الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(23) باب نسخ عشر رضعات بخمس، ورضاعة الكبير
[1515]
عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: كَانَ فِيمَا أُنزِلَ مِن القُرآنِ عَشرُ رَضَعَاتٍ مَعلُومَاتٍ يُحَرِّمنَ، ثُمَّ نُسِخنَ بِخَمسٍ مَعلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُنَّ فِيمَا يُقرَأُ مِن القُرآنِ.
رواه مسلم (1452)(24)، وأبو داود (2062)، والترمذي (1150)، والنسائيُّ (6/ 100)، وابن ماجه (1942).
[1516]
وعَنها قَالَت: جَاءَت سَهلَةُ بِنتُ سُهَيلٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَى فِي وَجهِ أَبِي حُذَيفَةَ مِن دُخُولِ سَالِمٍ (وَهُوَ
ــ
(23)
ومن باب: رضاعة الكبير
(سالم) هذا هو: سالم بن معقل، مولى سلمى بنت يعار، زوجة أبي حذيفة. وقيل: سَهلة بنت سُهيل. وقيل في اسمها غير سَلمى. وكان أبو حذيفة قد تبنَّاه على ما كانت عادتهم في التبنِّي، وكان قد نشأ في حجر أبي حذيفة وزوجته نشأة الابن، فلمَّا أنزل الله تعالى:{ادعُوهُم لآبَائِهِم} بطل حكم التبنِّي، وبقي سالم على دخوله على سهلة بحكم صغره، إلى أن بَلَغَ مبلغ الرجال، وجدا - أعني: أبا حذيفة وسهلة - في نفوسهما كراهة ذلك، وثَقل عليهما أن يمنعاه الدخول؛ للإلف السابق، إلى أن سألا عن ذلك (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب ما في نفس أبي حذيفة) فأَرضعته، فكان ذلك. فرأى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خلا عائشة: أن ذلك خاصٌّ بسالم، وأن
(1) ما بين حاصرتين ساقط من (ل 1).
حَلِيفُهُ) فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَرضِعِيهِ قَالَت: وَكَيفَ أُرضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ: قَد عَلِمتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ.
وفي رواية: إِنَّهُ ذُو لِحيَةٍ. بدل رجل كبير.
رواه أحمد (6/ 38 و 39)، ومسلم (1453)(26) و (30)، والنسائي (6/ 104 و 105)، وابن ماجه (1943).
ــ
ذلك لا يتعداه؛ لِمَا اقترن بذلك (1) من القرائن التي ذكرناها، ولِمَا يعارضه مما يأتي ذِكرُهُ.
وإلى مذهبهنَّ في ذلك صار جمهور السَّلف والخلف من الفقهاء وغيرهم. وحملوا الحديث على الخصوص. ورأوا: أن رضاعة الكبير للأجنبية لا تجوز، وإن وقعت لم يلزم بها حكم، لا في النكاح، ولا في الحجاب، ما خلا داود فإنه قال: يرفع تحريم الحجاب لا غير؛ تمسُّكًا بحديث سالم.
قال ابن الموَّاز (2): لو أخذ بهذا في الحجابة لم أعِبه، وتركه أحبُّ إليَّ، وما علمت مَن أخذ به عامًّا إلا عائشة.
قال الباجي: قد انعقد الإجماع على خلاف التحريم برضاعة الكبير. قال أبو الفضل عياض: لأن الخلاف إنما كان أوَّلا ثم انقطع.
قلت: وفيما ذكره ابن المَوَّاز عن عائشة: أنها ترى رضاعة الكبير تحريِمًا عامًّا نظر؛ فإن نصَّ حديث الموطأ عنها: أنها إنما كانت تأخذ بذلك في الحجاب خاصَّة. فتأمل ما في الموطأ (3) من حديث سالم هذا، فإن مالكا رضي الله عنه ساقه أكمل مساق وأحسنه، وذكر فيه جملة من القرائن الدالة على خصوصية سالم بذلك.
(1) في (ع): به.
(2)
هو: محمد بن إبراهيم بن زياد الإسكندراني المالكي، ابن الموَّاز: صاحب التصانيف، قدم دمشق، وتوفي سنة (269 هـ).
(3)
رواه مالك في الموطأ (2/ 605).
[1517]
وعَنها أَنَّ سَالِمًا مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ كَانَ مَعَ أَبِي حُذَيفَةَ وَأَهلِهِ فِي بَيتِهِم، فَأَتَت (تَعنِي بنَت سُهَيلٍ) النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَت: إِنَّ سَالِمًا قَد بَلَغَ مَا يَبلُغُ الرِّجَالُ، وَعَقَلَ مَا عَقَلُوا، وَإِنَّهُ يَدخُلُ عَلَينَا، وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفسِ أَبِي حُذَيفَةَ مِن ذَلِكَ شَيئًا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَرضِعِيهِ تَحرُمِي عَلَيهِ، وَيَذهَب الَّذِي فِي نَفسِ أَبِي حُذَيفَةَ.
رواه مسلم (1453)(27).
ــ
وقد اعتضد للجمهور على الخصوصية بأمور:
أحدها: أن ذلك مخالف للقواعد؛ منها: قاعدة الرَّضاع؛ فإن الله تعالى قد قال: {وَالوَالِدَاتُ يُرضِعنَ أَولادَهُنَّ حَولَينِ كَامِلَينِ لِمَن أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فهذه أقصى مدَّة الرضاع المحتاج إليه عادة، المعتبر شرعًا، فما زاد عليه بمدَّة مؤثرةٍ غير محتاج إليه عادةً، فلا يعتبر شرعًا؛ لأنه نادر، والنادر لا يحكم له بحكم المعتاد.
ومنها: قاعدة تحريم الاطلاع على العورة؛ فإنه لا يختلف في أن ثدي الحرَّة عورة، وأنَّه لا يجوز الاطلاع عليه، لا يقال: يمكن أن يرضع ولا يطلع؛ لأنَّا نقول: نفس التقام حَلَمَةَ الثدي بالفم اطّلاع، فلا يجوز.
ومنها: أنه مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الرَّضاعة من المَجَاعة)(1). وهذا منه صلى الله عليه وسلم تقعيد قاعدة كلية؛ تُصرِّح بأن الرَّضاعة المعتبرة في التحريم؛ إنما هي في الزمان الذي تغني فيه عن الطعام، وذلك إنما يكون في الحولين وما قاربهما. وهو الأيام اليسيرة بعد الحولين عند مالك. وقد اضطرب أصحابه في تحديدها. فالمكثر يقول: شهرًا. وكأن مالكا يشير: إلى أنه لا يفطم الصبي في دفعة واحدة، في يوم
(1) رواه البخاري (2647)، ومسلم (1455)، وأبو داود (2058)، والنسائي (6/ 102).
[1518]
وعَن زَينَبَ بِنتَ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ زَوجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَت تَقُولُ: أَبَى سَائِرُ أَزوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَن يُدخِلنَ عَلَيهِنَّ أَحَدًا بِتِلكَ الرَّضَاعَةِ، وَقُلنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخصَةً أَرخَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِسَالِمٍ خَاصَّةً، فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَينَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ، وَلَا رَائِينَا.
رواه مسلم (1454).
* * *
ــ
واحد، بل في أيام وعلى تدريج. فتلك الأيام التي يحاول فيها فطامه حُكمها حكم الحولين؛ لقضاء العادة بمعاودة الرَّضاع فيها.
وقد أطلق بعض الأئمة على حديث سالم: أنَّه منسوخ. وأظنُّه سُمِّى التخصيص نسخًا، وإلا فحقيقة النسخ لم تحصل هنا؛ على ما يعرف في الأصول.
و(قوله: أرضعيه يذهب ما في نفس أبي حذيفة) يعني: أنه إذا علم أبو حذيفة أنَّه قد حكم له بحكم ذوي المحارم، وقد رفع عنه ما كان يخافه من الحرج والتأثيم (1): لم يبق له كراهة، ولا نفرة تغير وجهَه. وكذلك كان.
* * *
(1) في (ع): التأثم. وفي (م): المأثم.