الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ مر معنا تعريف الصابئين في سورة البقرة وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ أي عباد النار وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا مع الله غيره كائنا من كانوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي يحكم بينهم إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي عالم به، حافظ له، فلينظر كل امرئ معتقده، وقوله وفعله، وهو أبلغ وعيد.
كلمة في السياق:
ما محل هذه الآية في السياق؟ إنه بعد أن ذكر الله عز وجل قضية اليأس من نصر الله في الدنيا والآخرة، قرر هنا مؤكدا أنه سيفصل ويحكم يوم القيامة بين أهل العقائد المختلفة، أي أن أهل الإيمان منتصرون حتما في الآخرة، وهذا هو النصر الكبير، ولنعد إلى التفسير:
أَلَمْ تَرَ أي ألم تعلم علما يقوم مقام العيان أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شئ طوعا وكرها، وسجود كل شئ مما يختص به، وهل هو سجود حقيقي فيكون لكل سجوده الخاص وإن كنا لا نقف عليه، أو أن في ذلك كناية عن مطاوعة غير المكلف له فيما يحدث فيه من أفعاله وتسخيره له، فهذا سجوده له تشبيها لمطاوعته بسجود المكلف الذي كل خضوع دونه؟ اتجاهان في التفسير ذكرهما النسفي وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ أي وكثير منهم حق عليه العذاب بكفره وإبائه السجود الاختيارى وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ أي ومن يهنه الله بالشقاوة فما له من مكرم بالسعادة إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ من الإكرام والإهانة وغير ذلك.
كلمة في السياق:
يأتي هذا الخطاب الذي يقرر خضوع خلق الله جميعا لله في سياق الإنكار على من ييأس من نصر الله، وفي سياق الإنكار على من يعبد الله على حرف؛ ليبين أن الأمر أمره، والملك ملكه، وكل شئ خاضع له، وأن من يفر من عبادته أمامه ما أمامه، وأن الذي ييأس من نصره لا يعرف حقيقة الأمر من كون كل شئ خاضعا له خضوع
اختيار، أو اضطرار وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وأما صلتها في السياق العام من محور السورة فإن محور السورة يأمر بالعبادة كطريق للتقوى، وتأتي هذه الآية لتقرر أن السجود الذي هو أرقى درجات العبادة هو سمة الكون كله بما فيه ومن فيه، وأن الذين لا يسجدون من البشر معذبون، وأن الذين يسجدون منسجمون مع سجود الخلق كلهم، وبعد هذه الآية التي مرت معنا فإن المجموعة تعرض لنا مشهدا من مشاهد يوم القيامة، تذكر لنا فيه كيف ينصر الله أولياءه في الآخرة ويخذل أعداءه.
…
هذانِ خَصْمانِ أي هذان فريقان مختصمان اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ هذا مصدق، وهذا مكذب، هذا مؤمن وهذا كافر، والاختصام قد يكون اختصام حجة، وقد يكون اختصام قتال فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ أي فصلت لهم مقطعات من النار. قال سعيد بن جبير: من نحاس، قال ابن كثير: وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي، قال النسفي: كأن الله يقدر لهم نيرانا على مقادير جثثهم، تشتعل عليهم، كما تقطع الثياب الملبوسة، واختير لفظ الماضى لأنه كائن لا محالة، فهو كالثابت المتحقق يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ أي الماء الحار الذي هو في غاية الحرارة، وقال سعيد بن جبير: هو النحاس المذاب
يُصْهَرُ بِهِ أي يذاب به، أي بالحميم ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ أي يذيب أمعاءهم وأحشاءهم، كما يذيب جلودهم، فيؤثر في الظاهر والباطن
وَلَهُمْ مَقامِعُ أي سياط مختصة بهم مِنْ حَدِيدٍ يضربون بها
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أي من النار مِنْ غَمٍّ أي من أجل غم أُعِيدُوا فِيها أي أعيدوا إلى عظم النار، لأنهم لا ينفصلون عنها أبدا وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي وقيل لهم ذوقوا العذاب ليهانوا قولا وفعلا، هذا جزاء الخصم الكافر،
وأما خصمه المؤمن فهذا جزاؤه: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ قال ابن كثير: أي تتحرك في أكنافها، وأرجائها وجوانبها، وتحت أشجارها وقصورها، يجرونها حيث شاءوا وأين أرادوا يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً أي يلبسون الحلي من الذهب واللؤلؤ في أيديهم وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ أي إلى الطريق المستقيم في الدنيا،