الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال ابن كثير: (والظاهر أن فرعون لعنه الله صمم على ذلك، وفعله بهم ولهذا قال ابن عباس وغيره من السلف: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء)
ثم اتموا كلامهم واعظين فرعون ومحذرين له من نقمة الله وعذابه الدائم السرمدي ومرغبين له في ثوابه الأبدي المخلد ومعللين لإيمانهم فقالوا إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً أي كافرا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها فيستريح بالموت وَلا يَحْيى أي حياة ينتفع بها
وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً أي بأن مات على الإيمان قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ أي بعد أن آمن فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى جمع العليا
ثم فسر الدرجات العلى بقوله جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أي دائمين فيها ومعنى النص: ومن لقي ربه يوم المعاد مؤمن القلب قد صدق ضميره بقوله وعمله فأولئك لهم الجنة ذات الدرجات العاليات، والغرف الآمنات، والمساكن الطيبات وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى.
قال ابن كثير: (أي طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له واتبع المرسلين فيما جاءوا به من خبر وطلب).
وما ذكرناه من أن هذه الآيات الثلاث هي حكاية قول السحرة هو الذي رجحه ابن كثير، وهو الذي مشينا عليه في التفسير، ورجح النسفي: أنها خبر من الله تعالى لا على وجه الحكاية، والذي نرجحه هو ما رجحه ابن كثير.
وبهذا تنتهي الجولة الثانية من قصة موسى في هذه السورة.
كلمة في السياق:
رأينا أن محور السورة هو قوله تعالى من سورة البقرة: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقد رأينا في هذه المجموعة من السورة نموذجا على الإيمان الصادق بالله ورسوله، ونموذجا عن الإيمان اليقيني باليوم الآخر، وما هي آثار ذلك، فهؤلاء سحرة فرعون عند ما خالط الإيمان بالله واليوم الآخر قلوبهم، أعلنوا إيمانهم في وجه فرعون واستهانوا بكل عقوباته واتهاماته وتهديداته، ولم يبق في قلوبهم إلا الرغبة في رضوان الله ونيل ثوابه، وإذا كان المقطع قد قص علينا ما يفعله الإيمان، فقد قص علينا كذلك من خبر فرعون ما عرفنا به أن عدم الإيمان بوحي الله ليس إلا أثر الكبر والعنجهية.
أما الصلة بين مقدمة السورة وسياقها هنا فهي من حيث إنها تبين لنا أن الوحي تذكرة لمن يخشى، وقد رأينا كيف أن السحرة تذكروا، فلم يكن الوحي شقاء لموسى، ولا لهم، فالشقاء: هو بقاء الإنسان على الكفر ورفضه للحق، والعبرة بالخواتيم في الدنيا والآخرة، ولئن كانت خاتمة السحرة شهادة، فإنها سعادة إذ هي أمنية المؤمنين وقد نالوا رضوان الله، ولكن كيف كانت عاقبة فرعون، وماذا أعد له في الآخرة؟.
إنه لا سعادة بدون هداية، ولا شقاء معها، ولا فلاح بدون إيمان ولا شقاء معه، وفي قول السحرة إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ما يفيد أن الإنسان لو عذبه الكافرون كل حياته لما كان ذلك يساوي شيئا، ولما كان ذلك بالنسبة له شقاء.
ومن ثم فإننا ندرك- وسيزداد هذا الإدراك وضوحا- أن السورة تعالج موضوع التصور الخاطئ للشقاء والسعادة الذي عليه الكافرون، فالسعادة: هي الإيمان بالوحي واليوم الآخر، والشقاء: هو رفض ذلك، فالكفر شقي شقي مهما كان غارقا في اللذات، والمؤمن سعيد سعيد مهما كان غارقا في الآلام أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* ولننتقل إلى جولة جديدة من قصة موسى- عليه السلام نرى فيها عاقبة فرعون، وعاقبة موسى وقومه، هي تعطي درسا جديدا لأهل الإيمان، وهذه الجولة تبدأ من الآية (77) إلى نهاية الآية (98)، ثم تأتي آيات تبين حكمة ذكر قصة موسى في هذا القرآن، وعاقبة الإعراض عن هذا القرآن، وتعرض لمشاهد من يوم القيامة، وتعود للكلام عن القرآن وخصائصه، وحكمة إنزاله، وكل ذلك بما ينسجم مع سياق السورة الخاص، ومع محورها ضمن السياق القرآني العام، ومن ثم فسنعرض هذه الآيات عرضا واحدا حتى نهاية الآية (114) أي إلى بداية قصة آدم عليه السلام، وذلك هو المقطع الثالث في السورة.
***