الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كلمة في السياق:
1 -
بهذه الآيات الثلاث انتهى الكلام عن الأنبياء عليهم السلام، فهم أمة واحدة ومحمد صلى الله عليه وسلم واحد منهم، والله هو الرب، وانقسام الناس أثر عن الإيمان والكفر، ونجاة المؤمنين الصالحين بسبب سلوكهم طريق النجاة، ولقد جاء الكلام عن الأنبياء بعد المجموعة التي بدأت بقوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ.
ومن ثم فإن ذكر مجموعة الأنبياء في هذا السياق فيه إقامة حجة على من تصور أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس رسولا لأنه بشر، ومجيء الآيات الثلاث بعد ذكر مجموعة الأنبياء يشير إلى أن الدخول في أمة الأنبياء إنما هو في الدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم.
2 -
نلاحظ أنه قد ورد في المجموعة التي بدايتها قوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ورد قوله تعالى وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وقد مر معنا في قصص الأنبياء كيف أهلك الله قوم لوط وقوم نوح، والآن يأتي قوله تعالى:
وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ يعني أوجب الله وقدر أن أهل كل قرية أهلكوا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة، أي انتهى أمرهم؛ فسارعوا أيها الناس إلى الدخول في الإسلام، ويمكن أن يكون المعنى: وممتنع على مهلك ألا يرجع إلى الله بالبعث، أي إن مصير كل قرية أهلكناها البعث، فليدخل الناس بالإيمان،
وليعملوا عملا صالحا لأنهم مبعوثون، ويمكن أن يكون المعنى: وحرام على قرية قدرنا إهلاك أهلها، أو حكمنا بإهلاكهم أن يرجعوا من الكفر إلى الإسلام، فليحذر الناس أن يستحقوا سخط لله هذا فيهلكوا لا محالة، فالآية فيها تحذير على كل حال، ودعوة إلى الدخول في الإسلام والعمل الصالح.
كلمة في السياق:
نلاحظ من الآية السابقة كيف أن الارتباط بين ما ورد قبل ذكر قصص الأنبياء، وبين آيات هذه المجموعة واضح، والآن لنلاحظ أنه قبل قصص الأنبياء في السورة ورد قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ وَلَئِنْ
مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ* وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ والآن يأتى قوله تعالى:
حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ على الناس وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ أي نشر من الأرض، أي ارتفاع يَنْسِلُونَ يسرعون في المشي إلى الفساد
وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ أي يوم القيامة، فإنه إذ تفتح يأجوج ومأجوج يكون قد شارف فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي مرتفعة الأجفان، لا تكاد تطرف من هول ما هم فيه، وذلك إذا قامت القيامة يا وَيْلَنا أي يقولون يا ويلنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا في الدنيا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ بوضعنا العبادة في غير محلها.
ملاحظة: إذا مستهم نفحة العذاب في الدنيا قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ وإذا جاء يوم القيامة قالوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ألا ترى الصلة واضحة بين ما ورد قبل قصص الأنبياء، وبين ما نحن فيه الآن، وبين بداية السورة، وبين ما نحن فيه الآن:
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ في أول السورة، وهاهنا يذكر الله عز وجل موضوع اقتراب يوم القيامة، وقول الكافرين إذا جاء قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ فهم يعترفون بتقصيرهم حيث لا ينفع التقصير.
وإذ أرجعنا السياق إلى أول السورة فالآن يأتي التهديد للذين ذكر حالهم أول السورة، وهم المعرضون الغافلون والذين زادتهم السورة توضيحا بأنهم مشركون فيقول:
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني الأصنام وإبليس وأعوانه، لأنهم بطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم في حكم عبدتهم حَصَبُ جَهَنَّمَ أي حطبها ووقودها أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ أي فيها داخلون
لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً أي كما زعمتم ما وَرَدُوها أي ما دخلوا النار وَكُلٌّ من العابد والمعبود فِيها أي في النار خالِدُونَ لا يخرجون منها أبدا
لَهُمْ أي الكفار فِيها زَفِيرٌ أي أنين وبكاء وعويل وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ شيئا ما؛ لأنهم صاروا صما، وفي السماع نوع أنس لهم فلم يعطوه.
هذا حال أهل الشقاوة، فكيف حال أهل السعادة؟
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أي الخصلة المفضلة وهي السعادة، أو البشرى بالثواب أو التوفيق للطاعة أُولئِكَ عَنْها أي عن جهنم مُبْعَدُونَ
لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها أي صوتها الذي
يحس أو حركة تلهبها، أي لا يقربونها حتى لا يسمعوا صوتها وصوت ما يجري فيها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ ومن النعيم خالِدُونَ أي مقيمون والشهوة طلب النفس اللذة
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ أي النفحة الأخيرة وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ أي تستقبلهم الملائكة مهنئين على أبواب الجنة يقولون هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ أي هذا ثوابكم الذي وعدكم الله به في الدنيا
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ أي نجمعها كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ أي للمكتوبات فيه قال الألوسي: ثم إن الظاهر من الأخبار الصحيحة أن العرش لا يطوى كما تطوى السماء كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ أي كما أوجدنا أول خلق خلقناه نعيد الخلق مرة ثانية وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ أي وعدا منا كائنا لا محالة إنا كنا فاعلين ذلك أي محققين هذا الوعد فاستعدوا له، وقدموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال.
هذا ما أعد الله لأهل الإيمان في الآخرة ووعدهم إياه.
وأما ما وعدهم به في الدنيا: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ أي كتاب داود مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أي بعد التوراة أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ أي من آمن وعمل صالحا
إِنَّ فِي هذا أي القرآن، أو في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ لَبَلاغاً أي لكفاية ومنفعة لِقَوْمٍ عابِدِينَ أي موحدين.
قال ابن كثير (وهم الذين عبدوا الله بما شرعه، وأحبه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان، وشهوات أنفسهم) هذا جزاء أهل الإيمان والعمل الصالح والعبادة في الدنيا: الاستخلاف.
قال صاحب الظلال في قوله تعالى: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (فما هي هذه الوراثة؟ من هم عباد الله الصالحون؟ لقد استخلف الله آدم في الأرض لعمارتها
وإصلاحها، وتنميتها وتحريرها واستخدام الكنوز والطاقات المرصودة فيها، واستغلال الثروات الظاهرة والمخبوءة، والبلوغ بها إلى الكمال المقدر لها في علم الله.
ولقد وضع الله للبشر منهجا كاملا متكاملا للعمل على وفقه في هذه الأرض، منهجا يقوم على الإيمان والعمل الصالح. وفي الرسالة الأخيرة للبشر فصل هذا المنهج، وشرع له القوانين التي تقيمه وتحرسه، وتكفل التناسق والتوازن بين خطواته.
في هذا المنهج ليست عمارة الأرض واستغلال ثرواتها والانتفاع بطاقاتها وهو حده