الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحدوه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ أي من معبود غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ أي أفلا تخافون عقوبة الله الذي هو ربكم وخالقكم إذا عبدتم غيره مما ليس من استحقاق العبادة في شئ
فَقالَ الْمَلَأُ أي السادة والأشراف الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ قالوا للعامة ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ أي يأكل ويشرب ويطلب بدعواه الفضل عليكم
والترؤس يعنون: يتفضل عليكم ويترفع بدعوى النبوة وهو بشر مثلكم، فكيف أوحي إليه دونكم وَلَوْ شاءَ اللَّهُ إرسال رسول لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا أي ببعثة البشر فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ يعنون بهذا أسلافهم وأجدادهم في الدهور الماضية قال النسفي: والعجب منهم أنهم رضوا بالألوهية للحجر ولم يرضوا بالنبوة للبشر
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ أي جنون أي فيما يزعمه من أن الله أرسله إليكم، واختصه من بينكم بالوحي، وهو ككلام ملاحدة العصر، إذ يعللون ظاهرة النبوة بأنها نوع صرع فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ أي فانتظروا واصبروا عليه إلى زمان حتى ينجلي أمره، فإن أفاق من جنونه وإلا قتلتموه
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ لما أيس من إيمانهم دعا الله بالانتقام منهم، والمعنى: يا رب أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي، إذ في نصرته إهلاكهم، والمعنى: أبدلني من غم تكذيبهم سلوة النصر عليهم
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أي أجبنا دعاءه أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ أي السفينة بِأَعْيُنِنا قال النسفي: أي تصنعه وأنت واثق بحفظ الله لك ورؤيته إياك، أو بحفظنا وكلاءتنا كأن معك من الله حفاظا يكلئونك بعيونهم لئلا يتعرض لك ولا يفسد عليك مفسد عملك وَوَحْيِنا أي أمرنا وتعليمنا إياك صنعتها فَإِذا جاءَ أَمْرُنا أي عذابنا بأمرنا وَفارَ التَّنُّورُ أي فار الماء من تنور الخبز قال النسفي: أخرج سبب الغرق من موضع الحرق؛ ليكون أبلغ في الإنذار والاعتبار فَاسْلُكْ فِيها أي فأدخل
في السفينة مِنْ كُلٍّ أي من كل صنف من أصناف المخلوقات زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ قال ابن كثير: أي ذكرا وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات والثمار وغير ذلك وَأَهْلَكَ أي وأدخل فيها أولادك ومن معك من المؤمنين والمؤمنات إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ من الله بإهلاكهم مِنْهُمْ وهم الذين لم يؤمنوا به من أهله، كابنه وزوجته وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أي ولا تسألني نجاة الذين كفروا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ أي قد قضيت أنهم مغرقون على ما هم عليه من الكفر والطغيان، هذا نهي له أن تأخذه رأفة بقومه، وشفقة عليهم، وطمع في تأخيرهم لعلهم يؤمنون، وذلك عند معاينة إنزال المطر العظيم
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ أي فإذا تمكنتم عليها راكبين فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم قال النسفي: ولم يقل: فقولوا وإن كان فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ في معنى إذا استويتم لأنه نبيهم وإمامهم، فكان قوله قولهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة
وَقُلْ حين ركبت على السفينة أو حين خرجت منها رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا أي إنزالا مُبارَكاً قال النسفي: البركة في السفينة النجاة فيها وبعد الخروج منها كثرة النسل وتتابع الخيرات وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ فاختر لنا
إِنَّ فِي ذلِكَ أي في هذا الصنيع وهو إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين لَآياتٍ أي لعبرا ومواعظ وحججا ودلالات واضحات على صدق ما الأنبياء جاءوا به عن الله تعالى، وأنه تعالى فاعل لما يشاء، قادر على كل شئ عليم بكل شئ وَإِنْ أي وإن الشأن والقصة كُنَّا لَمُبْتَلِينَ أي لمختبرين للعباد بإرسال المرسلين، أو مختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويتذكر
ثُمَّ أَنْشَأْنا أي خلقنا مِنْ بَعْدِهِمْ أى بعد قوم نوح قَرْناً آخَرِينَ قيل المراد بهم عاد فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم، وقيل المراد بهؤلاء ثمود، ورجح النسفي أنهم عاد قوم هود قال: ويشهد له قول هود وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في الأعراف وهود والشعراء
فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أي من القوم أنفسهم، وليس من غيرهم أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ فماذا كان موقف الكفر
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ أي بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك وَأَتْرَفْناهُمْ أي ونعمناهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بكثرة الأولاد والأموال قال هؤلاء ما هذا أي النبي إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ أي منه أي من أين يدعي رسالة الله من بينكم وهو مثلكم
وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ أي فيما يأمركم به وينهاكم عنه إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ بالانقياد لمثلكم، قال النسفي: ومن حمقهم أنهم أبوا اتباع مثلهم وعبدوا أعجز منهم
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ أي مبعوثون للسؤال والحساب والثواب والعقاب
هَيْهاتَ هَيْهاتَ أي بعد بعد لِما تُوعَدُونَ من العذاب أو من البعث
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا أي لا حياة إلا هذه الحياة التي نحن فيها ودنت منا نَمُوتُ وَنَحْيا أي يموت بعض ويولد بعض، ينقرض قرن فيأتي قرن آخر وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ أي بعد الموت
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي ما هو إلا مفتر على الله فيما يدعيه من استنبائه له، وفيما يعدنا من البعث وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ أي بمصدقين
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ استفتح عليهم الرسول، واستنصر ربه عليهم
فأجاب دعاءه قالَ عَمَّا قَلِيلٍ أي عن قليل لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ إذا عاينوا ما يحل بهم
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ
قال النسفي: أي صيحة جبريل صاح عليهم فدمرهم بِالْحَقِّ أي بالعدل من الله أي كانوا يستحقون ذلك من الله بكفرهم وطغيانهم فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً شبههم في دمارهم
بالغثاء: وهو حميل السيل مما بلي واسود من الورق والعيدان فَبُعْداً أي هلاكا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي الكافرين
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ أي أمما وخلائق، كقوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم
ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أي ما تسبق أمة أَجَلَها المكتوب لها، والوقت الذي حد لهلاكها وكتب وَما يَسْتَأْخِرُونَ أي لا يتأخرون عنه يعني: بل يؤخذون على حسب ما قدر لهم الله تعالى في كتابه المحفوظ
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا أي متتابعين واحدا بعد واحد قال ابن عباس: يتبع بعضهم بعضا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها المرسل إليها كَذَّبُوهُ أي جمهورهم وأكثرهم فَأَتْبَعْنا الأمم والقرون بَعْضَهُمْ بَعْضاً في الهلاك وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي أخبارا وأحاديث للناس قال النسفي: أخبارا يسمع بها ويتعجب منها، والأحاديث تكون اسم جمع للحديث، ومنه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وتكون جمعا للأحدوثة وهو ما يتحدث به الناس تلهيا وتعجبا وهو المراد هنا فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ أي فهلاكا لقوم كافرين
ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا التسع وَسُلْطانٍ مُبِينٍ أي وحجة ظاهرة
إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا أي امتنعوا عن قبول الإيمان ترفعا وتكبرا
وَكانُوا قَوْماً عالِينَ أي متكبرين مترفعين
فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما أي بنو إسرائيل لَنا عابِدُونَ أي خاضعون مطيعون وكل من دان لملك فهو عابد له عند العرب
فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ بالغرق
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة لَعَلَّهُمْ أي لعل قومه يَهْتَدُونَ أي يعملون بشرائعها ومواعظها
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً تدل على قدرتنا على ما نشاء لأنه خلق من غير نطفة وكان هو وأمه آية لأن الأعجوبة فيهما واحدة وَآوَيْناهُما أي جعلنا مأواهما أي منزلهما إِلى رَبْوَةٍ أي إلى أرض مرتفعة ذاتِ قَرارٍ أي مستقر من أرض مستوية منبسطة، أو ذات ثمار وماء، لأنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها وَمَعِينٍ أي وماء ظاهر جار على وجه الأرض قال النسفي: وهي بيت المقدس أو دمشق أو الرملة أو مصر. وقال ابن كثير: وأقرب الأقوال في ذلك ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ قال:
المعين: الماء الجاري وهو النهر الذي قال الله تعالى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا.
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ أي الحلال وَاعْمَلُوا صالِحاً أي موافقا للشريعة قال ابن كثير: فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح، وقال النسفي (هذا الخطاب والنداء ليسا على ظاهرهما؛ لأنهم أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة، وإنما المعنى الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصي به، ليعتقد السامع أن أمرا نودي به جميع الرسل ووصوا به حقيق أن يؤخذ به، ويعمل عليه أو خطاب لمحمد عليه الصلاة والسلام لفضله ومقامه مقام الكل في زمانه، وكان يأكل من الغنائم، أو لعيسى عليه السلام لاتصال الآية بذكره، وكان يأكل من غزل أمه، وهو أطيب الطيبات، والمراد بالطيبات ما حل والأمر للتكليف، أو ما يستطاب يستلذ والأمر للترفيه والإباحة) إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ فأجازيكم على أعمالكم
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ يا معشر الأنبياء والرسل أُمَّةً واحِدَةً ملة واحدة، وشريعة واحدة، ودينا واحدا وَأَنَا رَبُّكُمْ وحدي فَاتَّقُونِ أي فخافوا عقابي في مخالفتكم أمري
فَتَقَطَّعُوا أي قطعت الأمم أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً أي قطعا يعني: جعلوا دينهم أديانا، يعني قطعت الأمم أمر الأنبياء قطعا، وأخذت كل طائفة قطعة، وأمرهم واحد، وعن الحسن:
قطعوا كتاب الله قطعا، وحرفوه كُلُّ حِزْبٍ أي كل فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم بِما لَدَيْهِمْ من الهوى والرأي فَرِحُونَ مسرورون معتقدون أنهم على الحق، ولهذا قال: متوعدا
فَذَرْهُمْ أي فدعهم فِي غَمْرَتِهِمْ أي في