المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(34) باب في السلم والرهن في البيع - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - جـ ٤

[أبو العباس القرطبي]

فهرس الكتاب

- ‌(14) كِتَاب الإِمَارَةِ وَالبَيعَةِ

- ‌(1) بَاب اشتِرَاطِ نَسَبِ قُرَيشٍ في الخِلافَةِ

- ‌(2) باب في جواز ترك الاستخلاف

- ‌(3) باب النهي عن سؤال الإمارة والحرص عليها وأن من كان منه ذلك لا يولاها

- ‌(4) باب فضل الإمام المقسط وإثم القاسط وقوله كلكم راع

- ‌(5) باب تغليظ أمر الغلول

- ‌(6) باب ما جاء في هدايا الأمراء

- ‌(7) باب قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم}

- ‌(8) باب إنما الطاعة ما لم يأمر بمعصية

- ‌(9) باب في البيعة على ماذا تكون

- ‌(10) باب الأمر بالوفاء ببيعة الأول ويضرب عنق الآخر

- ‌(11) باب يصبر على أذاهم وتؤدَّى حقوقهم

- ‌(12) باب فيمن خلع يدا من طاعة وفارق الجماعة

- ‌(13) باب في حكم من فرَّق أمر هذه الأمة وهي جميع

- ‌(14) باب في الإنكار على الأمراء وبيان خيارهم وشرارهم

- ‌(15) باب مبايعة الإمام على عدم الفرار وعلى الموت

- ‌(16) باب لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وعمل صالح

- ‌(17) باب في بيعة النساء والمجذوم وكيفيتها

- ‌(18) باب وفاء الإمام بما عقده غيره إذا كان العقد جائزا ومتابعة سيد القوم عنهم

- ‌(19) باب جواز أمان المرأة

- ‌(15) كتاب النكاح

- ‌(1) باب الترغيب في النكاح وكراهية التبتل

- ‌(2) باب ردّ ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة

- ‌(3) باب ما كان أبيح في أول الإسلام من نكاح المتعة

- ‌(4) باب نسخ نكاح المتعة

- ‌(5) باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها وما جاء في نكاح المحرم

- ‌(6) باب النهي عن خِطبَةِ الرجل على خِطبَةِ أخيه وعن الشغار وعن الشرط في النكاح

- ‌(7) باب استئمار الثيب واستئذان البكر والصغيرة يزوجها أبوها

- ‌(8) باب النّظر إلى المخطوبة

- ‌(9) باب في اشتراط الصَّداق في النكاح وجواز كونه منافع

- ‌(10) باب كم أصدق النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه؟ وجواز الأكثر من ذلك والأقل والأمر بالوليمة

- ‌(11) باب عِتق الأمةِ وتزويجها وهل يصح أن يجعل العتق صداقا

- ‌(12) باب تزويج زينب ونزول الحجاب

- ‌(13) باب الهدية للعروس في حال خلوته

- ‌(14) باب إجابة دعوة النكاح

- ‌(15) باب في قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم) الآية وما يقال عند الجماع

- ‌(16) باب تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها، ونشر أحدهما سر الآخر

- ‌(17) باب في العزل عن المرأة

- ‌(18) باب تحريم وطء الحامل من غيره حتى تضع، وذكر الغيل

- ‌أبواب الرضاع

- ‌(19) باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة

- ‌(20) باب التحريم من قِبَل الفحل

- ‌(21) باب تحريم الأخت وبنت الأخ من الرضاعة

- ‌(22) باب لا تُحرِّم المَصَّةُ ولا المَصَّتان

- ‌(23) باب نسخ عشر رضعات بخمس، ورضاعة الكبير

- ‌(24) باب إنما الرَّضاعة من المَجَاعة

- ‌(25) باب في قوله تعالى: (والمحصنات من النساء)

- ‌(26) باب الولد للفراش

- ‌(27) باب قبول قول القافة في الولد

- ‌(28) باب المقام عند البكر والثيب

- ‌(29) باب في القَسم بين النساء وفي جواز هبة المرأة يومها لضرتها

- ‌(30) باب في قوله تعالى: {تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ}

- ‌(31) باب الحث على نكاح الأبكار وذوات الدين

- ‌(32) باب مَن قَدم من سفر فلا يعجل بالدخول على أهله فإذا دخل فالكيس الكيس

- ‌(33) باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، ومداراة النساء

- ‌(16) كتاب الطلاق

- ‌(1) باب في طلاق السنة

- ‌(2) باب ما يُحِلُّ المطلقة ثلاثًا

- ‌(3) باب إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة

- ‌(4) باب في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}

- ‌(5) باب في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدنَ الحَيَاةَ الدُّنيَا} الآية

- ‌(6) باب إيلاء الرَّجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة

- ‌(7) باب فيمن قال: إن المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى

- ‌(8) باب فيمن قال: لها السكنى والنفقة

- ‌(9) باب لا تخرج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها إلا إن اضطرت إلى ذلك

- ‌(10) باب ما جاء أن الحامل إذا وضعت حملها فقد انقضت عدتها

- ‌(11) باب في الإحداد على المَيِّت في العدة

- ‌(12) باب ما جاء في اللِّعَان

- ‌(13) باب كيفية اللِّعان ووعظ المتلاعنين

- ‌(14) باب ما يتبع اللِّعان إذا كمل من الأحكام

- ‌(15) باب لا ينفى الولد لمخالفة لون أو شبه

- ‌(17) كتاب العتق

- ‌(1) باب فيمن أعتق شركًا له في عبد وذكر الاستسعاء

- ‌(2) باب إنما الولاء لمن أعتق

- ‌(3) باب كان في بريرة ثلاث سنن

- ‌(4) باب النهي عن بيع الولاء وعن هبته وفي إثم من تولى غير مواليه

- ‌(5) باب ما جاء في فضل عتق الرِّقبة المؤمنة وفي عتق الوالد

- ‌(6) باب تحسين صحبة ملك اليمين، والتغليظ على سيده في لطمه، أو ضربه في غير حد ولا أدب، أو قذفه بالزنا

- ‌(7) باب إطعام المملوك مما يأكل ولباسه مما يلبس، ولا يكلف ما يغلبه

- ‌(8) باب في مضاعفة أجر العبد الصالح

- ‌(9) باب فيمن أعتق عبيده عند موته وهم كل ماله

- ‌(10) باب ما جاء في التدبير وبيع المُدَبَّر

- ‌(18) كتاب البيوع

- ‌(1) باب النهي عن الملامسة، والمنابذة، وبيع الحصاة، والغرر

- ‌(2) باب النهي عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وعن تلقي الجلب، وعن التصرية، وعن النجش

- ‌(3) باب لا يبع حاضر لباد

- ‌(4) باب ما جاء: أن التصرية عيب يوجب الخيار

- ‌(5) باب النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض أو ينقل

- ‌(6) باب بيع الخيار، والصدق في البيع، وترك الخديعة

- ‌(7) باب النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها

- ‌(8) باب النَّهي عن المزابنة

- ‌(9) باب الرُّخصة في بيع العَرِيَّةِ بخرصها تمرا

- ‌(10) باب فيمن باع نخلًا فيه تمر، أو عبدا وله مال

- ‌(11) باب النَّهي عن المحاقلة والمخابرة والمعاومة

- ‌(12) باب ما جاء في كراء الأرض

- ‌(13) باب فيمن رأى أن النهي عن كراء الأرض إنما هو من باب الإرشاد إلى الأفضل

- ‌(14) باب المساقاة على جزء من الثمر والزرع

- ‌(15) باب في فضل من غرس غرسًا

- ‌(16) باب في وضع الجائحة

- ‌(17) باب قسم مال المفلس، والحث على وضع بعض الدين

- ‌(18) باب من أدرك ماله عند مُفلس

- ‌(19) باب في إنظار المُعسِر والتجاوز عنه ومطل الغني ظلم، والحوالة

- ‌(20) باب النَّهي عن بيع فضل الماء، وإثم منعه

- ‌(21) باب النهي عن ثمن الكلب، والسنور، وحلوان الكاهن، وكسب الحجام

- ‌(22) باب ما جاء في قتل الكلاب واقتنائها

- ‌(23) باب في إباحة أجرة الحجَّام

- ‌(24) باب تحريم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام

- ‌أبواب الصرف والربا

- ‌(25) باب تحريم التفاضل والنساء في الذهب بالذهب والورق بالورق

- ‌(26) باب تحريم الرِّبا في البُرِّ والشعير والتمر والملح

- ‌(27) باب بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب

- ‌(28) باب من قال: إن البُرَّ والشعير صنف واحد

- ‌(29) باب فسخ صفقة الربا

- ‌(30) باب ترك قول من قال: لا ربا إلا في النسيئة

- ‌(31) باب اتِّقاء الشبهات ولعن المقدم على الربا

- ‌(32) باب بيع البعير واستثناء حملانه

- ‌(33) باب الاستقراض وحسن القضاء فيه

- ‌(34) باب في السلم والرهن في البيع

- ‌(35) باب النَّهي عن الحكرة، وعن الحلف في البيع

- ‌(36) باب الشفعة

- ‌(37) باب غرز الخشب في جدار الغير، وإذا اختلف في الطريق

- ‌(38) باب إثم من غصب شيئًا من الأرض

- ‌(19) كتاب الوصايا والفرائض

- ‌(1) باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز

- ‌(2) باب الصدقة عمَّن لم يوص، وما ينتفع به الإنسان بعد موته

- ‌(3) باب ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم عند موته

- ‌(4) باب ألحقوا الفرائض بأهلها، ولا يرث المسلم الكافر

- ‌(5) باب ميراث الكلالة

- ‌(6) باب من ترك مالًا فلورثته وعصبته

- ‌(7) باب قوله عليه الصلاة والسلام: لا نورث

- ‌(20) كتاب الصَّدقة والهِبَة والحَبس

- ‌(1) باب النهي عن العود في الصدقة

- ‌(2) باب فيمن نحل بعض ولده دون بعض

- ‌(3) باب المنحة مردودة

- ‌(4) باب ما جاء في العمرى

- ‌(5) باب فيما جاء في الحُبس

- ‌(21) كتاب النذور والأيمان

- ‌(1) باب الوفاء بالنذر، وأنه لا يرد من قدر الله شيئا

- ‌(2) باب لا وفاء لنذرٍ في معصية، ولا فيما لا يملك العبد

- ‌(3) باب فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة

- ‌(4) باب كفارة النذر غير المسمى كفارة يمين، والنهي عن الحلف بغير الله تعالى

- ‌(5) باب النهي عن الحلف بالطواغي، ومن حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله

- ‌(6) باب من حلف على يمين فرأى خيرًا منها فليكفر

- ‌(7) باب اليمين على نية المستحلف والاستثناء فيه

- ‌(8) باب ما يخاف من اللجاج في اليمين، وفيمن نذر قربة في الجاهلية

الفصل: ‌(34) باب في السلم والرهن في البيع

(34) باب في السلم والرهن في البيع

[1695]

عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ وَهُم يُسلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَينِ

ــ

(34)

ومن باب: السلم والرهن

(قوله: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السَّنة والسنتين)(يسلفون) معناه: يسلمون. وقد جاء هذا اللفظ في رواية أخرى. فالسَّلم، والسلف هنا: عبارتان عن معبر واحد، غير أن الاسم الخاص بهذا الباب السَّلم؛ لأن السَّلف يقال على القرض، كما تقدَّم. والسَّلم في عرف الشرع: بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق. غير أنَّه مختص بشروط. منها متفق عليها ومنها مختلف فيها. وقد حدَّه أصحابنا بأن قالوا: هو بيع معلوم في الذمَّة، محصور بالصفة، بعين حاضرة، أو ما هو في حكمها، إلى أجل معلوم. فتقييده بمعلوم في الذمة يفيد التحرز من المجهول، ومن السَّلم في الأعيان المعينة، مثل الذي كانوا يسلفون في المدينة حين قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يسلفون في ثمار بأعيانها. فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، لما فيه من الغرر؛ إذ قد تخلف تلك النخيل فلا تثمر شيئًا.

وقولنا: (محصور بالصفة) تحرز عن المعلوم على الجملة دون التفصيل. كما لو أسلم في ثمر، أو ثياب، ولم يبين نوعها، ولا صفتها المعينة. وقولنا:(بعين حاضرة) تحرز من الدَّين بالدَّين. وقولنا: (أو ما هو في حكمها) تحرز من اليومين والثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السَّلم إليها. فإنه يجوز عندنا تأخيره ذلك القدر بشرط، وبغير شرط؛ لقرب ذلك. ولا يجوز اشتراط زيادة عليها. وقولنا:(إلى أجل معلوم) تحرز من السَّلم الحال. فإنه لا يجوز على المشهور. ووصف الأمد بالمعلوم: تحرز من الأجل المجهول الذي كانوا في الجاهلية يسلمون إليه. وسيأتي تفصيل ذلك كله.

ص: 514

فَقَالَ: مَن أَسلَفَ فِي تَمرٍ فَليُسلِف فِي كَيلٍ مَعلُومٍ، وَوَزنٍ مَعلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعلُومٍ.

ــ

و(قوله: من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) إنما جرى ذكر التمر في هذه الرواية؛ لأنه غالب ما يسلم فيه عندهم. وقد سكت عنه في الرواية الأخرى، فكانت هذه الرواية دليلًا على جواز السَّلم في كل شيء من الحيوان وغيره من العروض مما تجتمع شروط السَّلم فيه، وهو مذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، وأئمة الفتيا. وقد منع السَّلم والقرض في الحيوان الأوزاعي، والثوري. وروي عن ابن عمر، وابن مسعود. والكتاب والسُّنة حجة عليهم. فمن الكتاب عموم قوله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيعَ} وقوله: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ} ومن السُّنة الحديث المتقدم، وقياس الحيوان على العروض، ولا فارق بينهما.

وفيه دليل: على اشتراط كون المُسلَم فيه معلوم المقدار. وكذلك لا بُدَّ أن يكون معلوم الصفة المقصودة المعينة، ليرتفع الغرر والجهالة. وهو مجمع عليه، وإنما لم يذكر اشتراطها في هذا الحديث؛ لأنهم كانوا يشترطونها ويعملون عليها، فاستغني عن ذكرها، واعتني بذكر ما كانوا يُخِلُّون به من المقدار والأجل. وأما رأس مال السَّلم: فقد اشترط فيه أبو حنيفة أن يكون معلوم الكيل، أو الوزن. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز السَّلم بما كان معينًا، ولم يعلم كيله، ولا وزنه. وبه قال الشافعي في أحد قوليه. ولم يرد عن مالك فيه نصٌّ، لكن يتخرج من مسألة جواز بيع الجزاف فيما يجوز فيه جواز السَّلم بالمعين جزافًا. وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأن التقدير في الجزاف كالتحقيق، فيستوي في جواز ذلك رأس مال السَّلم وغيره.

وفيه دليل: على اشتراط الأجل في السَّلم. وهو قول أبي حنيفة. والمشهور من قول مالك، غير أن أبا حنيفة لم يُفرق بين قريب الأجل وبعيده. وأما أصحابنا فقالوا: لا بدَّ من أجل تتغير فيه الأسواق. وأقله عند ابن القاسم خمسة عشر يومًا. وقال غيره: ثلاثة

ص: 515

وفي رواية: مَن أَسلَفَ فَلَا يُسلِف إِلَّا فِي كَيلٍ مَعلُومٍ، وَوَزنٍ مَعلُومٍ.

رواه أحمد (1/ 217)، والبخاريُّ (2239)، ومسلم (1604)، وأبو داود (3463)، والترمذي (1311)، والنسائي (7/ 290).

ــ

أيام. ولم يَحُدَّها ابن عبد الحكم في روايةٍ (1) عن مالك. بل قال: أيامًا يسيرة. وهذا في البلد الواحد، وأما في البلدين فيغني ما بينهما من المسافة عن اشتراط الأجل إذا كانت معلومة وتعين وقت الخروج.

وقال الشافعي: يجوز السَّلم الحالّ (2). وهذا الحديث حجة عليه، ولا سيما على رواية من رواه:(من أسلم فلا يسلم إلا في كيل معلوم، ووزن معلوم، وإلى أجل معلوم). وكذلك الحديث الذي قال فيه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندك، وأرخص في السَّلم) (3) لأن السَّلم لما كان بيعٌ معلومٌ في الذمة كان بيعَ غائبٍ، فإن لم يكن فيه أجل كان هو البيع المنهي عنه. وإنما استثنى الشرع السَّلم من بيع ما ليس عندك؛ لأنه بيع تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتبايعين، فإن صاحب رأس المال محتاج أن يشتري الثمر، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبَّانها لينفقه عليها. فظهر: أن صفقة السَّلم من المصالح الحاجيَّة. وقد سَمَّاه الفقهاء بيع المحاويج. فإن جاز حالاًّ بطلت هذه الحكمة، وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عندك فائدة. والله أعلم.

وأما رأس مال السَّلم: فيجوز أن يتأخر عندنا ثلاثة أيام بشرط وبغير شرط، ولا يجوز تأخيره زيادة عليها بالشرط. فالشرط: وإن وقع كذلك بطل؛ لأنه ظهر

(1) في (م): في روايته.

(2)

في حاشية (ل 1): حالًا.

(3)

زيادة من (ل 1).

ص: 516

[1696]

وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اشتَرَى مِن يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرعًا لَهُ مِن حَدِيدٍ.

ــ

مع الزيادة عليها مقصود الدَّين بالدَّين، فلا يجوز بخلاف ما قبلها؛ إذ لا يتبيَّن فيه المقصد إلى ذلك؛ إذ يكون تأخير اليومين والثلاثة ليهيِّئ الثمن، ويحتال في تحصيله. ولم يجز الكوفيون، ولا الشافعي تأخيره عن العقد والافتراق، ورأوا: أنه كالصَّرف، وهذا القياس غير مسلم لهم؛ لأن البابين مختلفان بأخص أوصافهما، فإن الصَّرف بابه ضيق، كثرت فيه التعبُّدات والشروط بخلاف السَّلم فإن شوائب المعاملات عليه أكثر. وأيضًا: فإنه على نقيضه. ألا ترى: أن مقصود الشرع في الصَّرف المناجزة، والمقصود في السَّلم التوسع بالتأخير؛ فكيف تحمل فروع أحدهما على الآخر مع وجود هذه الفروق؟

والسَّلم عندنا له شروط: أن يكون مضمونًا، ومعلوم المقدار، والصِّفة، ثم وإلى أجل لا يتعذر عنده وجود المسَّلم فيه، وأن يكون رأس ماله حاضرًا، أو في حكمه، معلوم المقدار، أو في حكمه. وليس من شرطه أن يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه، خلافًا لبعض السلف، ولا أن يكون مما لا ينقطع من أيدي الناس جملة، خلافًا لمن شرط ذلك، ولا أن يكون موجودًا حين العقد خلافًا لأبي حنيفة، ولا يشترط فيه أن يذكر موضع القبض، خلافًا للكوفيين، فإنهم اشترطوا ذلك فيما له حمل ومؤونة. وعندنا: أنهم لو سكتوا عنه لم يفسد العقد، ويتعيَّن موضع العقد. وليس من شرطه ألا يكون رأس ماله جزافًا، ولا أن يتأخر، ولا أن يكون المسلم فيه حيوانًا، خلافًا لمن تقدم ذكرهم. ومسائل السلم كثيرة؛ فلتنظر في كتب الفقه، وفيما ذكرناه كفاية.

و(قوله: إنه صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل، ورهنه درعًا له من حديد) فيه دليل على جواز معاملة أهل الذمة - مع العلم بأنهم يبيعون الخمر،

ص: 517

رواه البخاريُّ (2068)، ومسلم (1603)(126).

* * *

ــ

ويأكلون الرِّبا - لأنَّا قد أقررناهم على ما بأيديهم من ذلك، وكذلك: لو أسلموا (1) لطاب لهم ذلك، وليس كذلك المُسلِم الذي يعمل بشيء من ذلك، لا يقرّ على ذلك، ولا يترك بيده على ما تقدَّم، ولا يجوز أن يعامل من كان كسبه من ذلك، وإذا تاب تصدَّق بما بيده منه. وأما أهل الحرب: فيجوز أن يعاملوا، ويُشترى منهم كل ما يجوز لنا شراؤه وتملكه. ويُباع منهم كل شيء من العروض، والحيوان ما لم يكن ذلك مضرًّا بالمسلمين مما يحتاجون إليه، وما خلا آلة الحرب، وعدَّته، وما يخاف أن يتقوَّوا به على المسلمين، فلا يباع منهم شيء منه، ولا يباع منهم ولا من أهل الذمَّة مسلم ولا مصحف. وقال ابن حبيب: لا يباع من أهل الحرب: الحرير، ولا الكتان، ولا البسط؛ لأنهم يتجمَّلون بذلك في حروبهم، ولا الطَّعام، لعلهم أن يضعفوا.

وفيه من الفقه: جواز الأخذ بالدَّين عند الحاجة كما تقدَّم، وجواز الاستيثاق بالرهن والكفالة في الدَّين والسَّلم. وقد منع الرَّهن في السَّلم زفر، والأوزاعي. وهذا الحديث؛ أعني: حديث عائشة رضي الله عنها حجة عليهم؛ إذ لا فرق بين الدَّين والسَّلم. وكذلك عموم قوله تعالى: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَينٍ} الآية.

وفيه دليل: على جواز الرَّهن في الحضر، وهو قول الجمهور. ومنعه مجاهد، وداود، وهذا الحديث حجة عليهم. ولا حجة لهم في قوله تعالى:{وَإِن كُنتُم عَلَى سَفَرٍ وَلَم تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقبُوضَةٌ} ؛ لأنه تمسُّك بالمفهوم في مقابلة المنظوم. وهو فاسد بما قررناه في الأصول. ومعنى الرَّهن

(1) من السَّلم.

ص: 518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

عندنا: احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفى الحق من ثمنها، أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم. ويلزم الرَّهن بالعقد، ويجبر الرَّاهن على دفع الرَّهن ليحوزه المرتهن عندنا خلافًا للشافعي، وأبي حنيفة، فإنهما قالا: لا يجبر عليه، ولا يلزم. والحجة عليهما قوله تعالى:{أَوفُوا بِالعُقُودِ} وهذا عقد، وقوله:{وَأَوفُوا بِالعَهدِ} وهذا عهد، وقوله صلى الله عليه وسلم:(المؤمنون عند شروطهم)(1). وهذا شرط، والقبض عندنا شرط في كمال فائدته، واختصاص المرتهن (2) به، خلافًا لهما، فإن القبض عندهما شرط في لزومه وصحته. ثم إذا حصل الحوز فمتى رجع إلى الرَّاهن باختيار المرتهن بطل الرَّهن عندنا وعند أبي حنيفة. غير أن أبا حنيفة قال: إن رجع إلى يده بعارية أو وديعة لم يبطل. وقال الشافعي: إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقا لا يبطل حكم القبض المتقدِّم. ودليلنا قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقبُوضَةٌ} فإذا خرج عن يد القابض إلى يد المقبوض منه لم يصدق عليه ذلك اللفظ لغة، ولا يصدق عليه حكمًا. واستيفاء هذه المباحث في المطوَّلات.

* * *

(1) ذكره الحافظ في الفتح (4/ 452) وعزاه لابن أبي شيبة، وهو عنده في المصنف (6/ 568).

(2)

في (ج 2): الراهن.

ص: 519