المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(11) باب في الإحداد على الميت في العدة - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - جـ ٤

[أبو العباس القرطبي]

فهرس الكتاب

- ‌(14) كِتَاب الإِمَارَةِ وَالبَيعَةِ

- ‌(1) بَاب اشتِرَاطِ نَسَبِ قُرَيشٍ في الخِلافَةِ

- ‌(2) باب في جواز ترك الاستخلاف

- ‌(3) باب النهي عن سؤال الإمارة والحرص عليها وأن من كان منه ذلك لا يولاها

- ‌(4) باب فضل الإمام المقسط وإثم القاسط وقوله كلكم راع

- ‌(5) باب تغليظ أمر الغلول

- ‌(6) باب ما جاء في هدايا الأمراء

- ‌(7) باب قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم}

- ‌(8) باب إنما الطاعة ما لم يأمر بمعصية

- ‌(9) باب في البيعة على ماذا تكون

- ‌(10) باب الأمر بالوفاء ببيعة الأول ويضرب عنق الآخر

- ‌(11) باب يصبر على أذاهم وتؤدَّى حقوقهم

- ‌(12) باب فيمن خلع يدا من طاعة وفارق الجماعة

- ‌(13) باب في حكم من فرَّق أمر هذه الأمة وهي جميع

- ‌(14) باب في الإنكار على الأمراء وبيان خيارهم وشرارهم

- ‌(15) باب مبايعة الإمام على عدم الفرار وعلى الموت

- ‌(16) باب لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وعمل صالح

- ‌(17) باب في بيعة النساء والمجذوم وكيفيتها

- ‌(18) باب وفاء الإمام بما عقده غيره إذا كان العقد جائزا ومتابعة سيد القوم عنهم

- ‌(19) باب جواز أمان المرأة

- ‌(15) كتاب النكاح

- ‌(1) باب الترغيب في النكاح وكراهية التبتل

- ‌(2) باب ردّ ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة

- ‌(3) باب ما كان أبيح في أول الإسلام من نكاح المتعة

- ‌(4) باب نسخ نكاح المتعة

- ‌(5) باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها وما جاء في نكاح المحرم

- ‌(6) باب النهي عن خِطبَةِ الرجل على خِطبَةِ أخيه وعن الشغار وعن الشرط في النكاح

- ‌(7) باب استئمار الثيب واستئذان البكر والصغيرة يزوجها أبوها

- ‌(8) باب النّظر إلى المخطوبة

- ‌(9) باب في اشتراط الصَّداق في النكاح وجواز كونه منافع

- ‌(10) باب كم أصدق النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه؟ وجواز الأكثر من ذلك والأقل والأمر بالوليمة

- ‌(11) باب عِتق الأمةِ وتزويجها وهل يصح أن يجعل العتق صداقا

- ‌(12) باب تزويج زينب ونزول الحجاب

- ‌(13) باب الهدية للعروس في حال خلوته

- ‌(14) باب إجابة دعوة النكاح

- ‌(15) باب في قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم) الآية وما يقال عند الجماع

- ‌(16) باب تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها، ونشر أحدهما سر الآخر

- ‌(17) باب في العزل عن المرأة

- ‌(18) باب تحريم وطء الحامل من غيره حتى تضع، وذكر الغيل

- ‌أبواب الرضاع

- ‌(19) باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة

- ‌(20) باب التحريم من قِبَل الفحل

- ‌(21) باب تحريم الأخت وبنت الأخ من الرضاعة

- ‌(22) باب لا تُحرِّم المَصَّةُ ولا المَصَّتان

- ‌(23) باب نسخ عشر رضعات بخمس، ورضاعة الكبير

- ‌(24) باب إنما الرَّضاعة من المَجَاعة

- ‌(25) باب في قوله تعالى: (والمحصنات من النساء)

- ‌(26) باب الولد للفراش

- ‌(27) باب قبول قول القافة في الولد

- ‌(28) باب المقام عند البكر والثيب

- ‌(29) باب في القَسم بين النساء وفي جواز هبة المرأة يومها لضرتها

- ‌(30) باب في قوله تعالى: {تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ}

- ‌(31) باب الحث على نكاح الأبكار وذوات الدين

- ‌(32) باب مَن قَدم من سفر فلا يعجل بالدخول على أهله فإذا دخل فالكيس الكيس

- ‌(33) باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، ومداراة النساء

- ‌(16) كتاب الطلاق

- ‌(1) باب في طلاق السنة

- ‌(2) باب ما يُحِلُّ المطلقة ثلاثًا

- ‌(3) باب إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة

- ‌(4) باب في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}

- ‌(5) باب في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدنَ الحَيَاةَ الدُّنيَا} الآية

- ‌(6) باب إيلاء الرَّجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة

- ‌(7) باب فيمن قال: إن المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى

- ‌(8) باب فيمن قال: لها السكنى والنفقة

- ‌(9) باب لا تخرج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها إلا إن اضطرت إلى ذلك

- ‌(10) باب ما جاء أن الحامل إذا وضعت حملها فقد انقضت عدتها

- ‌(11) باب في الإحداد على المَيِّت في العدة

- ‌(12) باب ما جاء في اللِّعَان

- ‌(13) باب كيفية اللِّعان ووعظ المتلاعنين

- ‌(14) باب ما يتبع اللِّعان إذا كمل من الأحكام

- ‌(15) باب لا ينفى الولد لمخالفة لون أو شبه

- ‌(17) كتاب العتق

- ‌(1) باب فيمن أعتق شركًا له في عبد وذكر الاستسعاء

- ‌(2) باب إنما الولاء لمن أعتق

- ‌(3) باب كان في بريرة ثلاث سنن

- ‌(4) باب النهي عن بيع الولاء وعن هبته وفي إثم من تولى غير مواليه

- ‌(5) باب ما جاء في فضل عتق الرِّقبة المؤمنة وفي عتق الوالد

- ‌(6) باب تحسين صحبة ملك اليمين، والتغليظ على سيده في لطمه، أو ضربه في غير حد ولا أدب، أو قذفه بالزنا

- ‌(7) باب إطعام المملوك مما يأكل ولباسه مما يلبس، ولا يكلف ما يغلبه

- ‌(8) باب في مضاعفة أجر العبد الصالح

- ‌(9) باب فيمن أعتق عبيده عند موته وهم كل ماله

- ‌(10) باب ما جاء في التدبير وبيع المُدَبَّر

- ‌(18) كتاب البيوع

- ‌(1) باب النهي عن الملامسة، والمنابذة، وبيع الحصاة، والغرر

- ‌(2) باب النهي عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وعن تلقي الجلب، وعن التصرية، وعن النجش

- ‌(3) باب لا يبع حاضر لباد

- ‌(4) باب ما جاء: أن التصرية عيب يوجب الخيار

- ‌(5) باب النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض أو ينقل

- ‌(6) باب بيع الخيار، والصدق في البيع، وترك الخديعة

- ‌(7) باب النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها

- ‌(8) باب النَّهي عن المزابنة

- ‌(9) باب الرُّخصة في بيع العَرِيَّةِ بخرصها تمرا

- ‌(10) باب فيمن باع نخلًا فيه تمر، أو عبدا وله مال

- ‌(11) باب النَّهي عن المحاقلة والمخابرة والمعاومة

- ‌(12) باب ما جاء في كراء الأرض

- ‌(13) باب فيمن رأى أن النهي عن كراء الأرض إنما هو من باب الإرشاد إلى الأفضل

- ‌(14) باب المساقاة على جزء من الثمر والزرع

- ‌(15) باب في فضل من غرس غرسًا

- ‌(16) باب في وضع الجائحة

- ‌(17) باب قسم مال المفلس، والحث على وضع بعض الدين

- ‌(18) باب من أدرك ماله عند مُفلس

- ‌(19) باب في إنظار المُعسِر والتجاوز عنه ومطل الغني ظلم، والحوالة

- ‌(20) باب النَّهي عن بيع فضل الماء، وإثم منعه

- ‌(21) باب النهي عن ثمن الكلب، والسنور، وحلوان الكاهن، وكسب الحجام

- ‌(22) باب ما جاء في قتل الكلاب واقتنائها

- ‌(23) باب في إباحة أجرة الحجَّام

- ‌(24) باب تحريم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام

- ‌أبواب الصرف والربا

- ‌(25) باب تحريم التفاضل والنساء في الذهب بالذهب والورق بالورق

- ‌(26) باب تحريم الرِّبا في البُرِّ والشعير والتمر والملح

- ‌(27) باب بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب

- ‌(28) باب من قال: إن البُرَّ والشعير صنف واحد

- ‌(29) باب فسخ صفقة الربا

- ‌(30) باب ترك قول من قال: لا ربا إلا في النسيئة

- ‌(31) باب اتِّقاء الشبهات ولعن المقدم على الربا

- ‌(32) باب بيع البعير واستثناء حملانه

- ‌(33) باب الاستقراض وحسن القضاء فيه

- ‌(34) باب في السلم والرهن في البيع

- ‌(35) باب النَّهي عن الحكرة، وعن الحلف في البيع

- ‌(36) باب الشفعة

- ‌(37) باب غرز الخشب في جدار الغير، وإذا اختلف في الطريق

- ‌(38) باب إثم من غصب شيئًا من الأرض

- ‌(19) كتاب الوصايا والفرائض

- ‌(1) باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز

- ‌(2) باب الصدقة عمَّن لم يوص، وما ينتفع به الإنسان بعد موته

- ‌(3) باب ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم عند موته

- ‌(4) باب ألحقوا الفرائض بأهلها، ولا يرث المسلم الكافر

- ‌(5) باب ميراث الكلالة

- ‌(6) باب من ترك مالًا فلورثته وعصبته

- ‌(7) باب قوله عليه الصلاة والسلام: لا نورث

- ‌(20) كتاب الصَّدقة والهِبَة والحَبس

- ‌(1) باب النهي عن العود في الصدقة

- ‌(2) باب فيمن نحل بعض ولده دون بعض

- ‌(3) باب المنحة مردودة

- ‌(4) باب ما جاء في العمرى

- ‌(5) باب فيما جاء في الحُبس

- ‌(21) كتاب النذور والأيمان

- ‌(1) باب الوفاء بالنذر، وأنه لا يرد من قدر الله شيئا

- ‌(2) باب لا وفاء لنذرٍ في معصية، ولا فيما لا يملك العبد

- ‌(3) باب فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة

- ‌(4) باب كفارة النذر غير المسمى كفارة يمين، والنهي عن الحلف بغير الله تعالى

- ‌(5) باب النهي عن الحلف بالطواغي، ومن حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله

- ‌(6) باب من حلف على يمين فرأى خيرًا منها فليكفر

- ‌(7) باب اليمين على نية المستحلف والاستثناء فيه

- ‌(8) باب ما يخاف من اللجاج في اليمين، وفيمن نذر قربة في الجاهلية

الفصل: ‌(11) باب في الإحداد على الميت في العدة

رواه مسلم (1484)(56)، وأبو داود (2306)، والنسائي (6/ 196)، وابن ماجه (2027).

* * *

(11) باب في الإحداد على المَيِّت في العدة

[1558]

عَن حُمَيدِ بنِ نَافِعٍ، أن زَينَبَ ابِنةِ أَبِي سَلَمَةَ أَخبَرَتهُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ قَالَ: قَالَت زَينَبُ: دَخَلتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفيَانَ فَدَعَت أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفرَةٌ خَلُوقٌ أَو

ــ

والشعبي، والنخعي، وحماد فقالوا: لا تنكح ما دامت في دم نفاسها. والحديث حجة عليهم، ولا حجة لهم في قوله في الأم: فلمَّا تعلّت من نفاسها تجملت للخطَّاب (1)؛ لأن (تعلَّت) وإن كان أصله: طهرت من دم نفاسها، على ما حكاه الخليل، فيحتمل أن يكون المراد به هاهنا: تعلت من آلام نفاسها؛ أي: استقلت من أوجاعها وتغييراته. ولو سلِّم أن معناه ما قاله الخليل، فلا حجة فيه، وإنما الحجة في قوله صلى الله عليه وسلم لسبيعة:(قد حللت حين وضعت) فأوقع الحِلَّ حين الوضع، وعلَّقه عليه، ولم يقل: إذا انقطع دمُكِ. ولا: إذا طَهُرتِ: فصحَّ ما قاله الجمهور.

وفي حديث سُبَيعة هذه دليل: على جواز المنازعة، والمناظرة في المسائل الشرعية، وعلى أخبار الآحاد، وعلى الرجوع في الوقائع إلى من يُظَّنُّ علم ذلك عنده، وإن كان امرأة. إلى غير ذلك.

(11)

ومن باب: الإحداد على المَيِّت

(الخلوق) - بفتح الخاء المنقوطة -: أنواع من الطيب تخلط بالزعفران.

(1) الحديث في صحيح مسلم (1484/ 56).

ص: 282

غَيرُهُ، فَدَهَنَت مِنهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّت بِعَارِضَيهَا، ثُمَّ قَالَت: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ حَاجَةٍ غَيرَ أَنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِامرَأَةٍ تُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوجٍ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا.

قَالَت زَينَبُ: ثُمَّ دَخَلتُ عَلَى زَينَبَ بِنتِ جَحشٍ، حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا فَدَعَت بِطِيبٍ، فَمَسَّت مِنهُ، ثُمَّ قَالَت: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِن حَاجَةٍ غَيرَ أَنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عَلَى المِنبَرِ: لَا يَحِلُّ لِامرَأَةٍ تُؤمِنُ بِاللَّهِ

ــ

وهو: العبير أيضًا. وأصل العوارض: الأسنان. وسُمِّيت الخدود: عوارض لأنها عليها، من باب: تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب. والعارضان هاهنا هما: الخدَّان. والإحداد: مصدر: أحدَّت المرأة على زوجها فهي مُحِدٌّ: إذا امتنعت من الزينة. ويقال: حدَّت فهي حادٌّ. وكل ما يصاغ من (ح. د) كيفما تصرَّف فهو راجع إلى معنى المنع.

و(قوله: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدَّ على ميت فوق ثلاث) فاعل (لا يحل) المصدر الذي يمكن صياغته من (تحد) مع (أن) المرادة. فكأنَّه قال: الإحداد.

ووصفُ المرأة بالإيمان يدلُّ على صحة أحد القولين عندنا في الكتابية المتوفَّى عنها زوجها المسلم: أنها لا إحداد عليها. وبه قال أبو حنيفة، والكوفيون، وابن كنانة، وابن نافع، وأشهب من أصحابنا. وقال الشافعي وعامة أصحابنا: عليها الإحداد.

و(قوله: فوق ثلاث) يعني به: الليالي، ولذلك أنَّثَ العدد (1).

ويستفاد منه: أن المرأة إذا مات حميمُها فلها أن تمتنع من الزينة ثلاث ليال متتابعة، تبدأ

(1) الحقيقة: أنه ذكَّر العدد، فقال ثلاث، ولكن تذكيره يدلُّ على أن المعدود مؤنث، وهو الليالي التي واحدها: ليلة.

ص: 283

وَاليَومِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوجٍ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا.

قَالَت زَينَبُ: سَمِعتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَت امرَأَةٌ إِلَى

ــ

بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها، فإن مات حميمُها في بقية (1) يوم، أو ليلة ألغتها، وحسبت من الليلة القابلة (2) المستأنفة.

و(قوله: إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا)(أربعة) منصوب على الظرف، والعامل فيه (تُحِدُّ) و (عشرًا) معطوف عليه.

وهذا الحديث بحكم عمومه يتناول الزوجات كلهن، المتوفَّى عنهن أزواجهن. فيدخل فيه الحرائر، والإماء، والكبار، والصغار. وهو مذهب الجمهور.

وذهب أبو حنيفة: إلى أنه لا إحداد على أمة، ولا صغيرة. والحديث (3) حجة عليه. ولا خلاف أعلمه: أنهما لا بدَّ لهما من العدَّة.

فبالطريق التي تلزمهما به العدَّة يلزمهما الإحداد.

و(إلا على زوج) إيجاب بعد نفي. فيقتضي حصر الإحداد على المتوفى عنها زوجها، فلا تدخل المطلقة فيه من جهة لفظه بوجه. فلا إحداد على مطلقة عندنا، رجعية كانت أو بائنة واحدة، أو أكثر. وهو مذهب مالك، والشافعي، وربيعة، وعطاء، وابن المنذر.

وقال قوم: إن المطلقة ثلاثًا عليها الإحداد. وإليه ذهب أبو حنيفة، والكوفيون، وأبو ثور، وأبو عبيد. وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: الاحتياط أن تتقي المطلقة الزينة، وقد شذَّ الحسن فقال: لا إحداد على مطلقة، ولا متوفى عنها زوجها. وهو قول يدلّ على إبطاله نَصُّ الحديث المُتقدِّم.

وأمَّا من رأى أن الإحداد على المطلقة فمستنده: إلحاقها بالمتوفَّى عنها زوجها. وليس بصحيح؛ وللحصر الذي في الحديث، لوجود الفرق بينهما.

(1) ساقطة من (ع).

(2)

من (ج 2).

(3)

في (ج 2): والعموم.

ص: 284

رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابنَتِي تُوُفِّيَ عَنهَا زَوجُهَا، وَقَد اشتَكَت عَينُهَا أَفَنَكحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا (مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثًا كُلَّ

ــ

وذلك: أن الإحداد إنما هو مبالغة في التحرز من تعرضها لأسباب النكاح في حق المتوفى عنها، لعدم الزوج؛ إذ ليس من جهته من يقوم مقامه في البحث عنها والتحرز بها، بخلاف المطلق؛ فإنه حيٌّ، متمكِّن من البحث عن أحوالها، فافترقا. هذا إن قلنا: إن الإحداد معقول المعنى. فإن قلنا: إنه تعبد؛ انقطع الإلحاق القياسي. ولو سُلِّم صحة الإلحاق القياسي؛ لكان التمسَّك بظاهر اللفظ أولى. وقد بينَّا: أنه يدلُّ على الحصر، والله تعالى أعلم.

وإنَّما خصَّ الله تعالى عدَّة الوفاة بأربعة أشهر وعشر؛ لأن غالب الحمل يبين تحركه في تلك المدَّة؛ لأن النُّطفَة تبقى في الرَّحم أربعين، ثم تصير علقة أربعين، ثم مضغة أربعين، فتلك أربعة أشهر، ثم ينفخ فيه الروح بعد ذلك، فتظهر حركته في العشر الزائد على الأربعة الأشهر. وهذا على ما جاء من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

وأنَّثَ عشرًا؛ لأنه أراد به مدَّة العشر. قاله المبرد. وقيل: لأنه أراد الأيام بلياليها. وإلى هذا ذهب كافة العلماء. فقالوا: إنها عشرة أيام بعد الأربعة الأشهر. وقال الأوزاعي: إنما أنَّث العشر؛ لأنه أراد الليالي. فعلى قول الجمهور: تحل باليوم العاشر بآخره. وعلى قول الأوزاعي: تحل بانقضاء الليلة العاشرة. وقد احتج قوم بقوله: أربعة أشهر وعشرا: على أن ما زاد على هذا العدد إذا كانت حاملًا لم يلزم فيه الإحداد. وقال أصحابنا: عليها الإحداد إلى أن تضع؛ نظرًا إلى المعنى؛ إذ كل ذلك عدَّةٍ من وفاة، وإنما خَصَّ ذلك العدد بالذكر؛ لأن الحِيَّلَ من النساء (1) أغلب، وهنَّ الأصل، والحمل طارئ. والله تعالى أعلم.

ومنعه صلى الله عليه وسلم الكحل للمرأة التي تُخُوِّفَ على عينها يدلُّ: على التشديد في منع المُحدّ من الاكتحال بما فيه زينة، أو طيب إذا وجدت منه بًّدا، إثمدًا كان أو

(1) أي: النساء غير الحوامل.

ص: 285

ذَلِكَ يَقُولُ: لَا) ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ أَربَعَةُ أَشهُرٍ وَعَشرٌ، وَقَد كَانَت إِحدَاكُنَّ فِي الجَاهِلِيَّةِ تَرمِي بِالبَعرَةِ عَلَى رَأسِ الحَولِ قَالَ حُمَيدٌ: فقُلتُ لِزَينَبَ: وَمَا تَرمِي بِالبَعرَةِ عَلَى رَأسِ الحَولِ؟ فَقَالَت زَينَبُ: كَانَت المَرأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ

ــ

غيره. وهو مذهب الجمهور.

فأما إذا اضطرت إليه فاختلفوا؛ فمنهم من قال: تجعله بالليل، وتمسحه بالنهار. وبه قال الكوفيون، والنخعي، وعطاء، والشافعي، أخذًا بما في الموطأ من حديث أم سلمة، من قوله:(اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار)(1).

ومنهم من قال: تستعمله ليلًا ونهارًا، بحسب ضرورتها. وبه قال سالم، وسليمان بن يسار، ومالك، حكاه عنه الباجي وغيره. وتأول هؤلاء قوله في هذا الحديث:(تخوفوا عليها): إن هذا الخوف لم يكن محقَّقًا، ولو كان الضرر محقَّقًا حاصلًا بلا بدَّ لأباحه لها؛ لأن المنع إذ ذاك كان يكون حرجًا في الدِّين، وهو مرفوع بقاعدة الشرع.

و(قوله: إنما هي أربعة أشهر وعشر) إنما تفيد التقليل والحصر. يتمسَّك بها من يرى: أن الإحداد لا تزيد فيه الحامل على أربعة أشهر والعشر. وقد تقدَّم.

و(قوله: قد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول) هذا منه صلى الله عليه وسلم إخبار عن حالة المتوفَّى عنهن أزواجهن قبل ورود الشرع. وحاصله: أنهن كنَّ يقمنَّ في بيوتهن حولًا ملازمات لحالة الشَّعث، والبذاذة، والتَّفل، ووحشة المسكن، وفي شرار الثياب، والأحلاس، إلى أن ينقضي الحول، وعند ذلك تخرج، فترمي ببعرة مُشعِرَة بأن أمر العدَّة المذكورة - وإن كان شديدًا - قد هان عليها في حقِّ من مات عنها كرمي البعرة. وقيل: إنَّ معنى ذلك: أنها رمت بالعدَّة وراء ظهرها كما رمت بالبعرة. فلما جاء الإسلام أمرهن الله تعالى بملازمة البيوت

(1) رواه مالك في الموطأ (2/ 598).

ص: 286

عَنهَا زَوجُهَا دَخَلَت حِفشًا، وَلَبِسَت شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَم تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيئًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَو شَاةٍ أَو طَيرٍ، فَتَفتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَفتَضُّ بِشَيءٍ إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخرُجُ فَتُعطَى بَعرَةً، فَتَرمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعدُ مَا شَاءَت مِن طِيبٍ أَو غَيرِهِ.

ــ

حولًا. وقد دلّ عليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم وَيَذَرُونَ أَزوَاجًا وَصِيَّةً لأَزوَاجِهِم مَتَاعًا إِلَى الحَولِ غَيرَ إِخرَاجٍ} وأشهر قول المفسرين فيها، وأحسنه: أن المتوفَّى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفى حولًا، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها. ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر. ونسخت النفقة بالربع، أو الثمن؛ قاله ابن عباس وقتادة، والضحاك، وعطاء، وغيرهم.

وفي هذه الآية مباحث كثيرة لذكرها موضع آخر.

قال القاضي عياض: والإجماع منعقد على أن الحول منسوخ، وأن عدَّتها أربعة أشهر وعشر. يعني: أنها منسوخة بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم وَيَذَرُونَ أَزوَاجًا يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا}

و(الحِفشُ) هنا: الخصّ الصغير. وهو أيضًا الدرج، وجمعه: أحفاش. و (الأحلاس): الثياب الخشنة، وأصلها للدَّواب، وهي: المسوح التي تجعل على ظهورها.

و(قولها: ثم تؤتى بدابةٍ: حمار، أو شاة، أو طير) سُمِّيت هذه كلها دواب؛ لأنها تدبُّ؛ أي: تمشي. وهذه تسمية لغوية أصلية. كما قال الله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزقُهَا}

و(قوله: فتفتضُّ به، فقل ما تفتضُّ) الرواية الصحيحة بالفاء والضاد المعجمة. قال القتبي: سألت الحجازي عن الافتضاض، فذكروا: أن المعتدة

ص: 287

رواه أحمد (6/ 324 و 325)، والبخاريُّ (5334 - 5336)، ومسلم (1486 - 1489)، وأبو داود (2299)، والترمذيُّ (1195 - 1197)، والنسائيُّ (6/ 202).

[1559]

وعن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ امرَأَةً تُوُفِّيَ زَوجُهَا، فَخَافُوا عَلَى عَينِهَا، فَأَتَوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَاستَأذَنُوهُ فِي الكُحلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: قَد كَانَت إِحدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيتِهَا فِي أَحلَاسِهَا (أَو فِي شَرِّ أَحلَاسِهَا فِي بَيتِهَا) حَولًا، فَإِذَا مَرَّ كَلبٌ رَمَت بِبَعرَةٍ، فَخَرَجَت أَفَلَا أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا.

رواه البخاريُّ (5336)، ومسلم (1488)(61).

[1560]

وعَن أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا تُحِدُّ امرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوجٍ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا، وَلَا تَلبَسُ ثَوبًا مَصبُوغًا إِلَّا ثَوبَ عَصبٍ،

ــ

كانت لا تغتسل، ولا تمس ماءً، ولا تقلم ظفرًا، وتخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتضُّ؛ أي: تكسر ما هي فيه من العدَّة بطائر تمسح به قبلها، وتنبذه، فلا يكاد يعيش. وقال مالك: تفتضُّ: تمسح به جلدها كالنُّشرة (1). وقال ابن وهب: تمسح بيدها عليه، أو على ظهره. وقيل: معناه: تمسح به ثم تفتض؛ أي: تغتسل بالماء العذب حتى تصير كالفِضَّة. وقيل: تفتض: تُفارق ما كانت عليه. قال الأزهري: رواه الشافعي: (فتقبص) بالقاف، وبالباء بواحدة، وبالصاد المهملة. والقبص: الأخذ بأطراف الأصابع. قال: وقرأ الحسن: {فَقَبَضتُ قَبضَةً مِن أَثَرِ الرَّسُولِ} ذكره الهروي.

و(قوله: ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عَصبٍ) قال ابن المنذر:

(1) النُّشرَةُ: الرُّقيا.

ص: 288

وَلَا تَكتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا إِذَا طَهُرَت نُبذَةً مِن قُسطٍ أَو أَظفَارٍ.

وفي رواية: مِن قُسطٍ وأَظفَارٍ.

رواه مسلم (938)(66)، وأبو داود (2302)، والنسائيُّ (6/ 202)، وابن ماجه (2087).

* * *

ــ

أجمعوا على أنه لا يجوز لها لباس المُصَبَّغَة، والمعصفرة، إلا ما صُبغ بالسواد. ورخَّص فيه مالك، والشافعي، وعروة. وكرهه الزهري، وكره عروة، والشافعي العصب. وهي: برود اليمن يعصب غزلها، ثم يصبغ معصوبًا، ثم ينسج فيوشَّى. وأجازه الزهري. وأجاز غليظه مالك. قال ابن المنذر: رخَّص كلُّ من يحفظ عنه من أهل العلم في البياض.

قال القاضي: ذهب الشافعي إلى أن كل صبغ كان زينة، فلا تمسّه الحادّ غليظًا كان أو رقيقًا. ونحوه للقاضي عبد الوهاب. قال: كل ما كان من الألوان تتزين به النساء لأزواجهنَّ فتمنع منه الحاد. ومنع بعض شيوخنا المتأخرين جَيِّد البياض الذي يتزين به. وكذلك الرفيع من السواد.

و(قوله: ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نُبذَةً من قُسط، أو أظفار). قال القاضي أبو الفضل: النبذة: الشيء اليسير، وأدخل فيه الهاء لأنه بمعنى القطعة. وإنما رُخِّص لها في هذا لقطع الروائح الكريهة، والتنظيف، لا على معنى التَّطيب مع أن القسط، والأظفار ليس من مؤنث الطيب المستعمل نفسه في ذلك. وظاهره: أنها تتبخر بذلك. وقال الداودي: تسحق القسط والأظفار وتلقيه في الماء آخر غسلها. والأول أظهر؛ لأن القسط والأظفار لا يحصل منهما شيء إلا من بخورهما. ويقال: قسط - بالقاف والكاف - وأكثر ما يستعمل القسط، والأظفار مع غيرهما فيما يتبخر به، لا بمجردهما.

ووقع في كتاب البخاري: (قُسطُ أظفار) وهو خطأ؛ إذ لا يضاف أحدهما

ص: 289