الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير:
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى أي وقد أتاك حديث موسى، والكلام عن قصة موسى عليه السلام يأتي في السياق كنموذج على الرسالة والرسول، وعلى إنزال الوحي من الله، وفي قصة موسى تدليل على أن إنزال الله وحيا على أحد من خلقه لا يكون سببا لشقائه، كما أن في إنزاله الوحي على موسى كانت الحكمة فيه التذكرة لمن يخشى، أو إقامة الحجة على الإنسان ليخشى، وهي نفس الحكمة في إنزال هذا القرآن، والقصة- وإن كانت في سياقها القريب- تخدم ما ذكرناه، أي تخدم قضية الإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فهي كذلك في سياقها تخدم موضوع الإيمان بما أنزل على غيره، وهذان هما محور السورة في البقرة وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وتخدم موضوع التأسيس في تحمل أعباء النبوة والدعوة، كما تخدم موضوع وحدة رسالات الله، عدا عن كونها تعطي دروسا كثيرة خالدة في الحياة البشرية،
إِذْ رَأى ناراً حين مقفله من مدين، كما سيقص القرآن قصة ذلك في سورة القصص، التي هي السورة الأخيرة في هذه المجموعة، وهذا من مظاهر وحدة هذه المجموعة وتكاملها فَقالَ لِأَهْلِهِ أي لزوجته امْكُثُوا أي أقيموا في مكانكم إِنِّي آنَسْتُ ناراً أي أبصرت، والإيناس: رؤية شئ يؤنس به لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أي شهاب من النار، أي نار مقتبسة في رأس عود أو فتيلة أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً أي ذوي هدى، أو قوما يهدونني الطريق، دل ذلك على وجود البرد والظلام وقتذاك، وأن موسى عليه السلام قد تاه عن الطريق، وفي ذلك إشارة إلى أن الإنسان في أشد حالات
الضيق يكون أقرب ما يكون إلى الرحمة، وفي قوله لأهله امْكُثُوا درس في كمال رحمته وشفقته وغيرته وشجاعته وخدمته لأهله، وفي استعماله لكلمة لَعَلِّي إشارة إلى دقته في التعبير؛ إذ بنى الأمر على الرجاء؛ لئلا يعد ما ليس يستيقن الوفاء به
فَلَمَّا أَتاها أي أتى النار واقترب منها نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ أي الذي يخاطبك ويكلمك، وفي ذلك تعليم لنا أن نعرف من نكلفه يوصفنا الذي نكلفه فيه وبما يؤكد أننا متصفون بهذا الوصف، وقد عرف موسى عليه السلام أن الله يخاطبه بعلامات قال النسفي:(فعرف أنه كلام الله عز وجل بأنه سمعه من جميع جهاته الست، وسمعه بجميع أعضائه) فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أي انزعهما، ثم علل حكمة الأمر بقوله:
إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أي المطهر أو المبارك طُوىً هذا اسم الوادي، علل له الأمر بخلع النعلين بأنه احترام للبقعة، وتعظيم لها قال سعيد بن جبير: أمره بخلع نعليه تعظيما للبقعة، كما يؤمر الرجل بخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة، وفي ذكر الأمر مع تعليله تعليم لنا ألا نأمر إلا مع التعليل للأمر، فإذا كان الله- عز وجل هذا شأنه فكيف بالبشر مع البشر؟ وفي حكمة مجيء هذا الأمر من الله بعد إعلامه لموسى أنه الله، وقبل إعلامه بالاصطفاء والاجتباء، تعليم لنا بأن مما يساعد الإنسان على أن يتخلص من ارتباكه في المواقف الصعبة أن يفعل شيئا محسوسا في مثل هذه المقامات، فلا شك أن الأمر بخلع النعلين، وتنفيذ ذلك من قبل موسى ساعده على تحمل المفاجأة والتخلص من إرباكها،
ثم قال تعالى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ أي اصطفيتك للنبوة فَاسْتَمِعْ لِما أي للذي يُوحى إليك، علمه أولا التواضع في هيئته؛ إذ أمره بخلع النعلين، ثم طالبه بأدب الإنصات، فدل ذلك على أن تعليم الأدب وتعلمه هو البداية الصحيحة في التربية، وكم من مرب لم يبدأ بتعليم الأدب ففاته كل شئ، وانقلب تعليمه عليه، ومن ثم نلاحظ أن كل رسول الله عليهم الصلاة والسلام كان يطالب قومه بأمرين: التقوى والطاعة، كما سنرى في سورة الشعراء، التقوى لله، والطاعة له؛ للتلازم التام بين الأدب مع الله، والأدب مع رسله، فعلى وراث النبوة أن يلاحظوا ذلك، وعلى الراغبين في العلم والتعلم، والوصول إلى الله أن يعطوا ذلك حقه،
وبعد أن أمر الله موسى عليه السلام أن يستمع إلى ما يقوله ويوحيه له قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا قال ابن كثير: هذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وبعد أن عرفه على ذاته أمره فَاعْبُدْنِي أي وحدني وأطعني وأقم عبادتي من غير شريك وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي أي صل لتذكرني، أي أقم