الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(9) باب لا تخرج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها إلا إن اضطرت إلى ذلك
[1552]
عَن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عُتبَةَ - وهو مرسل على ما قاله أبو مسعود الدمشقي - أَنَّ أَبَا عَمرِو بنَ حَفصِ بنِ المُغِيرَةِ خَرَجَ مَعَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى اليَمَنِ فَأَرسَلَ إِلَى امرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنتِ قَيسٍ بِتَطلِيقَةٍ كَانَت بَقِيَت مِن طَلَاقِهَا، وَأَمَرَ لَهَا الحَارِثَ بنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِنَفَقَةٍ فَقَالَا لَهَا: وَاللَّهِ مَا لَكِ نَفَقَةٌ إِلَّا أَن تَكُونِي حَامِلًا، فَأَتَت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَت لَهُ قَولَهُمَا فَقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَكِ. فَاستَأذَنَتهُ فِي الِانتِقَالِ، فَأَذِنَ لَهَا فَقَالَت: أَينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إِلَى ابنِ أُمِّ مَكتُومٍ وَكَانَ أَعمَى تَضَعُ ثِيَابَهَا عِندَهُ وَلَا يَرَاهَا، فَلَمَّا مَضَت عِدَّتُهَا أَنكَحَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ، فَأَرسَلَ إِلَيهَا مَروَانُ قَبِيصَةَ بنَ ذُؤَيبٍ يَسأَلُهَا عَن الحَدِيثِ، فَحَدَّثَتهُ بِهِ فَقَالَ مَروَانُ: لَم نَسمَع هَذَا الحَدِيثَ إِلَّا مِن امرَأَةٍ سَنَأخُذُ بِالعِصمَةِ الَّتِي وَجَدنَا النَّاسَ عَلَيهَا. فَقَالَت فَاطِمَةُ حِينَ بَلَغَهَا قَولُ مَروَانَ: فَبَينِي وَبَينَكُم القُرآنُ قَالَ اللَّهُ تعالى: لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ، قَالَت: هَذَا لِمَن
ــ
(9)
ومن باب: لا تخرج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها (1)
(قول فاطمة لما بلغها قول مروان: (فبيني وبينكم القرآن) وتلت قوله تعالى: {لا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ} الآية، وقالت: هذا لمن كانت له الرجعة، وأشارت بقولها:(فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ ! ) إلى قوله تعالى: {لَعَلَّ
(1) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص.
كَانَت لَهُ مُرَاجَعَةٌ فَأَيُّ أَمرٍ يَحدُثُ بَعدَ الثَّلَاثِ؟ فَكَيفَ تَقُولُونَ: لَا نَفَقَةَ لَهَا إِذَا لَم تَكُن حَامِلًا؟ فَعَلَامَ تَحبِسُونَهَا؟
رواه مسلم (1480)(41).
[1553]
عَن فَاطِمَةَ بِنتِ قَيسٍ قَالَت: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أَن يُقتَحَمَ عَلَيَّ قَالَ: فَأَمَرَهَا فَتَحَوَّلَت.
رواه مسلم (1482)(53).
ــ
اللَّهَ يُحدِثُ بَعدَ ذَلِكَ أَمرًا} ظاهر كلامها هذا إنما هو ردٌّ على مروان في منعه البائن من الانتقال من بيتها؛ لأنها كانت تجيز الخروج للبائن على نحو ما أباحه لها النبي صلى الله عليه وسلم وكأنها فهمت عن مروان، أو نقل إليها: أنه يمنع البائن من الخروج مطلقا، فاستدلَّت بأن الآية التي تلتها إنما تضمنت النهي عن خروج المطلقة الرجعية؛ لأنها بصدد أن يحدث لمطلقها رأي في ارتجاعها ما دامت في عدَّتها، فكأنها تحت تصرف الزوج في كل وقت، وأما البائن فليس لها شيء من ذلك فيها، فيجوز لها أن تخرج إذا دعتها إلى ذلك حاجة، أو خافت عورة، كما أباح لها ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. هذا ظاهر صدر كلامها مع مروان، غير أن عجز كلامها هذا يظهر منه: أن منازعتها لمروان إنما كانت في النفقة لها. فكان مروان لا يراها لها، وهي تراها لها. وهو ظاهر قولها:(فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملًا، وليس كذلك. فإنها قد نصَّت في أول الحديث على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا نفقة لك) فكيف تخالف هي هذا النصّ؟ وتقول: إن لها النفقة. هذا محال، وكأنَّ هذا وهم من بعض الرواة في قوله:(فكيف يقولون لا نفقة لها إذا لم تكن حاملًا؟ ).
و(قولها: فعلام تحبسونها؟ ) معناه: فلأيِّ شيء تمنعونها من الانتقال إذا لم تكن عليها رجعة؟ ! وقد دلَّ على هذا قوله: (فاستأذنته في الانتقال، فأذن لها) فهذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم.
وعلى الجملة: فحديثُ فاطمة: كثرةِ اضطرابه
[1554]
وعَن القَاسِمِ، عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: مَا لِفَاطِمَةَ خَيرٌ أَن تَذكُرَ هَذَا الحديث. قَالَ: تَعنِي قَولَهَا: لَا سُكنَى وَلَا نَفَقَةَ.
رواه مسلم (1481)(54)، وأبو داود (2293).
ــ
قاصمةٌ، فما أولاه لاختلاف معناه ولفظه بقول عمر: الذي جعل الله تعالى الحقَّ على لسانه وقلبه.
و(قول عائشة: (ما لفاطمة خير أن تذكر هذا الحديث) لا يلتفت منه إلى فَهمِ مَن فَهِمَ من قول عائشة هذا نقصًا في حق فاطمة، ولا تكذيبًا من عائشة لها على ما تقدَّم، وإنما أنكرت عليها قولها: لا سكنى لها ولا نفقة؛ كما نصَّ عليه الراوي. ويظهر من إنكار عائشة: أنها ترى: لها السكنى والنفقة، كما رآه عمر، تمسُّكًا منها بما تمسَّك هو به. والله تعالى أعلم.
ويحتمل أن تكون أنكرت قولها: لا سكنى فقط، والظاهر الأول. ويغفر الله تعالى لسعيد بن المسيب ما وقع فيه حيث قال في هذه الصحابية المختارة (1):(تلك امرأةٌ فتنتِ الناس، إنها كانت لسنة، فوضعت على يد ابن أم مكتوم) وروي عنه أيضًا أنه قال: (تلك امرأة استطالت على أحمائها، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنتقل) فلقد أفحش في القول، واغتابها، ولا بُدَّ لها معه من موقف بين يدي الله تعالى.
وحديث فاطمة إذًا تُتُبِّعَت ألفاظ رواياته استُخرج منها أبواب كثيرة من الفقه لا تخفى على متأمِّل فطن.
ووقع في الأم (2) قول فاطمة: (فشرَّفني الله بابن زيد) و (كرمني بابن زيد) كذا لكافة الرواة، وعند السمرقندي:(بأبي زيد) فيهما، وكلاهما صحيح؛ لأن زيدًا أبوه، ويكنى هو: بأبي زيد. وقيل: أبو محمد. وهذا يدلُّ على فضلها،
(1) ليست في (ع).
(2)
انظره في صحيح مسلم (1480)(49).
[1555]
وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ يَقُولُ: طُلِّقَت خَالَتِي، فَأَرَادَت أَن تَجُدَّ نَخلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَن تَخرُجَ، فَأَتَت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: بَلَى فَجُدِّي نَخلَكِ فَإِنَّكِ عَسَى أَن تَصَدَّقِي أَو تَفعَلِي مَعرُوفًا.
رواه مسلم (1483)، وأبو داود (1297)، والنسائي (6/ 209)، وابن ماجه (2034).
* * *
ــ
وتواضعها رضي الله عنها. وعلى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال لها: (طاعة الله وطاعة رسوله خير لك) فكان كما قال صلى الله عليه وسلم.
و(قوله للمعتدَّة: (فَجُدِّي نَخلِك) وإباحته لها الخروج لجدِّ نخلها؛ دليل لمالك، والشافعي، وأحمد، والليث على قولهم: إن المعتدة تخرج بالنهار في حوائجها، وإنما تلزم منزلها بالليل. وسواء عند مالك كانت رجعية أو بائنة. وقال الشافعي في الرجعية: لا تخرج ليلًا ولا نهارًا، وإنما تخرج نهارًا المبتوتة. وقال أبو حنيفة: ذلك في المتوفى عنها زوجها، وأمَّا المطلقة: فلا تخرج ليلًا ولا نهارًا. وقال الجمهور بهذا الحديث: إن الجداد بالنهار عرفًا، وشرعًا. أما العرف: فهو عادة الناس في مثل ذلك الشغل. وأما الشرع: فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن جداد الليل. ولا يقال: فيلزم من إطلاقه أن تخرج بالليل؛ إذ قد يكون نخلها بعيدًا تحتاج إلى المبيت فيه؛ لأنا نقول: لا يلزم ذلك من هذا الحديث؛ لأن نخلهم لم يكن الغالب عليها البعد من المدينة، بحيث يحتاج إلى المبيت، وإنما هي بحيث يخرج إليها، ويرجع منها في النهار.
و(قوله: فلعلَّكِ أن تصَّدَّقي، أو تفعلي معروفًا) ليس تعليلًا لإباحة الخروج إليها بالاتفاق، وإنما خرج هذا مخرج التنبيه لها، والحضِّ على فعل الخير، والله تعالى أعلم.