الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَأْكُلُونَ ومع هذا
وَعَلَيْها أي وعلى بعض الأنعام وهي الإبل في البر وَعَلَى الْفُلْكِ في البحر تُحْمَلُونَ في أسفاركم.
كلمة في السياق:
لقد رأينا أن محور هذه المجموعة هو قوله تعالى في سورة البقرة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ والصلة واضحة تماما بين هذه المجموعة وهاتين الآيتين، إن في الآيتين استدلالا بظاهرتي الحياة والعناية على الله، فكذلك في هذه الآيات، مع زيادة تفصيل لما أجمل هناك بذكر معان هي وحدها معجزة، فأصبح في الآيات أنواع من الأدلة، ما كانت لتذكر لولا أن هذا القرآن من عند الله- كما سنرى في الفوائد- والصلة بين المجموعة الأولى وبين هذه المجموعة واضحة، فالمجموعة الأولى ذكرت أخلاق أهل الإيمان- وما أعد الله لهم، والمجموعة الثانية تحدثت عما يوصل إلى الإيمان وعما يهيج على العمل الصالح، وعما يبعث على الكف عن العمل السيئ:
كلمة في السياق:
نحب هنا أن نذكر بفكرة الحيز التي تحدثنا عنها أثناء الكلام عن سورة النحل، والسور بعدها، فههنا نجد أن سورة المؤمنون تفصل محورا هو الآيات الخمس التي رأيناها في سورة البقرة، ولكن الآيات الخمس آتية في حيز قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ نقول هذا كي ندرك حكمة ورود بعض المعاني التي لها علاقة مباشرة بالحيز الذي وردت فيه آيات المحور، والذي فيه أمر بالعبادة والتوحيد والتقوى.
نقل
عند قوله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ .... قال صاحب الظلال:
( .. هذا هو الإنسان ذو الخصائص المتميزة. فجنين الإنسان يشبه جنين الحيوان في أطواره الجسدية. ولكن جنين الإنسان ينشأ خلقا آخر. ويتحول إلى تلك الخلقية المتميزة المستعدة للارتقاء. ويبقى جنين الحيوان في مرتبة الحيوان، مجردا من خصائص
الارتقاء والكمال، التي يمتاز بها جنين الإنسان.
إن الجنين الإنساني مزود بخصائص معينة هي التي تسلك به طريقه الإنساني فيما بعد. وهو ينشأ خَلْقاً آخَرَ في آخر أطواره الجنينية؛ بينما يقف الجنين الحيواني عند التطور الحيواني. لأنه غير مزود بتلك الخصائص. ومن ثم فإنه لا يمكن أن يتجاوز الحيوان مرتبته الحيوانية، فيتطور إلى مرتبة الإنسان تطورا آليا- كما تقول النظريات المادية- فهما نوعان مختلفان. اختلفا بتلك النفخة الإلهية التي بها صارت سلالة الطين إنسانا. واختلفا بعد ذلك بتلك الخصائص المعينة الناشئة من تلك النفخة والتي ينشأ بها الجنين الإنساني خَلْقاً آخَرَ. إنما الإنسان والحيوان يتشابهان في التكوين الحيواني؛ ثم يبقى الحيوان حيوانا في مكانه لا يتعداه. ويتحول الإنسان خلقا
آخر قابلا لما هو مهيا من الكمال. بواسطة خصائص مميزة، وهبها له الله عن تدبير مقصود لا عن طريق تطور آلي من نوع الحيوان إلى نوع الإنسان (1)
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ .. وليس هنا من يخلق سوى الله. فأحسن هنا ليست للتفضيل، إنما هي للحسن المطلق في خلق الله.
(1) تقوم نظرية النشوء والارتقاء على أساس مناقض. إذ تفترض أن الإنسان ليس إلا طورا من أطوار الترقي الحيوانية.
وتفترض أن الحيوان يحمل خصائص التطور إلى مرتبة الإنسان. والواقع المشهود يكذب هذا الفرض لتفسير الصلة بين الحيوان والإنسان. ويقرر أن الحيوان لا يحمل هذه الخصائص. فيقف دائما عند حدود جنسه الحيواني لا يتعداه.
وقد يثبت تطوره الحيواني على نحو ما يقول دارون أو على أي نحو آخر. ولكن يبقى النوع الإنساني متميزا بأنه يحمل خصائص معينة تجعل منه إنسانا ليست نتيجة تطور آلي. إنما هي هبة مقصودة من قوة خارجية.
وإن الناس ليقفون دهشين أمام ما يسمونه (معجزات العلم) حين يصنع الإنسان جهازا يتبع طريقا خاصا في تحركه، دون تدخل مباشر من الإنسان .. فأين هذا من سير الجنين في مراحله تلك وأطواره وتحولاته، وبين كل مرحلة ومرحلة فوارق هائلة في طبيعتها، وتحويلات كاملة في ماهيتها؟ غير أن البشر يمرون على هذه الخوارق مغمضي العيون، مغلقي القلوب، لأن طول الألفة أنساهم أمرها الخارق العجيب .. وإن مجرد التفكير في أن الإنسان- هذا الكائن المعقد- كله ملخص وكامن بجميع خصائصه وسماته وشياته في تلك النقطة الصغيرة حتى لا تراها العين المجردة، وإن تلك الخصائص والسمات والشيات كلها تنمو وتتفتح وتتحرك في مراحل التطور الجنينية حتى تبرز واضحة عند ما ينشأ خلقا آخر. فإذا هي ناطقة بارزة في الطفل مرة أخرى. وإذا كل طفل يحمل وراثاته الخاصة فوق الوراثات البشرية العامة. هذه الوراثات وتلك التي كانت كامنة في تلك النقطة الصغيرة .. إن مجرد التفكر في هذه الحقيقة التي تتكرر كل لحظة لكاف وحده أن يفتح مغاليق القلوب على ذلك التدبير العجيب الغريب .. )