الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(14) باب إجابة دعوة النكاح
[1486]
عن ابنَ عُمَرَ قُالُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعوَةَ إِذَا دُعِيتُم، قَالَ: وَكَانَ عَبدُ اللَّهِ يَأتِي الدَّعوَةَ فِي العُرسِ وَغَيرِ العُرسِ، وَيَأتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ.
رواه البخاري (5179)، ومسلم (1429)(103).
ــ
يمكن أن يقال: اجتمع في تلك الوليمة الأمران، فأكل قوم الخبز واللحم حتى شبعوا وانصرفوا. ثم إنَّه لما جاءه الحَيس استدعى الناس وجرى ما ذكر. وهذا كلُّه والمتحدِّثون في بيته جلوسٌ لم يبرحوا إلى أن خرج النبي صلى الله عليه وسلم ودار على بيوت أزواجه على ما تقدَّم. وليس في تقدير هذا بُعدٌ، ولا تناقض. وإذا أمكن هذا حملناه عليه، وكان أولى من تطريق الوهم للثقات والأثبات، من غير ضرورة تدعو إليه، ولا أمر بيِّنٍ يدلُّ عليه. والله تعالى أعلم.
(14)
ومن باب: إجابة دعوة النكاح
(قوله: أجيبوا هذه الدعوة) قد تقدَّم القول (1) في الوليمة، وفي الأمر بها. والكلام هنا في حكم إجابتها. (الدَّعوة) - بفتح الدال - في الطعام وغيره، والدِّعوة - بالكسر- في النَّسب. ومن العرب من عكس (2).
قال عياض: لم يختلف العلماء في وجوب الإجابة في وليمة العرس. واختلفوا فيما عداها. فمالك وجمهورهم على أنها لا تجب. وذهب أهل الظاهر إلى وجوبها في كل دعوة: عرسا كانت أو غيرها.
(1) في (ج 2): الكلام.
(2)
ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و (م) و (ج).
[1487]
وعَنه أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُم إِلَى وَلِيمَةِ عُرسٍ فَليُجِب.
وفي لفظ آخر: إِذَا دَعَا أَحَدُكُم أَخَاهُ فَليُجِب عُرسًا كَانَ أَو نَحوَهُ.
وفي رواية: إِذَا دُعِيتُم إِلَى كُرَاعٍ فَأَجِيبُوا.
رواه البخاريُّ (5179)، ومسلم (1429)(98 و 100 و 104).
[1488]
وعَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُم إِلَى طَعَامٍ فَليُجِب، فَإِن شَاءَ طَعِمَ وَإِن شَاءَ تَرَكَ.
ــ
قلت: ومعتمد أهل الظاهر في التسوية بين الوليمة وغيرها في وجوب إتيان الوليمة وغيرها؛ مُطلق أوامر هذا الباب؛ لقوله: (إذا دعيتم فأجيبوا)(وإذا دعا أحدكم أخاه فليجب، عرسًا كان أو نحوه).
و(قول أبي هريرة: فقد عصى الله ورسوله). وكأنَّ الجمهور صرفوا هذه المطلقات إلى وليمة العرس؛ لقوله: (أجيبوا هذه الدَّعوة) يعني: وليمة العرس، كما جاء في الرواية الأخرى:(إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس) ويعتضد هذا بالنظر إلى المقصود من الوليمة ومن غيرها. فإنَّ الوليمة يحصل فيها إشاعة النكاح، وإعلانه. وهو مقصود مهمٌّ للشرع. وليس ذلك موجودًا في غيرها، فافترقا.
وكلُّ هذا: ما لم يكن في الدعوة منكر، فإن كان، فلا يجوز حضورها عند كافة العلماء. وقد شذَّ أبو حنيفة، وبعضهم، فقالوا: بجواز الحضور. فأما لو كان هناك لَعِبٌ مباح، أو مكروهٌ، فالأكثر على جواز الحضور، وعندنا فيه قولان. وكره مالك لأهل الفضل والهيئات التسرع لإجابة الدَّعوات، وحضور مواضع اللهو المباح.
و(قوله: فإن شاء طعم، وإن شاء ترك) هذا صريح في أن الأكل في الوليمة
رواه مسلم (1430)، وأبو داود (3740)، وابن ماجه (1751).
[1489]
وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُم فَليُجِب، فَإِن كَانَ صَائِمًا فَليُصَلِّ، وَإِن كَانَ مُفطِرًا فَليَطعَم.
رواه مسلم (1431)، وأبو داود (3742)، والترمذيُّ (781).
[1490]
وعَنه أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: بِئسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُدعَى لَهِ الأَغنِيَاءُ، وَيُترَكُ المَسَاكِينُ، فَمَن لَم يَأتِ الدَّعوَةَ، فَقَد عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وفي رواية مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يمنعها
ــ
ليس بواجب، وهو مذهب الجمهور. ولأهل الظاهر في الوجوب قولان في الوليمة وغيرها. وقال الشافعي: إذا كان مفطرًا أكل، وإن كان صائمًا دعا، أخذًا بالحديث. ويظهر من هذا: أن الأكل أولى من التَّرك عندهم. وهو الحاصل من مذاهب العلماء؛ لما فيه من إدخال السُّرور، وحسن المعاشرة، وتطييب القلوب، ولما في تركه من نقيض ذلك.
وهذا كله ما لم يكن في الطعام شبهة، أو تلحق فيه مِنَّة، أو قَارَنَه منكر. فلا يجوز الحضور، ولا الأكل. ولا يختلف فيه.
و(قوله: إن كان صائمًا فليصل) معناه: فليدع. وهو تأويل الجمهور. وقد جاء مفسَّرًا في بعض الروايات: (فَليَدعُ) مكان (فليُصَلِّ)(1).
وفيه دليل لمالك على قوله: إن من شرع في الصوم لم يجز له أن يفطر في أضعافه (2)، على ما تقدَّم في باب الصوم.
و(قوله: بئس الطعام طعام الوليمة) وفي رواية: (شرُّ الطعام) بدل (بئس).
(1) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(2)
أي: في أثناء فترة الصيام.
من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله.
رواه البخاريُّ (5177)، ومسلم (1432)، وأبو داود (3742).
* * *
ــ
أكثرُ الرواة والأئمة على رواية هذا الحديث موقوفًا على أبي هريرة. وقد انفرد برفعه زياد بن سعد عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (شرُّ الطَّعام. . .) وذكره. وهو ثقة إمام، وأيضًا فمن وقفه ذكر فيه ما يدلُّ: على أنه مرفوع؛ وذلك أنه قال فيه: (ومن لم يجب الدَّعوة فقد عصى الله ورسوله)(1) وظاهر هذا: الرفعُ؛ لأنَّ الرَّاوي لا يقول مثل هذا من قِبَل نفسه. وقد تبيّن في سياق الحديث أنَّ الجهة التي يكون فيها طعام الوليمة شرُّ الطعام: إنما هي ترك الأَولى. وذلك: أن الفقير هو المحتاج للطعام؛ الذي إن دُعي سارعَ وبادرَ، ومع ذلك فلا يُدعَى. والغنيُّ غير محتاج، ولذلك قد لا يجيب، أو تثقل عليه الإجابة، ومع ذلك فهو يدعى، فكان العكس أولى. وهو: أن يُدعى الفقير، ويُترك الغني. ولا يُفهم من هذا القول - أعني: الحديث -: تحريم ذلك الفعل؛ لأنه لا يقول أحد بتحريم إجابة الدعاء للوليمة فيما علمته؛ وإنما هذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (شرُّ صفوف الرِّجال آخرها، وخيرها أولها، وشرُّ صفوف النساء أولها، وخيرها آخرها)(2) فإنَّه لم يقل أحد: إن صلاة الرجل في آخر صف حرام، ولا صلاة النساء في أول صف حرام. وإنَّما ذلك من باب ترك الأولى. كما قد يقال عليه: مكروه، وإن لم يكن مطلوب الترك، على ما يُعرَف في الأصول. فإذًا الشرُّ المذكور هنا: قلةُ الثواب والأجر. والخير: كثرة الثواب والأجر.
(1) في (ج 2): ومن لم يأت.
(2)
رواه أحمد (2/ 336)، ومسلم (440)، وأبو داود (678)، والنسائي (2/ 93).