الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(4) باب فضل الإمام المقسط وإثم القاسط وقوله كلكم راع
[1405]
عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ المُقسِطِينَ عِندَ اللَّهِ تعالى عَلَى مَنَابِرَ مِن نُورٍ عَن يَمِينِ الرَّحمَنِ،
ــ
ظله يوم لا ظل إلا ظله، وقد شهد بصحة ما قلناه قوله في الحديث نفسه إلا من أخذها بحقها وأدَّى الذي عليه فيها.
(4)
ومن باب: فضل الإمام المقسط وإثم القاسط
المقسطون جمع مُقسط، اسم فاعل من أقسط؛ أي: عدل. ومنه قوله تعالى: {وَأَقسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقسِطِينَ}
وقَسَطَ: إذا جَارَ، واسم الفاعل منه: قاسط. ومنه: {وَأَمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا}
وقد فسَّر المقسطين في آخر الحديث فقال: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا.
والمنبر سُمِّي بذلك لارتفاعه؛ يقال: نَبَرَ الجرح وانتبر - أي ارتفع وانتفخ، ويعني به مجلسًا رفيعًا يتلألأُ نورًا، ويُحتمل أن يكون عبَّر به عن المنزلة الرفيعة المحمودة، ولذلك قال عن يمين الرحمن، وقال ابن عرفة: يقال أتاه عن يمين إذا أتاه من الجهة المحمودة.
وقال المفسرون في قوله تعالى {وَأَصحَابُ اليَمِينِ مَا أَصحَابُ اليَمِينِ} أي أصحاب المنزلة الرفيعة، وقيل غير هذا في الآية.
وقد شهد العقل والنقل أن الله تعالى منزه عن مماثلة الأجسام وعن
وَكِلتَا يَدَيهِ يَمِينٌ - الَّذِينَ يَعدِلُونَ فِي حُكمِهِم وَأَهلِيهِم وَمَا وَلُوا.
رواه أحمد (2/ 160)، ومسلم (1827)، والنسائي (8/ 221).
[1406]
وعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ شِمَاسَةَ قَالَ: أَتَيتُ عَائِشَةَ أَسأَلُهَا عَن
ــ
الجوارح المركَّبة من الأعصاب والعظام، وما جاء في الشريعة مِمّا يوهم شيئًا من ذلك فهو توسُّعٌ واستعارة حسب عادات مخاطباتهم الجارية على ذلك.
وقد توسَّعت العرب في اليمين فأطلقوه ولا يريدون به يمين الجارحة، بل الجهة المحمودة والظفر بالخصلة الشريفة المقصودة، كما قال شاعرهم (1):
إذا ما رايةٌ رُفِعت لِمَجدٍ
…
تلّقاها عُرابةُ باليمين
والمَجدُ: الشرف. ورايتُه عبارةٌ عَمَّا يظهرُ مَن خِصَالَه، وهما معنويان؛ فاليمين التي تتلَقَّى به تلك الراية معنويّ لا محسوس (2)، فأشَبَهُ ما يُحمَلُ عليه اليمين في هذا الحديث ما قاله ابن عرفة: إنه عبارة عن المنزلة الرفيعة والدرجة المنيعة. وقد قدّمنا أن اشتقاق اليمين من اليُمن، وأن كل ذلك راجع إلى اليُمن والبركة.
وقوله وكلتا يديه يمين تحرّز عن توهم نقصٍ وضعفٍ فيما أضافه إلى الحق سبحانه وتعالى مِمّا قصد به الإكرام والتشريف على ما مَرَّ، وذلك أنه لما كانت اليمين في حقِّنا يقابلها الشمال - وهي أنقص منها رتبةً وأضعف حركةً وأثقل لفظًا - حَسَمَ تَوهُّم مثل هذه في حق الله تعالى، فقال وكلتا يديه يمين؛ أي: كُلَّ ما نُسِبَ إليه من ذلك شريف محمود لا نقص يُتوهم فيه ولا قصور.
(1) هو الشماخ، والبيت الذي قبله:
رأيتُ عرابةَ الأوسي يسمو
…
إلى الخيراتِ منقطعَ القرينِ
(2)
في (ج): معنوية لا محسوسة.
شَيءٍ فَقَالَت: مِمَّن أَنتَ؟ فَقُلتُ: رَجُلٌ مِن أَهلِ مِصرَ. فَقَالَت: كَيفَ كَانَ صَاحِبُكُم لَكُم فِي غَزَاتِكُم هَذِهِ؟ قَالَ: مَا نَقَمنَا شَيئًا، إِن كَانَ لَيَمُوتُ لرَّجُلِ مِنَّا البَعِيرُ فَيُعطِيهِ البَعِيرَ، وَالعَبدُ فَيُعطِيهِ العَبدَ، وَيَحتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ فَيُعطِيهِ النَّفَقَةَ. فَقَالَت: أَمَا إِنَّهُ لَا يَمنَعُنِي الَّذِي فَعَلَ فِي مُحَمَّدِ بنِ أَبِي بَكرٍ أَخِي أَن أُخبِرَكَ بمَا سَمِعتُ مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ فِي بَيتِي هَذَا: اللَّهُمَّ مَن وَلِيَ مِن أَمرِ أُمَّتِي شَيئًا فَشَقَّ عَلَيهِم فَاشقُق عَلَيهِ، وَمَن وَلِيَ مِن أَمرِ أُمَّتِي شَيئًا فَرَفَقَ بِهِم فَارفُق بِهِ.
رواه أحمد (6/ 93)، ومسلم (1828).
[1406/م] وقد تقدم قوله عليه الصلاة والسلام في حديث مَعقِلَ: مِن مُاتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ.
رواه أحمد (5/ 25)، والبخاريُّ (7150)، ومسلم (142)(227).
[1407]
وعن عَائِذَ بنَ عَمرٍو وَكَانَ مِن أَصحَابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ودَخَلَ عَلَى عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: أَي بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
ــ
وقول عائشة رضي الله عنها لعبد الرحمن بن شُمَاسَة كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه؟ ، اختلف في اسم هذا الصاحب من هو؟ فقيل: كان عمرو بن العاصي - قاله خليفةُ بن خَيَّاط، وقيل معاويةُ بن حُدَيج التَّجيبي فيما قاله الهمذاني.
واختلف في كيفية قتل محمد بن أبي بكر؛ فقيل: قُتل في المعركة. وقيل: جيء به أسيرًا فقُتل. وقيل: دخل بعد الهزيمة خِربة فوجد فيها حمارًا ميتًا فدخل في جوفه، فأحرق فيه! (1)
(1) انظر سير أعلام النبلاء (3/ 481).
يَقُولُ: إِنَّ من شَرَّ الرِّعَاءِ الحُطَمَةُ، فَإِيَّاكَ أَن تَكُونَ مِنهُم! فَقَالَ لَهُ: اجلِس، فَإِنَّمَا أَنتَ مِن نُخَالَةِ أَصحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ: وَهَل كَانَت لَهُم نُخَالَةٌ! إِنَّمَا كَانَت النُّخَالَةُ بَعدَهُم وَفِي غَيرِهِم.
رواه أحمد (5/ 64)، ومسلم (1830).
[1408]
وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ،
ــ
وقوله إن من شرِّ الرّعاء، الرّعاء جَمع راع، كقاضٍ وقضاةٍ ورامٍ ورُماةٍ؛ وهو المُراعي للشيء والقائم بحفظه.
والحطمة هنا يعني الذي يشق على رعيته ويُلقي بعضها (1) على بعض، ومنه (2) سُميت جهنّم الحطمة، وأصلها من الحَطمِ وهو كسر الحطام، وقيل: هو الأكول - يقال رجل حطمة إذا كان كثير الأكل.
وهذا الكلام من عائذ بن عمرو وعظ ونصيحة وذكرى لو صادفت مَن تنفعه الذكرى، لكنها صادفت غليظ الطبع والفهم ومن إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم، فلقد غلب عليه الشقاء (3) والجهالة حتى جعل فيمن اختاره الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم الحثالة ونسبهم إلى النُّخالة والرُّذالة، فهو معهم على الكلمة التي طارت وحلت: رمتني بدائها وانسلّت! ولقد أحسن عائِذ في الردّ عليه حيث أسمعه من الحق ما ملأ قلبه وأصمَّ أُذنيه، فقال - ولم يبال بهجرهم: وهل كانت الحثالة إلا بعدهم وفي غيرهم!
حثالة الشيء ورُذَالتُهُ وسقطُهُ: شِرارُهُ.
وقوله إنما الإمام جُنَّة، المَجَنُّ والجُنَّةُ والجَانُّ والجَنَّةُ والجِنَّةُ - كله راجع إلى معنى السِّتر والتَّوَقِّي؛ يعني أنه يُتَّقى بنظره ورأيه في الأمور
(1) في (ج 2): بعضًا على بعض.
(2)
في (ع) و (ج): وبه.
(3)
في (ج) و (ج 2): الجفاء.
يُقَاتَلُ مِن وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِن أَمَرَ بِتَقوَى اللَّهِ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجره،
ــ
العظام والوقائع الخطيرة ولا يُتَقدّم على رأيه، ولا يُنفرد دونه بأمر مهم حتى يكون هو الذي يشرع في ذلك.
وقوله يُقاتل من ورائه؛ أي أمامه، ووراء من الأضداد، يقال بمعنى خلف وبمعنى أمام، وعلى هذا حمل أكثر المفسرين قوله تعالى:{وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ} ؛ أي: أمامهم - وأنشدوا قول الشاعر (1):
أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي
…
وقومي تميم والفَلاة ورائيا؟ !
وأصله أن كل ما توارى عنك - أي غاب - فهو وراء، وهذا خبر منه صلى الله عليه وسلم عن المشروعية، فكأنه قال: الذي يجب أو يتعيَّن أن يقاتل أمام الإمام ولا يترك يباشر القتال بنفسه لما فيه من تعرّضه للهلاك، فيهلك كل من معه. ويكفي دليلًا في هذا المعنى تغبية (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم بدر وغيره، فإنه صلى الله عليه وسلم كان في العريش في القلب والمقاتِلة أمامه.
وقد تضمن هذا اللفظ - على إيجازه - أمرين؛
أحدهما: أن الإمام يُقتدى برأيه ويُقاتل بين يديه، فهما خبران عن أمرين متغايرين، وهذا أحسن ما قيل في هذا الحديث، على أن ظاهره أنه يكون أمام الناس في القتال وغيره، وليس الأمر كذلك، بل كما بينَّاه، والله تعالى أعلم.
وقوله فإن أمر بتقوى الله وعدل كان له بذلك أجر؛ أي أجر عظيم، فَسَكَتَ عن الصفة للعلم بها، وقد دلّ على ذلك ما تقدَّم من قوله صلى الله عليه وسلم إن المقسطين على منابر من نور، وقوله في السبعة الذين يظلهم الله في ظله وإمام عادل (3).
(1) هو سوار بن المُضرِّب.
(2)
من "غبي" بمعنى: خفي.
(3)
رواه أحمد (2/ 439)، والبخاري (660)، ومسلم (1031)، والترمذي (2391) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وَإِن يَأمُر بِغَيرِهِ كَانَ عَلَيهِ مِنهُ.
رواه البخاريُّ (2957)، ومسلم (1841)، وأبو داود (2757)، والنسائي (8/ 155).
[1409]
وعَن ابنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: أَلَا كُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ؛ فَالأميرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهلِ بَيتِهِ وَهُوَ مَسؤولٌ عَنهُم، وَالمَرأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيتِ بَعلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسؤولَةٌ عَنهُم، وَالعَبدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسؤولٌ عَنهُ، أَلَا فَكُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ.
رواه أحمد (2/ 5 و 54 - 55)، والبخاريُّ (2554)، ومسلم (1829)، والترمذيُّ (1705)، وأبو داود (2928).
* * *
ــ
وقوله وإن يأمر بغيره كان عليه منه؛ أي: إن أمر بجور (1) كان عليه الحظ الأكبر من إثم الجور. ومن هنا للتبعيض؛ أي لا يختص هو بالإثم، بل المُنَفِّذ لذلك الجَور يكون عليه أيضًا حظه من الإثم والراضي به، فالكل يشتركون في إثم الجَور، غير أن الإمام أعظمهم حظًّا منه لأنه مُمضِيه وَحَامِلٌ عليه.
وقوله كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، قد تقدَّم أن الراعي هو الحافظ للشيء المراعي لمصالحه، وكل من ذكر في هذا الحديث قد كُلِّف ضبطَ ما أُسند إليه من رعيته واؤتُمِنَ عليه، فيَجِبُ عليه أن يجتهد في ذلك وينصح ولا يفرط في شيء من ذلك، فإن وفَّى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر
(1) ساقطة من (ع).