الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(34) باب في السلم والرهن في البيع
[1695]
عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ وَهُم يُسلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَينِ
ــ
(34)
ومن باب: السلم والرهن
(قوله: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السَّنة والسنتين)(يسلفون) معناه: يسلمون. وقد جاء هذا اللفظ في رواية أخرى. فالسَّلم، والسلف هنا: عبارتان عن معبر واحد، غير أن الاسم الخاص بهذا الباب السَّلم؛ لأن السَّلف يقال على القرض، كما تقدَّم. والسَّلم في عرف الشرع: بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق. غير أنَّه مختص بشروط. منها متفق عليها ومنها مختلف فيها. وقد حدَّه أصحابنا بأن قالوا: هو بيع معلوم في الذمَّة، محصور بالصفة، بعين حاضرة، أو ما هو في حكمها، إلى أجل معلوم. فتقييده بمعلوم في الذمة يفيد التحرز من المجهول، ومن السَّلم في الأعيان المعينة، مثل الذي كانوا يسلفون في المدينة حين قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يسلفون في ثمار بأعيانها. فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، لما فيه من الغرر؛ إذ قد تخلف تلك النخيل فلا تثمر شيئًا.
وقولنا: (محصور بالصفة) تحرز عن المعلوم على الجملة دون التفصيل. كما لو أسلم في ثمر، أو ثياب، ولم يبين نوعها، ولا صفتها المعينة. وقولنا:(بعين حاضرة) تحرز من الدَّين بالدَّين. وقولنا: (أو ما هو في حكمها) تحرز من اليومين والثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السَّلم إليها. فإنه يجوز عندنا تأخيره ذلك القدر بشرط، وبغير شرط؛ لقرب ذلك. ولا يجوز اشتراط زيادة عليها. وقولنا:(إلى أجل معلوم) تحرز من السَّلم الحال. فإنه لا يجوز على المشهور. ووصف الأمد بالمعلوم: تحرز من الأجل المجهول الذي كانوا في الجاهلية يسلمون إليه. وسيأتي تفصيل ذلك كله.
فَقَالَ: مَن أَسلَفَ فِي تَمرٍ فَليُسلِف فِي كَيلٍ مَعلُومٍ، وَوَزنٍ مَعلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعلُومٍ.
ــ
و(قوله: من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) إنما جرى ذكر التمر في هذه الرواية؛ لأنه غالب ما يسلم فيه عندهم. وقد سكت عنه في الرواية الأخرى، فكانت هذه الرواية دليلًا على جواز السَّلم في كل شيء من الحيوان وغيره من العروض مما تجتمع شروط السَّلم فيه، وهو مذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، وأئمة الفتيا. وقد منع السَّلم والقرض في الحيوان الأوزاعي، والثوري. وروي عن ابن عمر، وابن مسعود. والكتاب والسُّنة حجة عليهم. فمن الكتاب عموم قوله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيعَ} وقوله: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ} ومن السُّنة الحديث المتقدم، وقياس الحيوان على العروض، ولا فارق بينهما.
وفيه دليل: على اشتراط كون المُسلَم فيه معلوم المقدار. وكذلك لا بُدَّ أن يكون معلوم الصفة المقصودة المعينة، ليرتفع الغرر والجهالة. وهو مجمع عليه، وإنما لم يذكر اشتراطها في هذا الحديث؛ لأنهم كانوا يشترطونها ويعملون عليها، فاستغني عن ذكرها، واعتني بذكر ما كانوا يُخِلُّون به من المقدار والأجل. وأما رأس مال السَّلم: فقد اشترط فيه أبو حنيفة أن يكون معلوم الكيل، أو الوزن. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز السَّلم بما كان معينًا، ولم يعلم كيله، ولا وزنه. وبه قال الشافعي في أحد قوليه. ولم يرد عن مالك فيه نصٌّ، لكن يتخرج من مسألة جواز بيع الجزاف فيما يجوز فيه جواز السَّلم بالمعين جزافًا. وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأن التقدير في الجزاف كالتحقيق، فيستوي في جواز ذلك رأس مال السَّلم وغيره.
وفيه دليل: على اشتراط الأجل في السَّلم. وهو قول أبي حنيفة. والمشهور من قول مالك، غير أن أبا حنيفة لم يُفرق بين قريب الأجل وبعيده. وأما أصحابنا فقالوا: لا بدَّ من أجل تتغير فيه الأسواق. وأقله عند ابن القاسم خمسة عشر يومًا. وقال غيره: ثلاثة
وفي رواية: مَن أَسلَفَ فَلَا يُسلِف إِلَّا فِي كَيلٍ مَعلُومٍ، وَوَزنٍ مَعلُومٍ.
رواه أحمد (1/ 217)، والبخاريُّ (2239)، ومسلم (1604)، وأبو داود (3463)، والترمذي (1311)، والنسائي (7/ 290).
ــ
أيام. ولم يَحُدَّها ابن عبد الحكم في روايةٍ (1) عن مالك. بل قال: أيامًا يسيرة. وهذا في البلد الواحد، وأما في البلدين فيغني ما بينهما من المسافة عن اشتراط الأجل إذا كانت معلومة وتعين وقت الخروج.
وقال الشافعي: يجوز السَّلم الحالّ (2). وهذا الحديث حجة عليه، ولا سيما على رواية من رواه:(من أسلم فلا يسلم إلا في كيل معلوم، ووزن معلوم، وإلى أجل معلوم). وكذلك الحديث الذي قال فيه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندك، وأرخص في السَّلم) (3) لأن السَّلم لما كان بيعٌ معلومٌ في الذمة كان بيعَ غائبٍ، فإن لم يكن فيه أجل كان هو البيع المنهي عنه. وإنما استثنى الشرع السَّلم من بيع ما ليس عندك؛ لأنه بيع تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتبايعين، فإن صاحب رأس المال محتاج أن يشتري الثمر، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبَّانها لينفقه عليها. فظهر: أن صفقة السَّلم من المصالح الحاجيَّة. وقد سَمَّاه الفقهاء بيع المحاويج. فإن جاز حالاًّ بطلت هذه الحكمة، وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عندك فائدة. والله أعلم.
وأما رأس مال السَّلم: فيجوز أن يتأخر عندنا ثلاثة أيام بشرط وبغير شرط، ولا يجوز تأخيره زيادة عليها بالشرط. فالشرط: وإن وقع كذلك بطل؛ لأنه ظهر
(1) في (م): في روايته.
(2)
في حاشية (ل 1): حالًا.
(3)
زيادة من (ل 1).
[1696]
وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اشتَرَى مِن يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرعًا لَهُ مِن حَدِيدٍ.
ــ
مع الزيادة عليها مقصود الدَّين بالدَّين، فلا يجوز بخلاف ما قبلها؛ إذ لا يتبيَّن فيه المقصد إلى ذلك؛ إذ يكون تأخير اليومين والثلاثة ليهيِّئ الثمن، ويحتال في تحصيله. ولم يجز الكوفيون، ولا الشافعي تأخيره عن العقد والافتراق، ورأوا: أنه كالصَّرف، وهذا القياس غير مسلم لهم؛ لأن البابين مختلفان بأخص أوصافهما، فإن الصَّرف بابه ضيق، كثرت فيه التعبُّدات والشروط بخلاف السَّلم فإن شوائب المعاملات عليه أكثر. وأيضًا: فإنه على نقيضه. ألا ترى: أن مقصود الشرع في الصَّرف المناجزة، والمقصود في السَّلم التوسع بالتأخير؛ فكيف تحمل فروع أحدهما على الآخر مع وجود هذه الفروق؟
والسَّلم عندنا له شروط: أن يكون مضمونًا، ومعلوم المقدار، والصِّفة، ثم وإلى أجل لا يتعذر عنده وجود المسَّلم فيه، وأن يكون رأس ماله حاضرًا، أو في حكمه، معلوم المقدار، أو في حكمه. وليس من شرطه أن يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه، خلافًا لبعض السلف، ولا أن يكون مما لا ينقطع من أيدي الناس جملة، خلافًا لمن شرط ذلك، ولا أن يكون موجودًا حين العقد خلافًا لأبي حنيفة، ولا يشترط فيه أن يذكر موضع القبض، خلافًا للكوفيين، فإنهم اشترطوا ذلك فيما له حمل ومؤونة. وعندنا: أنهم لو سكتوا عنه لم يفسد العقد، ويتعيَّن موضع العقد. وليس من شرطه ألا يكون رأس ماله جزافًا، ولا أن يتأخر، ولا أن يكون المسلم فيه حيوانًا، خلافًا لمن تقدم ذكرهم. ومسائل السلم كثيرة؛ فلتنظر في كتب الفقه، وفيما ذكرناه كفاية.
و(قوله: إنه صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل، ورهنه درعًا له من حديد) فيه دليل على جواز معاملة أهل الذمة - مع العلم بأنهم يبيعون الخمر،
رواه البخاريُّ (2068)، ومسلم (1603)(126).
* * *
ــ
ويأكلون الرِّبا - لأنَّا قد أقررناهم على ما بأيديهم من ذلك، وكذلك: لو أسلموا (1) لطاب لهم ذلك، وليس كذلك المُسلِم الذي يعمل بشيء من ذلك، لا يقرّ على ذلك، ولا يترك بيده على ما تقدَّم، ولا يجوز أن يعامل من كان كسبه من ذلك، وإذا تاب تصدَّق بما بيده منه. وأما أهل الحرب: فيجوز أن يعاملوا، ويُشترى منهم كل ما يجوز لنا شراؤه وتملكه. ويُباع منهم كل شيء من العروض، والحيوان ما لم يكن ذلك مضرًّا بالمسلمين مما يحتاجون إليه، وما خلا آلة الحرب، وعدَّته، وما يخاف أن يتقوَّوا به على المسلمين، فلا يباع منهم شيء منه، ولا يباع منهم ولا من أهل الذمَّة مسلم ولا مصحف. وقال ابن حبيب: لا يباع من أهل الحرب: الحرير، ولا الكتان، ولا البسط؛ لأنهم يتجمَّلون بذلك في حروبهم، ولا الطَّعام، لعلهم أن يضعفوا.
وفيه من الفقه: جواز الأخذ بالدَّين عند الحاجة كما تقدَّم، وجواز الاستيثاق بالرهن والكفالة في الدَّين والسَّلم. وقد منع الرَّهن في السَّلم زفر، والأوزاعي. وهذا الحديث؛ أعني: حديث عائشة رضي الله عنها حجة عليهم؛ إذ لا فرق بين الدَّين والسَّلم. وكذلك عموم قوله تعالى: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَينٍ} الآية.
وفيه دليل: على جواز الرَّهن في الحضر، وهو قول الجمهور. ومنعه مجاهد، وداود، وهذا الحديث حجة عليهم. ولا حجة لهم في قوله تعالى:{وَإِن كُنتُم عَلَى سَفَرٍ وَلَم تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقبُوضَةٌ} ؛ لأنه تمسُّك بالمفهوم في مقابلة المنظوم. وهو فاسد بما قررناه في الأصول. ومعنى الرَّهن
(1) من السَّلم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عندنا: احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفى الحق من ثمنها، أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم. ويلزم الرَّهن بالعقد، ويجبر الرَّاهن على دفع الرَّهن ليحوزه المرتهن عندنا خلافًا للشافعي، وأبي حنيفة، فإنهما قالا: لا يجبر عليه، ولا يلزم. والحجة عليهما قوله تعالى:{أَوفُوا بِالعُقُودِ} وهذا عقد، وقوله:{وَأَوفُوا بِالعَهدِ} وهذا عهد، وقوله صلى الله عليه وسلم:(المؤمنون عند شروطهم)(1). وهذا شرط، والقبض عندنا شرط في كمال فائدته، واختصاص المرتهن (2) به، خلافًا لهما، فإن القبض عندهما شرط في لزومه وصحته. ثم إذا حصل الحوز فمتى رجع إلى الرَّاهن باختيار المرتهن بطل الرَّهن عندنا وعند أبي حنيفة. غير أن أبا حنيفة قال: إن رجع إلى يده بعارية أو وديعة لم يبطل. وقال الشافعي: إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقا لا يبطل حكم القبض المتقدِّم. ودليلنا قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقبُوضَةٌ} فإذا خرج عن يد القابض إلى يد المقبوض منه لم يصدق عليه ذلك اللفظ لغة، ولا يصدق عليه حكمًا. واستيفاء هذه المباحث في المطوَّلات.
* * *
(1) ذكره الحافظ في الفتح (4/ 452) وعزاه لابن أبي شيبة، وهو عنده في المصنف (6/ 568).
(2)
في (ج 2): الراهن.