نية المستحلف والاستثناء فيه

- ‌(8) باب ما يخاف من اللجاج في اليمين، وفيمن نذر قربة في الجاهلية

الفصل: ‌(3) باب النهي عن سؤال الإمارة والحرص عليها وأن من كان منه ذلك لا يولاها

(3) باب النهي عن سؤال الإمارة والحرص عليها وأن من كان منه ذلك لا يولاها

[1401]

عن عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ سَمُرَةَ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَا عَبدَ الرَّحمَنِ، لَا تَسل الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِن أُعطِيتَهَا عَن مَسأَلَةٍ وكِلتَ إِلَيهَا، وَإِن أُعطِيتَهَا عَن غير مَسأَلَةٍ أُعِنتَ عَلَيهَا.

رواه أحمد (5/ 62 و 63)، والبخاريُّ (7147)، ومسلم (1652)، وأبو داود (2929)، والترمذيُّ (1529)، والنسائي (8/ 225).

[1402]

وعن أبي مُوسَى قال: أَقبَلتُ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم وَمَعِي رَجُلَانِ

ــ

(3)

ومن باب: النهي عن سؤال الإمارة

قوله لا تسل الإمارة هو نهيٌ، وظاهره التحريم، وعلى هذا يدلّ قوله هذا إنَّا والله لا نولي على هذا العمل أحدًا يسأله أو حرص عليه، وسببه أن سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليلٌ على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومَن كان هكذا أوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك، وهذا معنى قوله وكل إليها، ومن أباها لعلمه بآفاتها ولخوفه من التقصير في حقوقها وفرَّ منها ثم إن ابتلي بها فَيُرجَى له ألا تغلب عليه نفسه للخوف الغالب عليه، فيتخلّص من آفاتها، وهذا معنى قوله أعين عليها.

وهذا كلّه محمول على ما إذا كان هنالك جماعة ممن يقوم بها ويصلح لها، فأما لو لم يكن هنالك ممن يصلح لها إلا واحد لتعيَّن ذلك عليه ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها بها من العلم والكفاية وغير ذلك؛ كما قال يوسف عليه السلام:{قَالَ اجعَلنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}

ص: 16

مِن الأَشعَرِيِّينَ أَحَدُهُمَا عَن يَمِينِي وَالآخَرُ عَن يَسَارِي، فَكِلَاهُمَا سَأَلَ العَمَلَ، وَالنبي صلى الله عليه وسلم يَستَاكُ، فَقال: مَا تَقول يَا أَبَا مُوسَى؟ أَو: يَا عَبدَ اللَّهِ بنَ قَيسٍ؟ قال: قلتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أَطلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنفُسِهِمَا وَمَا شَعَرتُ أَنَّهُمَا يَطلُبَانِ العَمَلَ! قال: وَكَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحتَ شَفَتِهِ وَقَد قلصَت! فَقال: لَن - أَو: لَا - نَستَعمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَن أَرَادَهُ، وَلَكِن اذهب أَنتَ يَا أَبَا مُوسَى - أَو يَا عَبدَ اللَّهِ بنَ قَيسٍ. فَبَعَثَهُ عَلَى اليَمَنِ ثُمَّ أَتبَعَهُ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيهِ قال: انزِل - وَأَلقَى لَهُ وِسَادَةً، وَإِذَا رَجُلٌ عِندَهُ مُوثَقٌ، قال: مَا هذا؟ قال: هذا كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسلَمَ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ

ــ

وقوله صلى الله عليه وسلم ما تقول يا أبا موسى؟ استفهامُ استعلامٍ عمَّا عنده من إرادته العمل أو من معونته لهما على استدعائهما العمل، فأجابه بما يقتضي أنه لم يكن عنده إرادة ذلك ولا خبر من إرادة الرجلين، فلمَّا تحقق النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولَاّه العمل إذ لم يسأله ولا حرص عليه، ومنعه الرَّجلين لحرصهما وسؤالهما على ما تقرر آنفًا من أن الحريص عليها مخذول والكاره لها معان.

ومما جرى من الكلام بهذا المعنى مجرى المثل: الحرص على الأمانة دليل الخيانة.

وقلصَت شَفَتُه تقبَّضت وقَصُرت، وكأنَّ السَّواك كان فيه قَبضٌ، أو يكون النبي صلى الله عليه وسلم قبض شفته ليتمَكَّن من تسويك أسنانه.

وقوله فبعثه على اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل، ظاهر هذا أنه صلى الله عليه وسلم وَلَّى معاذًا على أبي موسى ولم يعزل أبا موسى، وعلى هذا يدل تنفيذ معاذ الحُكم بقتل المرتد وإمضاؤه. ويحتمل أن يكون (1) صلى الله عليه وسلم وَلَّى كلّ واحد منهما على عمل غير عمل الآخر؛ فإما في الجهات، وإما في الأعمال (2)، وهذا هو الصحيح

(1) زيادة من (ج 2) و (ج).

(2)

زيادة من (ج 2).

ص: 17

دِينَ السَّوءِ فَتَهَوَّدَ! قال: لَا أَجلِسُ حَتَّى يُقتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ! فَقال: اجلِس، نَعَم! قال: لَا أَجلِسُ حَتَّى يُقتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ - ثَلَاثَ

ــ

بدليل ما وقع في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ولَّى معاذًا على مخلاف من اليمن وأبا موسى على مخلاف (1)، والمخلاف واحد المخاليف وهي الكُوَرُ (2).

وقوله لا أجلس حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله يدل بظاهره على أن المرتدّ لا يستتاب وأنه يقتل من غير استتابة، وبه قال الحسن وطاوس وبعض السَّلف، وحُكي عن عبد العزيز بن أبي سلمة، وهو قول أهل الظاهر، وحكاه الطحاوي عن أبي يوسف. قالوا: وتنفعه توبته عند الله تعالى، ولكن لا تدرأ عنه القتل. وفرَّق عطاء بين من ولد مسلمًا فلم نستتبه وبين من أسلم ثم ارتد، وجمهور الأئمة والفقهاء على استتابته، وحكى ابن القَصَّار إجماع الصحابة على استتابته. ثم اختلف هؤلاء في مدة الاستتابة وهل يضرب لها أجل؛ فقال أحمد وإسحاق: ثلاثةُ أيام - واستحسنه مالك وأبو حنيفة، وقاله الشافعي مرةً، وحكى ابن القصَّار عن مالك فيه قولين: الوجوب، والاستحباب. وقال الزهري: يُدعى إلى الإسلام ثلاث مرات، فإن أبى قُتِلَ. وقاله الشافعي مرةً. وقال المزني: يُقتل مكانه إن لم يتب. وعن عليّ رضي الله عنه أنه يستتاب شهرًا، وقال النَّخعي: يستتاب أبدًا - وقاله الثوري. وعن أبي حنيفة: يستتاب ثلاث مرات أو ثلاث جُمع، أو ثلاثة أيام مرة في كل يوم أو جمعة. والرَّجل والمرأة عند الجمهور سواء، وفرَّق أبو حنيفة فقال: تُسجن المرأة ولا تقتل. وشذَّ قتادة والحسن فقالا: تُستَرَقُّ ولا تقتل. ورُوي مثله عن علي. وخالف أصحاب الرأي في الأمةِ فقالوا: تُدفَعُ إلى سيدها، ويجبرها على الإسلام.

(1) رواه البخاري (4341) و (4342)

(2)

الكُوَرُ: جمع الكورة، وهي الصُّقع والبقعة التي يجتمع فيها قرى ومَحَالُّ.

ص: 18

مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيلِ، فَقال أَحَدُهُمَا - مُعَاذٌ:

ــ

وَقَتل المرتد بالسيف عند الجمهور. وذهب ابن سُريج (1) من أصحاب الشافعي إلى أنه يُقتل بالخشب ضربًا؛ لأنه أبطأُ لقتله، لعله يُراجع التوبة أثناء ذلك.

وفيه حجة على أن لولاة الأمصار إقامة الحدود في القتل والزنى وغير ذلك، وهو مذهب كافة العلماء: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وغيرهم.

واختلف في إقامة ولاة المياه وأشباههم لذلك؛ فرأى أشهب ذلك لهم إذا جعل ذلك لهم الإمام، وقال ابن القاسم نحوه، وقال الكوفيون: لا يقيمه إلا فقهاء الأمصار، ولا يقيمه عامل السَّواد.

واختلف في القضاة إذا كانت ولايتهم مطلقة غير مقيّدة بنوع من الأحكام؛ فالجمهور على أن جميع ذلك لهم من إقامة الحدود وإثبات الحقوق وتغيير المناكر والنظر في المصالح، قام بذلك قائم أو اختص بحق الله تعالى (2)، وحكمُه عندهم حكم الوصيِّ المطلق اليد في كل شيء إلا ما يختصّ بضبط بيضة الإسلام من إعداد الجيوش وجباية الخراج.

واختلف أصحاب الشافعي: هل له نظر في مال الصدقات والتقديم للجُمَع والأعياد أم لا؟ على قولين، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا نظر له في إقامة حدٍّ ولا في مصلحةٍ إلا لطالب مُخَاصِمٍ، وحكمه عندهم حكم الوكيل.

وقوله ثم تذاكرا قيام الليل؛ أي فضل قيام الليل، هل الأفضل قيامُه كله أو قيام بعضه؟ فكأنّ أبا موسى ذهب إلى أن قيامه كله لمن قَوِيَ عليه

(1) هو أحمد بن عمر بن سُريج البغدادي، أبو العبَّاس، فقيه الشافعية في عصره، له نحو (400) مصنف، منها "الأقسام والخصال- خ" توفي سنة 306 هـ.

(2)

كذا في الأصول. وفي إكمال إكمال المعلم للأبي "أكانَ الحقُّ لآدمي أو لله تعالى".

ص: 19

أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ، وَأَرجُو فِي نَومَتِي مَا أَرجُو فِي قَومَتِي.

وفي رواية: فقال عليه الصلاة والسلام: إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هذا العَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيهِ.

رواه البخاريّ (4341 و 4342)، ومسلم (1733) في الإمارة (14 و 15)، وأبو داود (4354 - 4357)، والنسائي (1/ 10).

[1403]

وعَن أبي ذَرٍّ قال: قلتُ: يَا رسول الله، أَلَا تَستَعمِلُنِي؟

ــ

أفضل، وهذا كما وقع لعبد الله بن عمرو في حديثه المتقدّم (1)، وكأنّ معاذًا رأى أن قيام بعضه ونوم بعضه (2) أفضل، وهذا كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بقوله إنك إذا فعلت ذلك هجمت عينُك ونفهت نفسك، وكما قاله في حديث البخاري المتقدم (3) أمَّا أنا فأقوم وأنام، وقال في آخره: فمن رغب عن سنتي فليس مني.

وقوله وأرجو في نومتي ما أرجوه في قَومَتِي، إنما كان ذلك لأنه كان ينام ليقوم؛ أي: يقصد بنومه الاستعانة على قيامه والتنشيط عليه والتفرُّغ من شغل النوم عن فهم القرآن، فكان نومه عبادة يرجو فيها من الثواب ما يرجوه في القيام، ولا يتفطن لمثل هذا إلا مثل معاذ الذي يسبق العلماء يوم القيامة برتوة؛ أي: رمية قوس - كما قاله صلى الله عليه وسلم.

وعلى هذا فما من مُباحٍ إلا ويمكن أن يقصد فيه وجه من وجوه الخير، فيصير قُربَةٌ بحسب القصد الصحيح، والله تعالى أعلم.

(1) سبق تخريجه في التلخيص في كتاب الصوم.

(2)

زيادة من (ج 2).

(3)

ذكره الذهبي في السير (1/ 446) وبهامشه: رواه أحمد (1/ 18). وانظره في مجمع الزوائد، للهيثمي (9/ 311).

ص: 20

قال: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنكِبِي، ثُمَّ قال: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَومَ القِيَامَةِ خِزيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَن أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيهِ فِيهَا.

رواه أحمد (5/ 173 - 267)، ومسلم (1825).

[1404]

وعَنه أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثنَينِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ.

رواه مسلم (1826)، وأبو داود (2868)، والنسائي (6/ 255).

* * *

ــ

وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر إنك ضعيف؛ أي: ضعيف عن القيام بما يتعّين على الأمير من مراعاة مصالح رعيته الدنيوية والدينية، ووجهُ ضعف أبي ذر عن ذلك أنّ الغالب عليه كان الزهد واحتقار الدنيا وترك الاحتفال بها، ومَن كان هذا حاله لم يعتن بمصالح الدنيا ولا بأموالها اللذَين بمراعاتهما تنتظم مصالح الدين ويتم أمره. وقد كان أبو ذر أفرط في الزهد في الدنيا، حتى انتهى به الحال إلى أن يُفتِيَ بتحريم الجمع للمال وإن أُخرِجَت زكاته، وكان يرى أنه الكنز الذي توَعَّد اللَّهُ عليه بِكَيِّ الوجوه والجنوب والظهور، وقد قدّمنا ذلك في كتاب الزكاة، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم منه هذه الحالة نَصَحَهُ ونهاه عن الإمارة وعن ولاية مال الأيتام، وأكَّد النصيحة بقوله وإنّي أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي، وغلَّظَ الوعيد بقوله وإنّها أي الإمارة خزيٌّ وندامة أي: فضيحة قبيحة على مَن لم يؤدِّ الأمانة حقّها ولم يقم لرعيته برعايتها، وندامة على تقلدها وعلى تفريطه فيها، وأمّا من عدل فيها وقام بالواجب منها {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} وهو من السبعة الذين يظلهم الله في

ص: 21