الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعروف، حتى عند الحيوان، وأنهم لا يتجاوزون إطار الحق والعدل والمباح إلى غيره.
وهذا درس في السياسة مهم، فعلى رئيس الدولة أن يضبط جنده بضابط العدل. وهذا لا يتم إلا بفقه وتربية وإلزام وعقاب للمخالف. فليلاحظ هذا الدرس، وليضع الذين يكرمهم الله بالملك مثل هذا الدرس موضع التطبيق. ولنعد إلى التفسير:
…
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ التفقد: طلب ما غاب عنك فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ والمعنى: أنه تعرف الطير فلم يجد الهدهد فقال ما لي لا أراه، على معنى أنه لا يراه، وهو حاضر لساتر ستره، أو غير ذلك، ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول بل هو غائب، ومن ثم قال: أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ قال ابن كثير أي: أخطأه بصري من الطير، أم غاب فلم يحضر؟
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً لم يحدد القرآن نوع العذاب الشديد، وللمفسرين كلام كثير في تحديده، ويبدو أنهم أخذوه استنتاجا أو تلقيا عن أهل الكتاب، وقد لخص النسفي هذه الأقوال بقوله: بنتف ريشه، وإلقائه في الشمس، أو بالتفريق بينه وبين إلفه، أو بإلزامه خدمة أقرانه، أو بالحبس مع أضداده، وعن بعضهم أضيق السجون معاشرة الأضداد، أو بإيداعه القفص، أو بطرحه بين يدي النمل ليأكله، وحل له تعذيب الهدهد لما رأى فيه من المصلحة كما حل ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع، وإذا سخر له الطير لم يتم التسخير إلا بالتأديب والسياسة. أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ عقوبة له أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي بحجة له فيها عذر ظاهر على غيبته، ومعنى كلامه: ليكونن أحد الأمور، يعني: إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب، ولا ذبح، وإن لم يكن كان أحدهما.
…
فوائد:
1 -
في قوله تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ درس من دروس الحكم؛ إذ دل ذلك على أن سليمان كان يعرف الصغيرة والكبيرة من أمر جنده، وعلى أن أي خلل يخل به أحد من جنده كان يعرفه ويشعر به ويبحث عن سببه.
2 -
وفي قول سليمان لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ
مُبِينٍ درس آخر من دروس الحكم، بل دروس، فالخلل لا بد أن يعالج بالعقوبة، ومن ثم قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ ولكن العذاب أو الذبح بعد إذ لم يكن عذر ومن ثم قال: أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ وإذن فقبل العقوبة لا بد من معرفة سبب الغياب، وهذا هو الدرس الثاني، والدرس الثالث: دقة كلام الحاكم وإحاطته واختصاره، وإظهار الغضب إذا وجد الخلل والتهديد بالعقوبة به بحيث يسمعها الجند.
3 -
قدم ابن كثير للكلام عن الهدهد وتفقد سليمان له بما يلي:
(قال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما عن ابن عباس وغيره: كان الهدهد مهندسا يدل سليمان عليه السلام على الماء، إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض كما يرى الإنسان الشئ الظاهر على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بعده من وجه الأرض، فإذا دلهم عليه أمر سليمان عليه السلام الجان، فحفروا ذلك المكان حتى يستنبط الماء من قراره، فنزل سليمان عليه السلام يوما بفلاة من الأرض فتفقد الطير ليرى الهدهد فلم يره فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ حدث يوما عبد الله بن عباس بنحو هذا، وفي القوم رجل من الخوارج يقال له نافع بن الأزرق، وكان كثير الاعتراض على ابن عباس فقال له: قف يا ابن عباس غلبت اليوم، قال ولم؟ قال أتخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ، ويحثو على الفخ ترابا فيجئ الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ، فيصيده الصبي، فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: رددت على ابن عباس لما أجبته، ثم قال له:
ويحك إنه إذا نزل القدر عمي البصر وذهب الحذر، فقال له نافع: والله لا أجادلك في شئ من القرآن أبدا).
أقول: إن ذكر هذه الخاصية عند الهدهد شئ ليس فيه نص في كتابنا، ولا عن رسولنا عليه الصلاة والسلام، وإنما هو كلام كبار المفسرين، ولا نعرف من أين أخذوه، هل هو استنباط أو تلق عن أهل الكتاب، وعلى كل حال فليس من المستبعد أن يكون عند بعض المخلوقات مثل هذه الخواص، ففي عصرنا صار بإمكان بعض الاختصاصيين بعلم الجيولوجيا أن يعرفوا من خلال دراسة التربة احتمالات وجود الماء أو البترول في باطن الأرض، كما أنه قد وجدت أجهزة تستطيع أن تستكشف الكثير مما هو في باطن الأرض، فلا يبعد أن تكون عند بعض المخلوقات مثل هذه الخواص، ألا ترى أن خاصية الرادار موجودة عند الوطواط.
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ أي مكث الهدهد بعد تفقد سليمان إياه مكثا غير بعيد أي غير طويل. قال النسفي: (ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفا من سليمان). أقول: (وفي هذا درس في فن الحكم، وهو أن يكون للدولة هيبتها) فلما رجع الهدهد سأله سليمان عما لقي في غيبته فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ قال ابن كثير: أي اطلعت على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك. وقال النسفي في تفسير قول الهدهد: علمت شيئا من جميع جهاته. وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ أي بخبر صدق حق يقين. قال ابن كثير: وسبأ هم حمير وهم ملوك اليمن، ثم تابع الهدهد كلامه
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ قال النسفي: (هي بلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها ملك أرض اليمن، ولم يكن له ولد غيرها، فغلبت على الملك، وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون الشمس)
وقال ابن كثير بعد أن ذكر أقوالا كثيرة للمفسرين في بلقيس وشأنها: (وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ كانت من بيت
مملكة، وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثنى عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل، وكانت بأرض يقال لها مأرب، على ثلاثة أميال من صنعاء، وهذا القول هو أقرب على أنه كثير على مملكة اليمن والله أعلم).
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي من متاع الدنيا مما يحتاج إليه الملك المتمكن وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ أي سرير عظيم كبير مزخرف. وللمفسرين والمؤرخين كلام كثير حول السرير ووصفه، لسنا بحاجة إليه في مثل هذا التفسير.
وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ أي عن طريق الحق أي عن سبيل التوحيد فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أي إلى الحق، دل ذلك على أن الهدهد كان مدركا لقضية معرفة الله، ووجوب السجود له، وحرمة السجود للشمس، إلهاما من الله له أو كأثر من وضوح الرؤية عند كل جند سليمان
أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ التقدير فصدهم الشيطان لئلا يسجدوا لله وفي الآية قراءات أخرى وتأويلات أخرى سنراها في الفوائد الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ أي المخبوء فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ أي يعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه من الأقوال والأفعال
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ فهو رب العرش الذي لا يوجد أعظم منه. قال ابن كثير عن العرش: ليس في المخلوقات أعظم منه: قال النسفي: وصف الهدهد عرش الله