الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآي، وفي ذلك إشارة إلى أن الرجل هو الكافل للمرأة
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها أي في الجنة وَلا تَعْرى أي عن الملابس لأنها معدة أبدا فيها
وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها أي لا تعطش لوجود الأشربة وَلا تَضْحى أي لا يصيبك حر الشمس إذ ليس فيها شمس، فأهلها في ظل ممدود، قرن بين الجوع والعري لأن الجوع ذل الباطن والعري ذل الظاهر، وقرن بين الظمأ لأنه حر الباطن وهو العطش وبين الضحى الذي هو حر الظاهر، دل ذلك على أن الإنسان يحتاج إلى الطعام والشراب واللباس والسكن، وذلك كله كان مؤمنا لآدم وزوجته بدون عناء، فعصيا، فأخرجا فلم يعودا يحصلان على هذا إلا بالعناء، فكان شقاؤهما أثرا عن المخالفة وهذا الإنسان الآن على الأرض، فعند ما ينزل الله له وحيا فإنما ذلك لإسعاده لا لإشقائه، ولإعادته إلى دار سعادته، الجنة لا لغير، وإنما يزيد شقاؤه في الدنيا بإعراضه عن وحي الله ثم مأواه النار في آخرته بإعراضه عن هذا الوحي، فإذا اتضح لك هذا فقد اتضحت لك الصلة بين هذه الآيات وبين قوله تعالى في مقدمة السورة ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى
كلمة في السياق وفي حكمة تكرار القصص القرآني:
نلاحظ في هذه السورة أن قصة آدم قد ذكرت هنا لتعليل الإشقاء، وتبيان حقيقته وهذا ينسجم مع السياق الخاص لسورة (طه) المبدوءة بقوله تعالى طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى نقول هذا لنبين أن القصة عند ما تتكرر في القرآن فإنها في كل مرة تقدم خدمة خاصة تتفق مع سياق السورة الخاص، منسجمة مع محور السورة العام، ومن الملاحظ أن كثيرا من قصص القرآن يعرض قسم منها في مكان وقسم آخر في مكان آخر، وتبرز منها بعض قضايا في مكان وتبرز منها بعض قضايا في مكان آخر، وكل ذلك لتؤدي دورها في سياق السورة ومحل السورة من السياق القرآني، هذا عدا عن كون القصة القرآنية دائما من القصص الخالد الذي يذكر الإنسان في كل حالة يحتاج الإنسان إلى أن يتذكر، وتكرار ذكر بعضها لأنها من النوع الذي يحتاج الإنسان أن يتذكره أكثر من غيره ومن ذلك قصة آدم عليه السلام فإن الإنسان يحتاج أن يتذكرها دائما. ولنعد إلى لتفسير
…
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ أي أنهى إليه الوسوسة قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وهو الخلود لأن من أكل منها خلد- بزعمه- ولا يموت وَمُلْكٍ لا
يَبْلى أي لا يفنى، دل ذلك على أن الرغبة في الخلود والملك نزعتان عميقتان في الطبيعة البشرية استغلها الشيطان لحرف الإنسان عن أمر الله، وهما نزعتان لا يزال الشيطان يستغلهما لصرف الإنسان عن وحي الله وكتبه، فمن أجل الخلود المزعوم نجد كثيرا من الزعماء والقادة يفعلون الكثير من الباطل على حساب الحق، ومن أجل الملك نجد الكثير يفعل الكبير من الجرائم على حساب العدل، ولا خلود ولا ملك إلا بالتزام أمر الله فذلك الملك الحقيقي، وذلك الخلود الحقيقي إن الرحمن يدل الإنسان على طريق الملك والخلود الحقيقية، وأما الشيطان فإنه يدله على طريق الملك والخلود الزائفين، ولذلك قال الله تعالى في سورة الأعراف فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ.
فَأَكَلا أي آدم وحواء مِنْها أي من الشجرة فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي فظهرت لهما عوراتهما، وفي ذلك إشارة إلى أن الستر ملازم لتنفيذ الأمر، وهذه البشرية الآن تعرت عريا فظيعا لطاعتها للشيطان في مخالفة الأمر، إن الشيطان لا يزال بمن يطيعه حتى يعريه تماما وَطَفِقا أي وشرعا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي يلزقان الورق بسوءاتهما للتستر وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى أي فضل عن الرأي
قال النسفي: (والحاصل أن العصيان وقوع الفعل على خلاف الأمر والنهي، وقد يكون عمدا فيكون ذنبا، وقد لا يكون عمدا فيكون زلة، ولما وصف فعله بالعصيان خرج فعله من أن يكون رشدا، فكان غيا لأن الغي خلاف الرشد، وفي التصريح بقوله وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى والعدول عن قوله وزل آدم مزجرة بليغة وموعظة كافة للمكلفين، كأنه قيل لهم: انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبي المعصوم حبيب الله زلته بهذه الغلظة فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من الصغائر فضلا عن الكبائر).
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ أي قربه إليه واصطفاه فَتابَ عَلَيْهِ أي قبل توبته وَهَدى أي وهداه إلى الاعتذار والاستغفار
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً يعني آدم وحواء دل هذا على أن المعصية ولو أعقبتها توبة وقبول من الله فإنها لا تمر بلا نوع عقوبة، نسأل الله اللطف بَعْضُكُمْ يا ذرية آدم لِبَعْضٍ
عَدُوٌّ
أي بالتحاسد في الدنيا والاختلاف في الدين، والتباغي بأمراض النفوس، وفي ذلك الشقاء الذي جاءت شرائع الله لتخلص الإنسان منه فليس في اتباع الوحي الشقاء ولكن في الإعراض عنه فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً أي كتاب وشريعة، أو وحي بشكل عام فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى قال ابن عباس:(لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة).