الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(15) باب في قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم) الآية وما يقال عند الجماع
(1435)
[1491] عن جَابِرً بن عبد الله قُالُ: كَانَت اليَهُودُ تَقُولُ: إِذَا أَتَى
ــ
ولذلك كره العلماء اختصاص الأغنياء بالدَّعوة. ثم اختلفوا فيمن فعل ذلك: هل تجاب دعوته أم لا؟ فقال ابن مسعود: لا تجاب. ونحوه يحيى بنُ حبيب من أصحابنا (1). وظاهر كلام أبي هريرة وجوب الإجابة. ودعا ابن عمر في وليمة: الأغنياء والفقراء، فأجلس الفقراء على حِدَة؛ وقال: ها هنا، لا تفسدوا عليهم ثيابهم، فإنا سنطعمكم مما يأكلون.
ومقصود هذا الحديث: الحضُّ على دعوة الفقراء، والضعفاء، ولا تقصر الدعوة على الأغنياء، كما يفعل مَن لا مبالاة عنده بالفقراء من أهل الدنيا، والله تعالى أعلم.
(15)
ومن باب: قوله تعالى: {نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُم}
حديث جابر هذا نصٌّ على أن هذه الآية نزلت بسبب قول اليهود المذكور فيه. وفي كتاب أبي داود عن ابن عباس: أنها نزلت بسبب أن رجلًا من المهاجرين تزَوَّج أنصارية، فأراد أن يطأها شَرحًا (2) على عادتهم في وطء نسائهم فأبت إلا على
(1) في (ج 2) زيادة: قال ابن مسعود: نُهينا أن نُجيب ثلاثًا: مَنْ دعا الأغنياء وترك الفقراءَ، ومن يتخذُ طعامَه رياءٌ وسمعةً، ومَنْ يتخذ بيتَه كما تتخذ الكعبة.
(2)
يقال: شرح فلان زوجته: إذا وطأها مستلقية على قفاها.
الرَّجُلُ امرَأَتَهُ مِن دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الوَلَدُ أَحوَلَ فَنَزَلَت: نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُم فَأتُوا حَرثَكُم أَنَّى شِئتُم.
ــ
جنب على عادتهن، فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى:{نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُم فَأتُوا حَرثَكُم أَنَّى شِئتُم} (1)؛ أي: مُقبِلات، ومُدبرات، ومُستلقيات؛ يعني بذلك موضع الولد.
قلت: هذان سببان مختلفان، لا بُعدَ في نزول الآية جوابًا للفريقين في وقت واحد، وتكرَّر نزول الآية في وقتين مختلفين، كما قد روي عن غير واحد من النقلة في الفاتحة: أنها تكرر نزولها بمكة والمدينة. وقد تمسَّك طائفة بعموم لفظ: {أَنَّى شِئتُم} ورأوا أنَّها متناولة لقُبُلِ المرأة ودُبُرِها. فأجازوا وطء المرأة في دبرها. وممن نُسب إليه هذا القول سعيد بن المسيِّب، ونافع، وابن الماجشون من أصحابنا. وحكي عن مالك في كتاب يُسمَّى: كتاب السرّ، ونسب الكتاب إلى مالك، وحذاق أصحابه ومشايخهم ينكرونه. وقد حكى العُتبِيُّ (2) إباحة ذلك عن مالك. وأظنه من ذلك الكتاب المنكر نَقل. وقد تواردت روايات أصحاب مالك عنه بإنكار ذلك القول وتكذيبه لمن نقل ذلك عنه. وقد حكينا نصَّ ما نقل عن مالك من ذلك في جزء كتبناه في هذه المسألة سَمَّيناه: إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار، وذكرنا فيه غاية أدلة الفريقين، ومتمسكاتهم من الكتاب والسنة على طريقة التحقيق، والتحرير، والنقل، والتحبير. ومن وقف على ذلك قضى منه العَجب العُجاب، وعلم أنه لم يكتب مثله في هذا الباب. وجمهور السلف، والعلماء، وأئمة الفتوى على تحريم ذلك. ثم نقول: لا متمسك للمبُيحين في الآية لأوجه متعددة؛ أقربها ثلاثة أمور:
(1) رواه أبو داود (2164).
(2)
هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن حميد. . الأموي السفياني العتبي القرطبي المالكي، صاحب كتاب "العُتْبِيَّة" توفي سنة (255 هـ) انظر السِّير (12/ 335).
زاد في رواية عَن الزُّهرِيِّ إِن شَاءَ مُجَبِّيَةً، وَإِن شَاءَ غَيرَ مُجَبِّيَةٍ غَيرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ.
رواه البخاريُّ (4528)، ومسلم (1435)، وأبو داود (2163)، والترمذي (2982).
ــ
أحدها: أنها نزلت جوابًا لما ذكر، فيقتصر على نوع ما نزلت جوابًا له، فإنهم سألوا عن جواز الوطء في الفرج من جهات متعددة، فأجيبوا بجوازه. وأنى على عمومها في جهات المسلك الواحد، لا في المسالك.
وثانيها: أن قوله تعالى: {فَأتُوا حَرثَكُم أَنَّى شِئتُم} تعيين للقُبُلِ؛ فإنَّه موضع الحَرث، فإنَّ الحرث إنَّما يكون في موضع البذر. وكذلك قال مالك لابن وهب، وعلي بن زياد لَمَّا أخبراه: أن ناسًا بمصر يتحدثون عنه: أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل. فقال: كذبوا عليَّ، كذبوا عليَّ، كذبوا عليَّ، ثم قال: ألستم قومًا عربًا؟ ألم يقل الله تعالى: {نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُم} ؟ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت؟ ! .
وثالثها: أنَّه لو سُلِّم أنَّ أَنَّى شاملة للمسالك بحكم عمومها، فهي مخصَصَّةٌ بأحاديث صحيحة، ومشهورة، رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيًّا بمتون مختلفة، كلّها متواردةٌ على تحريم وطء النساء في الأدبار. ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سَمَّاه: تحريم المحل المكروه. ومن أراد في هذه المسألة زيادة على ما ذكرناه فليطالع الجزء المذكور؛ الذي ألَّفناه.
و(قوله: مُجبيَةً وغير مُجبيَةٍ) أي: على وجهها. وقد يقال: (مجبية) على ما إذا وضعت يديها على ركبتيها؛ حكاهما أبو عبيد.
و(قوله: غير أن ذلك في صمام واحد) -بالصاد المهملة -؛ أي: في جُحرٍ
[1492]
وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَو أَنَّ أَحَدَهُم إِذَا أَرَادَ أَن يَأتِيَ أَهلَهُ قَالَ: بِسمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبنَا الشَّيطَانَ، وَجَنِّب الشَّيطَانَ مَا رَزَقتَنَا، فَإِنَّهُ إِن يُقَدَّر بَينَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَم يَضُرَّهُ شَيطَانٌ أَبَدًا.
رواه أحمد (1/ 286)، والبخاريُّ (141) و (3283)، ومسلم (1434)، وأبو داود (2161)، والترمذيُّ (1092)، والنَّسائي في عمل اليوم والليلة (266)، وابن ماجه (1919).
* * *
ــ
واحدٍ؛ يعني به: القُبُل. وأصل الصمام هو: ما تسدُّ به القارورة.
و(قوله: لو أن أحدهم إذا أتى أهله. . .) وذكر الحديث إلى قوله: (لم يضُرَّهُ شيطان أبدًا) قيل: معنى لم يضره: لم يصرَعه الشيطانُ. وقيل: لا يطعن فيه الشيطان عند ولادته، ويطعن في خاصرةِ مَن لا يقال له ذلك.
قال القاضي: ولم يحمله أحد على العموم في جميع الضرر والإغواء والوسوسة.
قلت: أمَّا قصره على الصرع وحده، فليس بشيء؛ لأنه تَحَكُّمٌ بغير دليل، مع صلاحية اللفظ له ولغيره. وأمَّا القول الثاني ففاسدٌ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:(كل مولود يطعن الشيطان في خاصرته إلا ابن مريم، فإنَّه جاء يريد أن يطعنه فطعن في الحجاب)(1) هذا يدلُّ على أن الناجي من هذا الطعن إنما هو عيسى وحده عليه السلام؛ وذلك لخصوص دعوة أم مريم، حيث قالت:{وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ} ثم إن طعنه ليس بضرر، ألا ترى أنه قد طعن كثيرًا من الأولياء والأنبياء، ولم يضرهم ذلك. ومقصود هذا الحديث - والله تعالى أعلم -: أنَّ الولد الذي يقال له ذلك يُحفَظُ من إضلال الشيطان وإغوائه، ولا يكون للشيطان عليه
(1) رواه ابن عدي في الكامل (6/ 2354).