الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(3) باب فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة
[1742]
عَن أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى شَيخًا يُهَادَى بَينَ ابنَيهِ قَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالَوا: نَذَرَ أَن يَمشِيَ، فقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَن تَعذِيبِ هَذَا نَفسَهُ لَغَنِيٌّ. وَأَمَرَهُ أَن يَركَبَ.
رواه أحمد (3/ 114)، والبخاري (1865)، ومسلم (1642)، وأبو داود (3301)، والترمذي (1537)، والنسائي (7/ 30).
ــ
(3)
ومن باب: نذر المشي إلى بيت الله
(قوله: إنه رأى شيخًا يهادى بين رجلين (1)) أي: يمشي بينهما متوكئًا عليهما، كما فسَّره في الرواية الثانية. وكان يفعل ذلك لضعفه عن المشي. وفي هذا الحديث وحديث أخت عقبة المذكور بعد هذا - وهو أنصُّ مما قبله-؛ دليل على أن نذر المشي إلى البيت الحرام يجب الوفاء به لمن قدر عليه، فإن لم يقدر وجب عليه المضي راكبًا. وظاهرهما: لزوم المشي، وإن لم يذكر حجًّا ولا عمرة، كما هو مذهب مالك؛ لأنه لما سأله عقبة عمَّن نذر المشي إلى البيت مطلقا، فأجاب عنه، ولم يستفصل، تعيَّن حملُ الجواب على إطلاق ذلك السؤال؛ إذ لو اختلف الحال بقيدٍ لسأل عنه، أو لبيَّنه؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وإلى هذا ذهب الشافعي. وهو مروي عن عليّ، وابن عباس. وقال أبو حنيفة: إن لم يسم حجًّا ولا عمرة لم يلزمه مشيٌ، ولا شيء جملة واحدة. وقال الحسن البصري: إن نذر حجًّا أو عمرة فلا مشي عليه، ويركب وعليه دم. وقاله أبو حنيفة أيضًا. والحجة عليهما ما تقدَّم.
و(قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني) أي: لم يكلفه بذلك، ولم
(1) في أصول التلخيص: ابنين.
[1743]
وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَدرَكَ شَيخًا يَمشِي بَينَ ابنَيهِ يَتَوَكَّأُ عَلَيهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَا شَأنُ هَذَا؟ قَالَ ابنَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
ــ
يحوجه إليه؛ لأنه غير مستطيع. وفي اللفظ الآخر: (إن الله لغني عنك وعن نذرك) أي: عن مشيك الذي لا تستطيعه، لا أنَّ أصل النذر يسقط عنه؛ فإنَّه قد أمره بالرُّكوب. وخرجت هذه العبارة على ما تعارفناه بيننا: من أنَّ من استغنى عن شيء لم يلتفت إليه، ولم يعبأ به. وكيف لا، والله تعالى هو الغني الحميد، وكل الموجودات مفتقرة إليه افتقار ضعفاء العبيد.
وظاهر حديث هذا الشيخ: أنَّه كان قد عجز عن المشي في الحال، وفيما يأتي بعد، ولذلك لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم ما قال لأخت عقبة:(مُرها فلتمش ولتركب) فإنَّها كانت ممن يقدر على بعض المشي، فأمرها أن تركب ما عجزت عنه، وتمشي ما قدرت عليه. وهذا هو المناسب لقواعد الشريعة. ولم يذكر لواحد منهما وجوب دم عليه، ولا ذكر لأخت عقبة وجوب الرُّجوع لتمشي ما ركبته.
فأمَّا من يئس عن المشي فلا رجوع عليه قولًا واحدًا، ولا يلزمه دم؛ إذ لم يخاطب بالمشي، فيكون الدَّم بدله، وإنما هو استحباب عند مالك.
وأمَّا من خوطب بالمشي فركب لموجب مرض، أو عجز: فيجب عليه الهدي عند الجمهور. وقال الشافعي: لا يجب عليه الهدي، ويختار له الهدي. وروي عن ابن الزبير: أنه لم يجعل عليه هديًا (1)؛ متمسِّكًا بما قررناه من الظاهر. وقد تمسَّك الجمهور بزيادةٍ زادها أبو داود والطحاوي في حديث عقبة، وهذا لفظه: قال عقبة بن عامر: أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره: أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية ناشرة شعرها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (مرها فلتركب، ولتختمر، ولتهد هديًا). وعند أبي داود: بدنة، وليس فيه: ناشرة شعرها. وزيادة الهدي قد رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم مع عقبة بن عامر ابنُ عبَّاس. ورواها عنهما الثقات، فلا سبيل
(1) في (ل 1) و (ج 2): دمًا.
كَانَ عَلَيهِ نَذرٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: اركَب أَيُّهَا الشَّيخُ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكَ وَعَن نَذرِكَ.
رواه أحمد (2/ 373)، ومسلم (1643)، وأبو داود (3301).
ــ
إلى ردَّها. وليس سكوت من سكت عنها حجة على من نطق بها. وقد عمل بها الجماهير من السلف وغيرهم.
ثم هل يجب عليه مع الهدي الرجوع فيمشي ما ركبه أم لا؟ اختلف فيه: فقيل: لا يجب عليه مطلقا. وإليه ذهب الشافعي، وأهل الكوفة، وهذا أحد قولي ابن عمر. وقيل: يرجع، وإليه ذهب سلف أهل المدينة، وابن الزبير، وهو القول الآخر عن ابن عمر. وفرَّق مالك فقال: إن كان المشي يسيرًا لم يرجع، ويرجع في الكثير، ما لم يرجع لبلده البعيدة، فيكفيه الدَّم.
قلت: والتمسَّك بحديث عقبة في ترك إيجاب الرُّجوع ظاهر، وعمل سلف أهل المدينة باهر.
و(قوله: إن الشيخ نذر أن يمشي) يعني به: إلى بيت الله؛ لأنَّه عرَّف المشي، كما قال عقبة: إن أخ هـ نذرت أن تمشي إلى بيت الله. وقال الطحاوي: إلى الكعبة. ولم يرد فيما صحَّ من الحديث أكثر من هذين اللفظين: بيت الله، والكعبة. وألحق العلماء بهما ما في معناهما، مثل أن يقول: إلى مكة، أو ذكر جزءًا من البيت. وهذا قول مالك وأصحابه. واختلف أصحابه فيما إذا قال: إلى الحرم، ، أو مكانًا من مدينة مكة، أو المسجد. هل يرجع إلى البيت أم لا؟ على قولين. وقال الشافعي: من قال: عليَّ المشي إلى شيء مما يشتمل عليه الحرم؛ لزمه. وإن ذكر ما خرج عنه، لم يلزمه. وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن حبيب من أصحابنا، إلا إذا ذكر عرفات؛ فيلزمه وإن كانت خارج الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه في هذا مشي ولا مسير في القياس، لكن الاستحسان في
[1744]
وعَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: نَذَرَت أُختِي أَن تَمشِيَ إِلَى بَيتِ اللَّهِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتنِي أَن أَستَفتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَاستَفتَيتُهُ، فَقَالَ: لِتَمشِ وَلتَركَب.
رواه البخاري (1866)، ومسلم (1644)، وأبو داود (3293)، والترمذي (1544)، والنسائي (7/ 19).
* * *
ــ
قوله: إلى بيت الله، أو الكعبة، أو مكة فقط. وكل هذا إذا ذكر المشي، فلو قال: علي المسير إلى مكة، أو الانطلاق، أو الذهاب؛ فلا شيء عليه؛ إلا أن يقول: في حجٍّ، أو عمرةٍ، أو ينويهما. وتردد قول مالك في الرُّكوب، وأوجب أشهب الحج والعمرة فيهما، كالمشي. وكل هذا: إذا ذكر مكة، أو موضعًا منها على ما فصلناه.
فلو قال: عليَّ المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة لم يلزمه المشي عند ابن القاسم، بل المضي إليها. وقال ابن وهب: يلزمه المشي. وهو القياس. ولو قال: إلى مسجد غير هذه الثلاثة، قال ابن الموَّاز: إن كان قريبًا كالأميال، لزمه المشي إليه، وإن كان بعيدًا لم يلزمه.
* * *