الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير:
طس تِلْكَ إشارة إلى آيات السورة آياتُ الْقُرْآنِ أي معجزات القرآن وَكِتابٍ مُبِينٍ أي وآيات كتاب مبين، أي ومعجزات كتاب بين واضح، وإبانته أنه يبين ما أودع فيه من العلوم والحكم
هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي فيه هداية وبشارة، ولكن إنما تحصل الهداية والبشارة منه لمن آمن به واتبعه، وصدقه وعمل بما فيه، وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة
المفروضة، وأيقن بالدار الآخرة، وبالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال، خيرها وشرها، والجنة والنار.
ومن ثم وصف الله المؤمنين الذين لهم في القرآن هداية وبشارة فقال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي يديمون المحافظة على فرائضها وسننها وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ أي ويؤدون زكاة أموالهم وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ قال النسفي: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة
…
) ثم علل النسفي لهذا التفسير من جهة اللغة والإعراب كما سنرى في الفوائد.
نقول:
قال صاحب الظلال: (وفي تخصيص المؤمنين بالهدى والبشرى تكمن حقيقة ضخمة عميقة .. إن القرآن ليس كتاب علم نظري أو تطبيقي ينتفع به كل من يقرؤه ويستوعب ما فيه. إنما القرآن كتاب يخاطب القلب، أول ما يخاطب، ويسكب نوره وعطره في القلب المفتوح، الذي يتلقاه بالإيمان واليقين، وكلما كان القلب نديا بالإيمان زاد تذوقه لحلاوة القرآن، وأدرك من معانيه وتوجيهاته ما لا يدركه منه القلب الصلد الجاف، واهتدى بنوره إلى ما لا يهتدي إليه الجاحد الصادف. وانتفع بصحبته ما لا ينتفع القارئ المطموس. وإن الإنسان ليقرأ الآية أو السورة مرات كثيرة، وهو غافل أو عجول فلا تفضي له بشيء، وفجأة يشرق النور في قلبه، فتتفتح له عن عوالم ما كانت تخطر له ببال. وتصنع في حياته صنع المعجزة في تحويله من منهج إلى منهج، ومن طريق إلى طريق.
…
وكل النظم والشرائع والآداب التي يتضمنها هذا القرآن، إنما تقوم قبل كل شئ على الإيمان. فالذي لا يؤمن قلبه بالله، ولا يتلقى هذا القرآن على أنه وحي من عند الله
وعلى أن ما جاء فيه إنما هو المنهج الذي يريده الله. الذي لا يؤمن هذا الإيمان لا يهتدي بالقرآن كما ينبغي ولا يستبشر بما فيه من بشارات.
إن في القرآن كنوزا ضخمة من الهدى والمعرفة والحركة والتوجيه. والإيمان هو مفتاح هذه الكنوز. ولن تفتح كنوز القرآن إلا بمفتاح الإيمان. والذين آمنوا حق الإيمان حققوا الخوارق بهذا القرآن. فأما حين أصبح القرآن كتابا يترنم المترنمون بآياته، فتصل إلى الآذان، ولا تتعداها إلى القلوب، فإنه لم يصنع شيئا، ولم ينتفع به أحد .. لقد ظل كنزا بلا مفتاح).
(والسورة تعرض صفة المؤمنين الذين يجدون القرآن هدى وبشرى
…
إنهم هم الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
…
يقيمون الصلاة .. فيؤدونها حق أدائها، يقظة قلوبهم لموقفهم بين يدي الله، شاعرة أرواحهم بأنهم في حضرة ذي الجلال والإكرام، مرتفعة مشاعرهم إلى ذلك الأفق الوضيء، مشغولة خواطرهم بمناجاة الله ودعائه والتوجه إليه.
ويؤتون الزكاة .. فيطهرون نفوسهم من رذيلة الشح؛ ويستعلون بأرواحهم على فتنة المال؛ ويصلون إخوانهم في الله ببعض ما رزقهم الله؛ ويقومون بحق الجماعة المسلمة التي هم فيها أعضاء.
وهم بالآخرة هم يوقنون .. فإذا حساب الآخرة يشغل بالهم، ويصدهم عن جموح الشهوات، ويغمر أرواحهم بتقوى الله وخشيته والحياء من الوقوف بين يديه موقف العصاة.
هؤلاء المؤمنون الذاكرون الله، القائمون بتكاليفه، المشفقون من حسابه وعقابه، الطامعون في رضائه وثوابه .. هؤلاء هم الذين تنفتح قلوبهم للقرآن، فإذا هو هدى وبشرى. وإذا هو نور في أرواحهم، ودفعة في دمائهم، وحركة في حياتهم. وإذا هو زادهم الذي به يبلغون؛ وريهم الذي به يستقون.
وعند ذكر الآخرة يركز عليها ويؤكد في صورة التهديد والوعيد لمن لا يؤمنون بها، فيسدرون في غيهم، حتى يلاقوا مصيرهم الوخيم:
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ* أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ
سُوءُ الْعَذابِ، وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ.
والإيمان بالآخرة هو الزمام الذي يكبح الشهوات والنزوات، ويضمن القصد والاعتدال في الحياة، والذي لا يعتقد بالآخرة لا يملك أن يحرم نفسه شهوة، أو يكبح فيها نزوة، وهو يظن أن الفرصة الوحيدة المتاحة له للمتاع هي فرصة الحياة على هذا الكوكب. وهي قصيرة مهما طالت، وما تكاد تتسع لشئ من مطالب النفوس وأمانيها التي لا تنال! ثم ما الذي يمسكه حين يملك إرضاء شهواته ونزواته، وتحقيق لذاته ورغباته؛ وهو لا يحسب حساب وقفة بين يدي الله؛ ولا يتوقع ثوابا ولا عقابا يوم يقوم الأشهاد؟.
ومن ثم يصبح كل تحقيق للشهوة واللذة مزينا للنفس التي لا تؤمن بالآخرة، تندفع إليه بلا معوق من تقوى أو حياء. والنفس مطبوعة على أن تحب ما يلذ لها، وأن تجده حسنا جميلا؛ ما لم تهتد بآيات الله ورسالاته إلى الإيمان بعالم آخر باق بعد هذا العالم الفاني. فإذا هي تجد لذتها في أعماق أخرى وأشواق أخرى، تصغر إلى جوارها لذائذ البطون والأجسام؛ والله- سبحانه- هو الذي خلق النفس البشرية على هذا النحو؛ وجعلها مستعدة للاهتداء إن تفتحت لدلائل الهدى، مستعدة للعماء إن طمست منافذ الإدراك فيها. وسنته نافذة- وفق مشيئته في حالتي الاهتداء والعماء. ومن ثم يقول القرآن عن الذين لا يؤمنون بالآخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ .. فهم لم يؤمنوا بالآخرة، فنفذت سنة الله في أن تصبح أعمالهم وشهواتهم مزينة لهم حسنة عندهم
…
وهذا هو معنى التزيين في هذا المقام. فهم يعمهون لا يرون ما فيها من شر وسوء. أو فهم حائرون لا يهتدون فيها إلى صواب.
والعاقبة معروفة لمن يزين له الشر والسوء أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ. وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ. سواء كان سوء العذاب لهم في الدنيا أو في الآخرة،
فالخسارة المطلقة في الآخرة محققة جزاء وفاقا على الاندفاع في سوء الأعمال.
وتنتهى مقدمة السورة بإثبات المصدر الإلهي الذي يتنزل منه القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ.
ولفظ (تلقى) يلقي ظل الهدية المباشرة السنية من لدن حكيم عليم. يصنع كل شئ بحكمة، ويدبر كل أمر بعلم .. وتتجلى حكمته وعلمه في هذا القرآن. في منهجه،