الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مثلا إلا كما قال أبو يوسف «فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون» قالت: ثم تحولت فاضجعت على فراشي، قالت: وأنا والله أعلم حينئذ أني بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئني الله بها، قالت فو الله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتى أنزل الله تعالى على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال:«أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك» قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل؛ هو الذي أنزل براءتي، وأنزل الله عز وجل إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ العشر الآيات كلها، فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره-: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله تعالى وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى إلى قوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال والله لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن أمري فقال «يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟» فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك، قال ابن شهاب: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط. أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما) ثم ذكر ابن كثير روايات أخرى فليراجعها من شاء.
التفسير:
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ أي الكذب والبهت والافتراء، بل الإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، وأصله الأفك: وهو القلب، لأنه قول مأفوك عن وجهه، والمراد ما أفك به على عائشة رضي الله عنها عُصْبَةٌ أي جماعة منكم إذ العصبة: هي الجماعة من العشرة إلى الأربعين، وهم عبد الله بن أبي رأس المنافقين،
وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم مِنْكُمْ أي من جماعة المسلمين إما ظاهرا وباطنا، وإما ظاهرا وإن كان في القلب كافرا كعبد الله بن أبي لا تَحْسَبُوهُ أيها المسلمون شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأن الله أنزل في البراءة منه ما أنزل، وفي ذلك من الدروس والعبر الكثير؛ إذ حمى الله بسبب العبرة من هذه القصة ملايين الأعراض، وبعضهم حمل الخطاب على أن المراد به آل بكر، وأن الخيرية لهم بسبب أن الحادثة كانت لسان صدق في الدنيا، ورفعة منازل في الآخرة، وإظهار شرف لهم باعتناء الله تعالى بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، حيث أنزل الله براءتها في القرآن العظيم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ أي لكل من تكلم في هذه القضية، ورمى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بشيء من الفاحشة نصيب عظيم من العذاب على مقدار خوضه فيه، وكان بعضهم ضحك، وبعضهم تكلم فيه، وبعضهم سكت وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ أي عظمه مِنْهُمْ أي من العصبة لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ أي جهنم ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبي
لَوْلا أي هلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ أي ذلك الكلام الذي رميت به أم المؤمنين رضي الله عنها ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً أي قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم، فإن كان لا يليق بهم فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى، قال النسفي: (وإنما عدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر ولم يقل «ظننتم بأنفسكم خيرا وقلتم» ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات، وليدل التصريح بلفظ الإيمان، على أن الاشتراك فيه يقتضي ألا يصدق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب
أو طاعن، وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به، والحافظ له، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما سمعه بإخوانه) وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أي كذب ظاهر على أم المؤمنين رضي الله عنها قال ابن كثير:(فإن الذي وقع لم يكن ريبة، وذلك أن مجيء أم المؤمنين راكبة جهرة على راحلة صفوان بن المعطل في وقت الظهيرة والجيش بكماله يشاهدون ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ولو كان هذا الأمر فيه ريبة لم يكن هذا جهرة، ولا كانا يقدمان على مثل ذلك على رءوس الأشهاد، بل كان هذا يكون- لو قدر- خفية مستورا، فتعين أن ما جاء به أهل الإفك مما رموا به أم المؤمنين هو الكذب البحت، والقول الزور، والرعونة الفاحشة الفاجرة، والصفقة الخاسرة).
لَوْلا أي هلا جاؤُ عَلَيْهِ أى على القذف لو كانوا صادقين بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ يشهدون على صحة ما جاءوا به فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ الأربعة فَأُولئِكَ القاذفون عِنْدَ اللَّهِ أى في حكمه وشريعته هُمُ الْكاذِبُونَ لأن الله تعالى جعل التفصلة بين الرمي الصادق والكاذب ثبوت شهادة الشهود الأربعة، وانتفاءها، والذين رموا عائشة رضي الله عنها لم يكن لهم بينة على قولهم فكانوا كاذبين
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ أيها الخائضون فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ من قضية الإفك عَذابٌ عَظِيمٌ قال ابن كثير: وهذا أي الفضل والرحمة فيمن عنده إيمان يقبل الله بسببه التوبة كمسطح وحسان وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش، فأما من خاض فيه من المنافقين كعبد الله بن أبي بن سلول وأضرابه، فليس أولئك مرادين في هذه الآية، لأنه ليس عندهم من الإيمان والعمل الصالح ما يعادل هذا، ولا ما يعارضه وهكذا شأن ما يرد من الوعيد على فعل معين يكون مطلقا مشروطا بعدم التوبة، أو ما يقابله من عمل صالح يوازنه، أو يرجح عليه
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ أي يأخذه بعضكم من بعض بِأَلْسِنَتِكُمْ أي تنطقون به بمجرد التلقي دون التدبر والتعقل وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ قال النسفي: إنما قيد بالأفواه مع أن القول لا يكون إلا بالفم لأن الشئ المعلوم يكون علمه في القلب، ثم يترجم عنه اللسان، وهذا الإفك ليس إلا قولا يدور في أفواههم من غير ترجمة عن علم به في القلب وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً أي وتحسبون خوضكم في عائشة رضى الله عنها يسيرا صغيرا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ أي كبير، قال ابن كثير:(أي تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين، وتحسبون ذلك يسيرا سهلا، ولو لم تكن زوجة النبي لما كان هينا فكيف وهي زوجة النبي الأمي خاتم الأنبياء وسيد المرسلين؟؟ فعظيم عند الله أن يقال في زوجة نبيه ورسوله ما قيل، فإن الله سبحانه وتعالى يغار لهذا، وهو سبحانه وتعالى لا يقدر على زوجة نبي من الأنبياء ذلك- حاشا وكلا- ولما لم يكن ذلك، فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء، وزوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة ولهذا قال تعالى وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وفي الصحيحين «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري ما تبلغ يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض وفي رواية لا يلقي لها بالا»).
وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا والمعنى: هلا قلتم إذ سمعتم الإفك: ما يصح لنا أن نتكلم بهذا، أي ما ينبغي لنا أن نتفوه بهذا الكلام، ولا نذكره
لأحد سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ أي هذا زور كبير، أي سبحان الله أن يقال هذا الكلام على زوجة رسوله وحليلة خليله، قال ابن كثير: (هذا تأديب آخر بعد الأول الآمر بظن الخير، أي إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة، فأولا ينبغي الظن بهم خيرا، وأن لا يشعر نفسه سوى ذلك، ثم إن علق بنفسه شئ من ذلك وسوسة أو خيالا فلا ينبغي أن يتكلم به، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل» أخرجاه في الصحيحين.
وكلمة سُبْحانَكَ في الآية تفيد التعجب قال النسفي: («سبحانك» للتعجب من عظم الأمر، ومعنى التعجب في كلمة التسبيح أن الأصل أن يسبح الله عند رؤية العجب من صنائعه، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه، أو لتنزيه الله من أن تكون حرمة نبيه فاجرة، وإنما جاز أن تكون امرأة النبي كافرة، كامرأة نوح ولوط، ولم يجز أن تكون فاجرة؛ لأن النبي مبعوث إلى الكفار ليدعوهم، فيجب أن لا يكون معه ما ينفرهم عنه، والكفر غير منفر عندهم وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات).
يَعِظُكُمُ اللَّهُ في أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أي لمثل هذا الحديث من القذف أو استماع حديثه أَبَداً أي ما دمتم أحياء مكلفين، أى ينهاكم الله متوعدا أن يقع منكم ما يشبه هذا أبدا أي فيما يستقبل إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بالله وشرعه، قال النسفي: فيه تهييج لهم ليتعظوا، وتذكير بما يوجب ترك العود وهو الإيمان الصاد عن كل قبيح
وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي الدلالات الواضحات، وأحكام الشرائع والآداب الجميلة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما يصلح عباده، وعليم بهم وبأعمالهم حَكِيمٌ في شرعه وقدره، ومن حكمته أن كانت حادثة الإفك وإنزاله براءة عائشة لعلمه بصدق نزاهتها لكي لا تقعوا في زلل مشابه، وإذا وقعتم أن تتوبوا
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ أي ما قبح جدا فِي الَّذِينَ آمَنُوا أي في المؤمنين بنشر إشاعاتها عنهم وفيهم، فيؤدي ذلك إلى الاستخفاف بالفاحشة، أو تشويه سمعة المؤمنين لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا بالحد وَالْآخِرَةِ بالنار إن لم يتوبوا وَاللَّهُ يَعْلَمُ بواطن الأمور، وسرائر الصدور، أي إنه قد علم محبة من أحب الإشاعة، وهو معاقبة عليها، أو والله يعلم إذ شرع ما شرع، وحذر ما حذر، ووعظ ما وعظ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فسلموا لله حكمه وشرعه
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ قال ابن كثير: أي لولا هذا لكان أمر آخر، ولكنه تعالى رءوف