الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال الألوسي في تقديمه لسورة الأنبياء:
(نزلت بمكة كما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير- رضي الله تعالى عنهم- وفي البحر وأنها مكية بلا خلاف، وأطلق ذلك فيها، واستثنى منها في الإتقان قوله تعالى أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ الآية. وهي مائة واثنتا عشرة آية في عد الكوفي، وإحدى عشرة في عد الباقين، كما قاله الطبرسي والداني، ووجه اتصالها بما قبلها غني عن البيان، وهي سورة عظيمة فيها موعظة فخيمة، فقد أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية. وابن عساكر عن عامر بن ربيعة أنه نزل رجل من العرب فأكرم عامر مثواه وكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه الرجل فقال: إني استقطعت رسول صلى الله عليه وسلم واديا ما في العرب واد أفضل منه، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ إلى آخره.
وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود قوله:
بنو إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء هن من العتاق الأول وهن من تلادي
دل هذا الأثر على أن سورة الأنبياء من السور التي نزلت قديما، وذكرها في هذا الترتيب الموافق للرسم القرآني فيه دليل على أن ترتيب القرآن كما هو مرسوم كان معلوما للصحابة رضوان الله عليهم، فالأثر يصلح أن يكون من جملة الأدلة على أن ترتيب هذا القرآن توقيفي)
كلمة في سورة الأنبياء:
قلنا من قبل: إن محور سورة الأنبياء هو قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ تأمل هاتين الآيتين، ثم انظر الآيات الثلاث الأولى من سورة الأنبياء، تجد مصداق ما قلناه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ* ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ* لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
ثم بعد هذه الآيات تأتي آية هي: قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ هذا ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فهل عليه اعتراض؟ إنهم يعترضون: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
ويأتي الرد القرآني عليهم ويستغرق السورة كلها بدليل أن السورة تختم بآية على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم تبدأ بكلمة (قال) كالآية التي جاءت بعد الآيات الثلاث: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ وما بين هذه الآية وبين مقدمة السورة نجد مجموعات السورة تضرب على نسق واحد كل مجموعة منها مبدوءة بكلمة (ما) أو (وما)
................ ....
ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ* وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
…
إن هناك إنذارا ومنذرا ومنذرين ما هو مضمون الإنذار؟ وما هي حال المنذرين؟
وماذا يقول النذير؟ وماذا يقول المنذرون وما هو الرد عليهم؟ معان تطرقها السورة، وكلها نوع تفصيل لقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ كما سنراه أثناء عرض السورة تفصيلا
…
ومما يؤكد ما ذهبنا إليه من أن هذه السورة تفصل الآية المذكورة من سورة البقرة هي أنه لم يرد في القرآن إلا سورتان مبدوءتان بكلمة مشتقة من الاقتراب
هذه السورة اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ وسورة القمر المبدوءة بقوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ .... فهذه البداية المشتركة توحي بالموضوع المشترك، والمحور المشترك، وأنت عند ما تدرس سورة القمر فإنك تجد بوضوح أنها تفصل في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ
تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ لاحظ بدايتها: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ* وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ* وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ* وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ* حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ لاحظ كلمة فَما تُغْنِ النُّذُرُ وصلتها بقوله تعالى أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ثم لاحظ قوله تعالى فيها: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ثم لاحظ قوله تعالى فيها فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ* وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ تجد الصلة واضحة بقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
…
وسورة القمر ستأتي معنا بإذن الله ونرى ما ذكرناه هنا بالتفصيل، ولكنا أسرعنا في هذه الإشارة للتأكيد على أن محور تلك السورة هو محور هذه السورة؛ بدليل الموضوع المشترك، واللفظة المشتركة، التي بدأت بها السورة، مع ملاحظة أن لكل سورة سياقها الخاص بها، وطريقتها الخاصة بها في التفصيل.
فسورة الأنبياء إذن تتألف من آيات ثلاث، ثم قول للرسول صلى الله عليه وسلم قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثم مواقف للكافرين من هذا القول، ورد عليها، ثم تختم السورة بآية مبدوءة بلفظة (قال) على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم:
قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
فالكافرون يرفضون البلاغ مع قيام الحجة، والرسول صلى الله عليه وسلم بعد إقامة الحجة يعلن استسلامه لله، ويدعو الله أن يحكم بينه وبين هؤلاء الكافرين، ويطلب العون من الله على أقوال هؤلاء الكافرين.
فلنبدأ عرض السورة لنرى تفصيل ما ذكرناه.
***