الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المجموعة رأينا أن المجموعة فصلت لنا في شأن العبادة والتقوى جوانب كثيرة، وكلنا يعلم أن الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، فهو جزء من التقوى، وهو وسيلة للتقوى، وقد أبرزت الآيات كثيرا من حكم أحكامه، وعللت للكثير مما افترض فيه، والمجموعة جسر لما بعدها مع ما قبلها، كما قلنا فالجميع في مقطع واحد.
الفوائد:
1 -
استدل ابن كثير بقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ على أن هذه الآية مدنية، والذي يبدو أن المجموعة كلها والمجموعة التي بعدها مدنيتان.
2 -
للمفسرين والفقهاء وقفات طويلة عند قوله تعالى الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ فقد فهم بعضهم من ذلك أن الناس كلهم متساوون في رباع مكة وسكناها، وأن دور مكة لاتباع ولا تشترى لأنها لكل المسلمين، وخالف آخرون في هذا الفهم فقالوا: إن المراد بالآية غير ذلك، وقد عرض ابن كثير هذه المسألة والخلاف فيها وأدلة كل.
قال: (وهذه المسألة هي التي اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف وأحمد بن حنبل حاضرا أيضا، فذهب الشافعي رحمه الله إلى أن رباع مكة تملك
وتورث وتؤجر، واحتج بحديث الزهري عن علي بن الحسن عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول: أننزل غدا في دارك بمكة؟ فقال «وهل ترك لنا عقيل من رباع» ثم قال «لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر» وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وبما ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشترى من صفوان ابن أمية دارا بمكة، فجعلها سجنا بأربعة آلاف درهم، وبه قال طاوس وعمرو بن دينار، وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنها لا تورث، ولا تؤجر، وهو مذهب طائفة من السلف، ونص عليه مجاهد وعطاء واحتج إسحاق بن راهويه بما رواه ابن ماجه ......
عن علقمة بن فضلة قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن. وروى عبد الرزاق عن عبد الله ابن عمرو أنه قال: لا يحل بيع دور مكة، ولا كراؤها. وقال أيضا عن ابن جريج:
كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن تبويب
دور مكة لأن ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بوب داره سهيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك فقال: انظرني يا أمير المؤمنين إني كنت امرأ تاجرا، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري، قال: فلك ذلك إذا. وروى عبد الرزاق عن مجاهد أن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث يشاء، قال: وأخبرنا معمر عمن سمع عطاء يقول سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ قال: ينزلون حيث شاءوا، وروى الدارقطني من حديث ابن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو موقوفا «من أكل كراء بيوت مكة أكل نارا» وتوسط الإمام أحمد فقال: تملك وتورث ولا تؤجر جمعا بين الأدلة والله أعلم).
3 -
نقل ابن كثير كلاما كثيرا للمفسرين حول قوله تعالى وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ وكلها توضح جوانب مما يمكن أن يفعله الناس من إلحاد في الحرم، ومن كلامه قال: (وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: بظلم: بشرك، وقال مجاهد أن يعبد فيه غير الله، وكذا قال قتادة وغير واحد، وقال العوفي عن ابن عباس: بظلم: هو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك من إساءة أو قتل فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب الأليم، وقال مجاهد: بظلم: يعمل فيه عملا سيئا، وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقب البادئ فيه بالشر إذا كان عازما عليه وإن لم يوقعه، كما روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن السدي أنه سمع مرة يحدث عن عبد الله- يعني ابن مسعود- في قوله تعالى وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ قال: لو أن رجلا أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعدن أبين لأذاقه الله من العذاب الأليم وقال الثوري ...... عن عبد الله قال: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلا بعدن أبين هم أن يقتل رجلا بهذا البيت لأذاقه الله من العذاب الأليم، وكذا قال الضحاك بن مزاحم، وقال سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد إلحاد فيه لا والله وبلى والله، وقال سعيد بن جبير: شتم الخادم ظلم فما فوقه، وقال سفيان الثوري ..... عن ابن عباس في قوله وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ قال: تجارة الأمير فيه، وقال حبيب بن أبي ثابت وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ قال: المحتكر بمكة، وكذا قال غير واحد. وروى ابن أبي حاتم عن يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«احتكار الطعام بمكة إلحاد» وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قول الله وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ قال: نزلت في عبد الله بن أنيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه مع رجلين أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن
أنيس؛ فقتل الأنصاري، ثم ارتد عن الإسلام، ثم هرب إلى مكة فنزلت فيه وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ يعني من لجأ إلى الحرم، بإلحاد يعني: بميل عن الإسلام، وهذه الآثار- وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد- ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها، ولهذا لما هم أصحاب الفيل على تخريب البيت، أرسل الله عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول، أي دمرهم وجعلهم عبرة ونكالا لكل من أراده بسوء، ولذلك ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «يغزو هذا البيت جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم» وروى الإمام أحمد أنه. أتى عبد الله بن عمر، عبد الله بن الزبير فقال: يا بن الزبير:
إياك والإلحاد في حرم الله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إنه سيلحد فيه رجل من قريش لو توزن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت» فانظر لا تكن هو، وروى أيضا في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص ..... عن سعيد بن عمرو قال: أتى عبد الله بن عمر، عبد الله بن الزبير وهو جالس في الحجر فقال: يا ابن الزبير إياك والإلحاد في الحرم، فإني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «يحلها ويحل به رجل من قريش لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها» قال: فانظر لا تكن هو، لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذين الوجهين.
أقول: إن عبد الله بن الزبير ليس هو المعني بالحديث بيقين، بل هو الخليفة الشرعي للمسلمين مدة خلافته رضي الله عنه وأرضاه.
4 -
ما الصلة بين الآية الأولى في المجموعة وهي قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ..... والآية الثانية وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ قال ابن كثير:
(هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد غير الله وأشرك به من قريش في البقعة التي أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له) وما الصلة بين الآية الأولى، وأمره تعالى لإبراهيم في الآية الثالثة وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.
أقول: الصلة تكمن- والله أعلم- في أن إبراهيم دعا الخلق كلهم لإتيان المسجد الحرام، وقريش كانت تصد أولى الناس بإبراهيم عن المسجد الحرام.
5 -
عند قوله تعالى وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ تحدث ابن كثير عن حكمة قرن الطواف بالركوع والسجود فقال: (فقرن الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده والصلاة إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثني من الصلاة عند اشتباه القبلة، وفي الحرب، وفي النافلة في السفر).
6 -
لا نعلم كيف نفذ إبراهيم عليه السلام أمر الله وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ إلا أن ابن عباس ومجاهدا وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف قالوا ما مضمونه: (قال أي عند ما أمر: يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه- وقيل على الحجر وقيل على الصفا، وقيل على أبي قبيس- وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه، فيقال إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شئ سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة لبيك اللهم لبيك) هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغير واحد من السلف والله أعلم.
7 -
بمناسبة قوله تعالى وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ قال ابن كثير: (قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشيا لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبا، لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم، وقوة هممهم، وشدة عزمهم، وروى وكيع عن ابن عباس قال ما آسى على شئ إلا أني وددت أني كنت حججت ماشيا، لأن الله يقول: يَأْتُوكَ رِجالًا والذي عليه الأكثرون أن الحج راكبا أفضل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه حج راكبا مع كمال قوته عليه الصلاة والسلام.
8 -
بعد قوله تعالى يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ ذكر الله عز وجل حكم فرضه الحج على الناس فقال:
لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ.
وقد قدم الله عز وجل من هذه الحكم الخمسة شهود المنافع فقال: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وللنسفي كلام جميل في هذا المقام قال: (نكرها لأنه أراد منافع مختصة
بهذه العبادة دينية ودنيوية، لا توجد في غيرها من العبادة، وهذا لأن العبادة شرعت للابتلاء بالنفس، كالصلاة والصوم، أو بالمال كالزكاة، وقد اشتمل الحج عليهما، مع ما فيه من تحمل الأثقال، وركوب الأهوال، وخلع الأسباب، وقطيعة الأصحاب، وهجر البلاد والأوطان، وفرقة الأولاد والخلان، والتنبيه على ما يستمر عليه إذا انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء، فالحاج إذا دخل البادية لا يتكل فيها إلا على عتاده، ولا يأكل إلا من زاده، فكذا المرء إذا خرج من شاطئ الحياة، وركب بحر الوفاة، لا ينفع وحدته إلا ما سعى في معاشه لمعاده، ولا يؤنس وحشته إلا ما كان يأنس به من أوراده، وغسل من يحرم وتأهبه ولبسه غير المخيط، وتطيبه مرآة لما سيأتي عليه من وضعه على سريره لغسله وتجهيزه مطيبا بالحنوط، ملففا في كفن غير مخيط، ثم المحرم يكون أشعث حيران، فكذا يوم الحشر، يخرج من القبر لهفان، ووقوف الحجيج بعرفات آملين رغبا ورهبا، سائلين خوفا وطعما، وهم من بين مقبول ومخذول، كموقف العرصات، لا تكلم نفس إلا بإذنه، فمنهم شقي وسعيد، والإفاضة إلى المزدلفة بالمساء هو السوق لفصل القضاء، ومنى هو موقف المنى للمذنبين إلى شفاعة الشافعين، وحلق الرأس والتنظيف كالخروج من السيئات بالرحمة والتخفيف، والبيت الحرام الذي من دخله كان آمنا، من الإيذاء والقتال، أنموذج لدار السلام التي هي من نزلها بقي سالما من الفناء والزوال، غير أن الجنة حفت بمكاره النفس العادية، كما أن الكعبة حفت بمتالف البادية، فمرحبا بمن جاوز مهالك البوادي شوقا إلى اللقاء يوم التنادي).
وقال صاحب الظلال في قوله تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ: (والمنافع التي يشهدها الحجيج كثيرة فالحج موسم ومؤتمر. الحج موسم تجارة وموسم عبادة الحج مؤتمر اجتماع وتعارف ومؤتمر تنسيق وتعاون وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة .. أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقا رائجة حيث تجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شئ من أطراف الأرض، ويقدم الحجيج من كل فج ومن كل قطر، ومعهم من خيرات بلادهم ما تفرق في أرجاء الأرض في شتى المواسم. يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد. فهو موسم تجارة ومعرض نتاج، وسوق عالمية تقام في كل عام. وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح. وهي تستشعر قربها من الله في بيته الحرام. وهي ترف حول هذا البيت وتستروح الذكريات التي تحوم عليه وترف كالأطياف من قريب ومن بعيد.
طيف إبراهيم الخليل عليه السلام وهو يودع البيت وبه فلذة كبده إسماعيل وأمه، ويتوجه بقلبه الخافق الواجف إلى ربه: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ. فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ: وطيف هاجر، وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرة الملتهبة حول البيت، وهي تهرول بين الصفا والمروة وقد نهكها العطش. وهدها الجهد وأضناها الإشفاق على الطفل .. ثم ترجع في الجولة السابعة وقد حطمها اليأس لتجد النبع يتدفق بين يدي الرضيع الوضيء. وإذا هي زمزم ينبوع الرحمة في صحراء اليأس والجدب.
وطيف إبراهيم- عليه السلام وهو يرى الرؤيا، فلا يتردد في التضحية بفلذة كبده، ويمضي في الطاعة المؤمنة إلى ذلك الأفق البعيد: قالَ: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى؟ فتجيبه الطاعة الراضية في إسماعيل- عليه السلام قالَ: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ وإذا رحمة الله تتجلى في الفداء: وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ. وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ.
وطيف إبراهيم وإسماعيل- عليهما السلام يرفعان القواعد من البيت، في إنابة وخشوع: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ، وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
وتظل هذه الأطياف وتلك الذكريات ترف وتتتابع، حتى يلوح طيف عبد المطلب، وهو ينذر دم ابنه العاشر إن رزقه الله عشرة أبناء، وإذا هو عبد الله وإذا عبد المطلب حريصا على الوفاء بالنذر. وإذا قومه من حوله يعرضون عليه فكرة الفداء وإذا هو يدير القداح حول الكعبة ويضاعف الفداء والقدح يخرج في كل مرة على عبد الله حتى يبلغ الفداء مائة ناقة بعد عشر هي الدية المعروفة فيقبل منه الفداء، فينحر المائة وينجو عبد الله، ينجو ليودع رحم آمنة أطهر نطفة وأكرم خلق الله على الله- محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يموت! فكأنما فداه الله من الذبح لهذا القصد الوحيد الكريم الكبير!.
ثم تتواكب الأطياف والذكريات من محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم وهو يدرج في طفولته وصباه فوق هذا الثرى، حول هذا البيت وهو يرفع الحجر الأسود بيديه الكريمتين فيضعه موضعه ليطفئ الفتنة التي كادت تنشب بين القبائل .. وهو يصلي ..
وهو يطوف .. وهو يخطب .. وهو يعتكف .. وإن خطواته- عليه الصلاة والسلام لتنبض حية في الخاطر، وتتمثل شاخصة في الضمير. يكاد الحاج هناك يلمحها وهو مستغرق في تلك الذكريات .. وخطوات الحشد من صحابته الكرام وأطيافهم ترف وترف فوق هذا الثرى، حول ذلك البيت، تكاد تسمعها الأذن وتكاد تراها الأبصار!
والحج بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا .. ويجدون محورهم الذي يشدهم جميعا إليه: هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعا .. ويلتقون عليها جميعا ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان .. ويجدون قوتهم التي قد ينسونها حينا .. قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين.
الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدد راية العقيدة والتوحيد.
وهو مؤتمر للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرة في كل عام، في ظل الله، بالقرب من بيت الله، وفي ظلال الطاعات البعيدة والقريبة.
والذكريات الغائبة والحاضرة، في أنسب مكاف وأنسب جو، وأنسب زمان.
فذلك إذ يقول الله سبحانه: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ كل جيل بحسب ظروفه وحاجاته وتجاربه ومقتضياته وذلك بعض ما أراده الله بالحج يوم أن فرضه على المسلمين، وأمر إبراهيم- عليه السلام أن يؤذن به في الناس.).
9 -
في الآية التي حددت حكم الحج ورد قوله تعالى وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ وقد اختلف المفسرون والفقهاء في هذه الأيام المعلومات، فمن ربط بينها وبين الذبح رأى أنها يوم النحر، ويومان أو ثلاثة بعده، ومنهم من لم يربط بينها وبين ذلك، وقد لخص ابن
كثير كل هذه الأقوال، وعدها أربعة، وكأنه يرجح القول الثالث من هذه الأقوال، وهذا كلامه:(قال شعبة .. عن ابن عباس رضي الله عنهما: الأيام المعلومات الأيام العشر، وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ما العمل في أيام أفضل منها في هذه» قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء» وفي الباب عن أبي هريرة وابن عمر وعبد الله بن عمرو وجابر (قال ابن كثير): وقد تقصيت هذه الطرق وأفردت لها جزءا على حدة، فمن ذلك ما رواه أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن التهليل والتكبير والتحميد» وروي من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عمر بنحوه، وقال البخاري: وكان ابن عمرو وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما وقد روى أحمد عن جابر مرفوعا أن هذا هو العشر الذي أقسم الله به في قوله وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وقال بعض السلف إنه المراد بقوله:
وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ وفي سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم هذا العشر، وهذا العشر مشتمل على يوم عرفة الذي ثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عرفة فقال «أحتسب على الله أن يكفر به السنة الماضية والآتية» ويشتمل على يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، وقد ورد في حديث «أنه أفضل الأيام عند الله» وبالجملة فهذا العشر قد قيل إنه أفضل أيام السنة، كما نطق به الحديث، وفضله كثير على عشر رمضان الأخير لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيره، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه، وقيل ذلك أفضل لاشتماله على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وتوسط آخرون فقالوا أيام هذا أفضل، وليالي ذاك أفضل، وبهذا يجتمع شمل الأدلة والله أعلم. (قول ثان) في الأيام المعلومات قال الحكم عن مقسم عن ابن عباس: الأيام المعلومات: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، ويروى هذا عن ابن عمر وإبراهيم النخعي، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في رواية عنه. (قول ثالث): قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا على به المديني حدثنا يحيى ابن سعيد حدثنا ابن عجلان حدثني نافع أن ابن عمر كان يقول: الأيام المعلومات: يوم النحر ويومان بعده، والأيام المعدودات: ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهذا إسناد صحيح إليه، وقال السدي- وهو مذهب الإمام مالك بن أنس-: ويعضد هذا القول والذي قبله قوله تعالى عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ يعني ذكر الله
عند ذبحها (قول رابع): إنها يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم آخر بعده، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال ابن وهب: حدثني ابن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: المعلومات:
يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق.).
10 -
بمناسبة قوله عز وجل: فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ نحب أن نقول: إن الحج على ثلاثة أنواع: قران، وتمتع، وإفراد، وقد مر معنا ذلك في سورة البقرة، وتفصيله في كتب الفقه، ويجب على القارن أن يذبح، ويجب على المتمتع أن يذبح، ويسن للمفرد أن يذبح، وعند الحنفية يجوز لهؤلاء الثلاثة أن يأكلوا من ذبائحهم، أما الدم الذي على الحاج إذا جنى جناية تستوجب الدم فلا يجوز أن يأكل منها عند أحد من الفقهاء، ومتى يجوز الذبح هل يتعين له يوم النحر أو لا يتعين؟ قال في بداية المجتهد:(وأما متى ينحر فإن مالكا قال: إن ذبح هدي التمتع أو التطوع قبل يوم النحر لم يجزه، وجوزه أبو حنيفة في التطوع، وقال الشافعي: يجوز في كليهما قبل يوم النحر).
11 -
نلاحظ أن الآية التي حددت حكم الحج قالت لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ فقد ذكرت الذبح قبل قضاء التفث، وذكرت قضاء التفث قبل الطواف، فهل هذا يفيد ترتيبا ما؟ عند الحنفية يجب وجوبا أن يكون هناك ترتيب يوم النحر بين رمي جمرة العقبة والذبح إن كان على الإنسان دم واجب والحلق، ثم بعد ذلك يكون الطواف، ولا يرى آخرون أن الترتيب واجب، قال ابن كثير مبينا أن الترتيب فعله عليه الصلاة والسلام: «وهكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ برمي الجمرة فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه، وحلق رأسه، ثم أفاض فطاف بالبيت) وإذن فهذا الترتيب المذكور بالآية هو الأفضل بيقين ولكن هل هو واجب أو سنة؟ قولان للفقهاء.
12 -
بمناسبة قوله تعالى وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ نقول: إن الطواف المفروض هو الطواف الذي يسمى طواف الإفاضة أو الزيارة، وهو الذي يبدأ وقته بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر، وهناك طواف واجب وهو طواف الوداع، ففي الصحيحين عن ابن عباس قال:(أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض) وهناك طواف مسنون هو طواف القدوم، وبمناسبة
الآية وبمناسبة وصف البيت بالعتيق قال ابن كثير: (فيه مستدل لمن ذهب إلى أنه يجب الطواف من وراء الحجر، لأنه من أصل البيت الذي بناه إبراهيم عليه السلام، وإن كانت قريش قد أخرجوه من البيت حين قصرت بهم النفقة. ولهذا طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجر، وأخبر أن الحجر من البيت، ولم يستلم الركنين الشاميين، لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم العتيقة، وقال الترمذي
…
عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار» قال الترمذي هذا حديث حسن غريب)
…
13 -
وبمناسبة قوله تعالى فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قال ابن كثير: (وفي الصحيحين عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين- وكان متكئا فجلس فقال- ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور» فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت، وروى الإمام أحمد عن أيمن بن خزيم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال: «أيها الناس عدلت شهادة الزور إشراكا بالله، ثلاثا ثم قرأ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ).
14 -
وبمناسبة قوله تعالى وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ ذكر ابن كثير الحديث الذي مر معنا في سورة إبراهيم: قال: ولهذا جاء في حديث البراء أن الكافر إذا توفته ملائكة الموت، وصعدوا بروحه إلى السماء، فلا تفتح له أبواب السماء، بل تطرح روحه طرحا من هناك، ثم قرأ هذه الآية وقد تقدم في سورة إبراهيم بحروفه وألفاظه وطرقه.
15 -
مر معنا أن مما يدخل في قوله تعالى ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ استحسان الهدايا والبدن واستسمانها، واستعظامها للذبح في الحج، ويدخل في ذلك استحسان الأضحية، واستسمانها، واستعظامها وفي ذلك قال ابن كثير: (وقال أبو أمامة عن سهل: كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «دم عفراء أحب إلى الله من سوداوين» رواه أحمد وابن ماجه قالوا والعفراء: هي البيضاء بياضا ليس بناصع، فالبيضاء أفضل من غيرها، وغيرها تجزئ أيضا، لما ثبت في صحيح البخاري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين موجوأين ......
وعن علي رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة، ولا شرقاء ولا خرقاء، رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي، ولهم عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضحي بأعضب القرن والأذن، قال سعيد بن المسيب: العضب: النصف فأكثر، وقال بعض أهل اللغة: إن كسر قرنها الأعلى فهي قصماء، فأما العضب: فهو كسر الأسفل، وعضب الأذن قطع بعضها، وعند الشافعي أن الأضحية بذلك مجزئة لكن تكره، وقال أحمد: لا تجزئ الأضحية بأعضب القرن والأذن لهذا الحديث. وقال مالك: إن كان الدم يسيل من القرن لم يجزئ وإلا أجزأ والله أعلم. وأما المقابلة: فهي التي قطع مقدم أذنها، والمدابرة: من مؤخر أذنها، والشرقاء: هي التي قطعت أذنها طولا، قال الشافعي والأصمعي: وأما الخرقاء فهي التي خرقت السمة أذنها خرقا مدورا. والله أعلم، وعن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسيرة التي لا تنقى» رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي وهذه العيوب تنقص اللحم؛ لضعفها، وعجزها عن استكمال الرعي، لأن الشاء يسبقونها إلى المرعى، فلهذا لا تجزئ
التضحية بها عند الشافعي وغيره من الأئمة، كما هو ظاهر الحديث، واختلف قول الشافعي في المريضة مرضا يسيرا على قولين، وروى أبو داود عن عتبة بن عبد السلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المصفرة، والمستأصلة، والبخقاء، والمشيعة، والكسيرة» فالمصفرة قيل: الهزيلة، وقيل المستأصلة الأذن، والمستأصلة: مكسورة القرن، والبخقاء: هي العوراء، والمشيعة: هي التي لا تزال تشيع خلف الغنم، ولا تتبع لضعفها، والكسيرة:
العرجاء، فهذه العيوب كلها مانعة من الإجزاء. فأما إن طرأ العيب بعد تعيين الأضحية فإنه لا يضر عند الشافعي، خلافا لأبي حنيفة، وقد روى الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: اشتريت كبشا أضحي به، فعدا الذئب فأخذ الألية، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
«ضح به» ولهذا جاء في الحديث أمرنا: رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، أي أن تكون الهدية والأضحية سمينة حسنة كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمر قال: أهدى عمر نجيبا، فأعطى بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيبا فأعطيت بها ثلاثمائة دينار أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال: لا «انحرها إياها» .
وعند قوله تعالى ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ قال صاحب الظلال: (ويربط بين الهدي الذي ينحره الحاج وتقوى القلوب، إذ أن التقوى هي الغاية من مناسك الحج وشعائره، وهذه المناسك والشعائر إن هي إلا رموز تعبيرية عن التوجه إلى رب البيت وطاعته، وقد تحمل في طياتها ذكريات قديمة من عهد إبراهيم- عليه السلام وما تلاه. وهي ذكريات الطاعة والإنابة، والتوجه إلى الله منذ نشأة هذه الأمة المسلمة.
فهي والدعاء والصلاة سواء. وهذه الأنعام التي تتخذ هديا ينحر في نهاية أيام الإحرام يجوز لصاحبها الانتفاع بها، إن كان في حاجة إليها يركبها، أو في حاجة إلى ألبانها يشربها، حتى تبلغ محلها- أي مكان حلها- وهو البيت العتيق، ثم تنحر هناك ليأكل منها ويطعم البائس الفقير. وقد كان المسلمون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يغالون في الهدي، يختارونه سمينا غالي الثمن، يعلنون بها عن تعظيمهم لشعائر الله، مدفوعين بتقوى الله روى عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما قال: أهدى عمر نجيبا فأعطى بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيبا، فأعطيت بها ثلاثمائة دينار أفبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال:«لا. انحرها إياها» . والناقة النجيب التي جاءت هدية لعمر- رضي الله عنه وقومت بثلاثمائة دينار لم يكن عمر- رضي الله عنه يريد أن يضن بقيمتها، بل كان يريد أن يبيعها فيشتري بها نوقا أو بقرا للذبح، فشاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضحي بالنجيب ذاتها لنفاستها، وعظم قيمتها، ولا يستبدل بها نوقا كثيرة، قد تعطي لحما أكثر، ولكنها من ناحية القيمة الشعورية أقل، والقيمة الشعورية مقصودة فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ وهذا هو المعنى الذي لحظه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول لعمر- رضي الله عنه «انحرها إياها» هي بذاتها لا سواها!).
16 -
وفي قوله تعالى لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ اتجاهان: الاتجاه الأول أن المنفعة فيها قبل أن تعين للإهداء، فإذا تعينت لم يبق لصاحبها حق الانتفاع. والاتجاه الثاني: أن لصاحبها أن ينتفع بها وإن كانت هديا إذا احتاج إلى ذلك، وقد رجحنا هذا القول في التفسير، وفي ذلك قال ابن كثير: (كما ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة قال «اركبها» قال: إنها بدنة، قال:«اركبها ويحك» في الثانية أو الثالثة، وفي رواية عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها» وروى شعبة عن علي أنه رأى رجلا يسوق بدنة ومعها ولدها فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها،
فإذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها).
17 -
وبمناسبة قوله تعالى وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ قال ابن كثير: (يخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعا في جميع الملل وبمناسبة الآية قال ابن كثير: (ثبت في الصحيحين عن أنس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، فسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما).
18 -
وبمناسبة قوله تعالى وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ بذكر ابن كثير مسألة عن كم تجزئ البدنة بقرة كانت أو ناقة؟ قال: (ثم جمهور العلماء على أنه يجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة كما ثبت في الحديث عند مسلم من رواية جابر بن عبد الله قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الأضحى البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، وقال إسحاق بن راهويه وغيره: بل تجزئ البقرة والبعير عن عشرة، وقد ورد به حديث في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وغيرهما والله أعلم.
19 -
وبمناسبة قوله تعالى لَكُمْ فِيها خَيْرٌ من آية وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ قال ابن كثير: (أي ثواب في الدار الآخرة. وعن سليمان ابن يزيد الكعبي ...... عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إهراق دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفسا).
20 -
وبمناسبة قوله تعالى فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ قال ابن كثير:
وعن المطلب بن عبد الله عن جابر بن عبد الله قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيد الأضحى فلما انصرف أتى بكبش فذبحه فقال «بسم الله والله أكبر، اللهم
هذا عني وعمن من لم يضح من أمتي» وقال محمد بن إسحاق
…
عن جابر قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين في يوم عيد فقال حين وجههما «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته» ثم سمى الله وكبر وذبح. وعن علي بن الحسين عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ضحى
اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما فذبحه بنفسه بالمدية ثم يقول:«اللهم هذا عن أمتي جميعها من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ» ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ثم يقول «هذا عن محمد وآل محمد» فيعطيهما جميعا للمساكين ويأكل هو وأهله منهما).
21 -
وبمناسبة قوله تعالى فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها بعد قوله تعالى فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ قال ابن كثير: (وقال العوفي عن ابن عباس فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها يعني نحرت، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها يعني: ماتت، وهذا القول هو مراد ابن عباس ومجاهد؛ فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى تموت وتبرد حركتها).
22 -
وبمناسبة قوله تعالى فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ قال ابن كثير:
(قال بعض السلف: قوله فَكُلُوا مِنْها أمر إباحة، وقال مالك: يستحب ذلك، وقال غيره: يجب وهو وجه لبعض الشافعية
…
) وقال ابن كثير: وقد احتج بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء: فثلث لصاحبها يأكله، وثلث يهديه لأصحابه، وثلث يتصدق به على الفقراء؛ لأنه تعالى قال فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس «إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وادخروا ما بدا لكم» وفي رواية «فكلوا وادخروا وتصدقوا» وفي رواية «فكلوا وأطعموا وتصدقوا» والقول الثاني:
أن المضحي يأكل النصف، ويتصدق بالنصف، لقوله في الآية المتقدمة فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ولقوله في الحديث «فكلوا وأطعموا وتصدقوا» فإن أكل الكل فقيل لا يضمن شيئا، وبه قال ابن سريج من الشافعية، وقال بعضهم: يضمنها كلها بمثلها أو قيمتها، وقيل يضمن نصفها وقيل ثلثها، وقيل أدنى جزء منها وهو المشهور من مذهب الشافعية، وأما الجلود ففي مسند أحمد عن قتادة بن النعمان في حديث الأضاحي «فكلوا وتصدقوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها» ومن العلماء من رخص في بيعها، ومنهم من قال يقاسم الفقراء فيها والله أعلم.
مسألة: عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شئ» فلهذا قال الشافعي وجماعة من
العلماء: إن أول وقت ذبح الأضاحي إذا طلعت الشمس يوم النحر ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، زاد أحمد وأن يذبح الإمام بعد ذلك، لما جاء في صحيح مسلم «وأن لا تذبحوا حتى يذبح الإمام» وقال أبو حنيفة: أما أهل السواد من القرى ونحوها فلهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر إذ لا صلاة عيد تشرع عنده لهم، وأما أهل الأمصار فلا يذبحوا حتى يصلي الإمام والله أعلم).
23 -
وفي قوله تعالى لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ قال ابن كثير: (يقول تعالى: إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا لتذكروه عند ذبحها فإنه الخالق الرازق، لا يناله شئ من لحومها ولا دمائها، فإنه تعالى هو الغني عما سواه وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم ونضحوا عليها من دمائها فقال تعالى لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وروى ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أحق أن ننضح فأنزل الله لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ أي يتقبل ذلك، ويجزي عليه، كما جاء في الصحيح «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» وجاء في الحديث «إن الصدقة تقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع إلى الأرض» .... فمعناه أنه سيق لتحقيق القبول من الله لمن أخلص في عمله، وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا والله أعلم. وقال وكيع عن يحيى بن مسلم بن الضحاك سألت عامرا الشعبي عن جلود الأضاحي فقال لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها إن شئت فبع، وإن شئت فأمسك، وإن شئت فتصدق).
24 -
لاحظنا مما مضى أن هناك ارتباطا بين الأضاحي والهدايا في الحج، وذلك لأن الموضوع واحد، والحكمة واحدة والسبب واحد واليوم واحد، ومن ثم يختم ابن كثير الكلام عن المجموعة السابقة بمسألة قال:
مسألة: وقد ذهب أبو حنيفة ومالك والثوري إلى القول بوجوب الأضحية على من ملك نصابا، وزاد أبو حنيفة اشتراط الإقامة أيضا، واحتج لهم بما رواه أحمد وابن ماجه بإسناد رجاله كلهم ثقات عن أبي هريرة مرفوعا «من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا» على أن فيه غرابة واستنكره أحمد بن حنبل وقال ابن عمر: أقام رسول