الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير:
إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فهو إسرائيلي فَبَغى عَلَيْهِمْ أي ظلم وتكبر وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ أي الأموال ما إِنَّ مَفاتِحَهُ جمع مفتح وهو ما يفتح به لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ أي الأشداء، والعصبة الجماعة الكثيرة، أي إن مفاتيح مغاليق كنوزه لتثقل العصبة الأقوياء إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ أي لا تبطر بكثرة المال وقد علموا أنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن، وأما من قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه يتركها عن قريب فلا يفرح بها إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ أي البطرين الأشرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم
وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ من الغنى والثروة الدَّارَ الْآخِرَةَ بأن تتصدق على الفقراء، وتصل الرحم، وتصرف إلى أبواب الخير، أي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل، والنعمة الطائلة، في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا قال ابن كثير (أي مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن والمناكح فإن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزوجك عليك حقا فآت كل ذي حق حقه) وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ أي وأحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك، أو وأحسن بشكرك وطاعتك لخالق الأنام كما أحسن إليك بالإنعام وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ بالظلم والبغي، والصد عن سبيل الله، أي لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به في الأرض وتسيء إلى خلق الله إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ بل يبغضهم، هذه سنته وهذا شأنه
قالَ قارون إِنَّما أُوتِيتُهُ أي المال عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أي على استحقاق لما في
من العلم، الذي فضلت به على الناس، وهو علم جني المال وتثميره، أو المعنى: إنما أعطاني الله هذا المال لعلمه بأني أستحقه، ولمحبته لي فتقديره: إنما أعطيته لعلم الله
في أني أهل له، قال الله عز وجل ردا عليه ما ادعاه من اعتناء الله به، فيما أعطاه من المال أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً أي من هو أقوى منه وأغنى، أي قد كان من هو أكثر من ذلك لا عن محبة منا لهم، وقد أهلكناهم بكفرهم، وعدم شكرهم وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ أي لعلمه تعالى بهم، بل يدخلون النار بغير حساب ويقذفون بها بغير سؤال، أو يعرفون بسيماهم فلا يسألون، أو لا يسألون لتعلم ذنوبهم من جهتهم، بل يسألون سؤال توبيخ أو لا يسأل عن ذنوب الماضين المجرمون من هذه الأمة
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ الكاملة قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ممن لا فقه عندهم يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ تمنوا ذلك على سبيل الرغبة في اليسار كعادة البشر. قالوا ذلك غبطة. والغابط هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه، كهذه الآية والحاسد هو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له دونه وهو كقوله تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ.
إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ أي جد وبخت عَظِيمٍ أي وافر من الدنيا. فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع زجروهم
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بالثواب والعقاب وفناء الدنيا وبقاء العقبى قالوا لغابطي قارون وَيْلَكُمْ هذه كلمة تستعمل في الأصل للدعاء بالهلاك ثم استعملت في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرضى ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً قال ابن كثير: أي جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون. كما في الحديث الصحيح «يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين. ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب، واقرءوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ قال السدي:
ولا يلقى الجنة إلا الصابرون وكأنه جعل ذلك من تمام كلام الذين أوتوا العلم، قال ابن جرير: ولا يلقى هذه الكلمة إلا الصابرون عن محبة الدنيا الراغبون في الدار الآخرة وكأنه جعل ذلك مقطوعا من كلام أولئك وجعله من كلام الله عز وجل وإخباره بذلك.
والصابرون هم الذين صبروا على الطاعات وعن الشهوات وزينة الدنيا وعلى ما قسم الله من القليل عن الكثير
فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ عقوبة له على بغيه فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ أي جماعة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي يمنعونه من عذاب الله وَما
كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ أي على موسى أو من الممتنعين من عذاب الله. قال ابن كثير: أي ما أغنى عنه ماله ولا جمعه ولا خدمه وحشمه ولا دفعوا عنه نقمة الله وعذابه ونكاله ولا كان هو في نفسه منتصرا لنفسه فلا ناصر له من نفسه ولا من غيره
وَأَصْبَحَ أي وصار الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ أي منزلته من الدنيا بِالْأَمْسِ أي قبل ذلك يقولون «وي» هي كلمة تنبه على الخطأ وتندم، يستعملها النادم بإظهار ندامته وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ أي يوسع ويضيق على حسب المشيئة لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ وإن كانوا أغنياء تنبه القوم على خطئهم في تمنيهم مال قارون، وعلموا أن المال ليس بدال على رضا الله عن صاحبه فإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب،
وبعد أن قص الله علينا قصة قارون أعطانا وعدا، وعلمنا على سنة من سننه فقال: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا أي بغيا وظلما وكبرا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً أي عملا بالمعاصي أو قتلا للنفس بغير حق أو صدا عن سبيل الله، ولم يعلق الموعد بترك العلو والفساد ولكن بترك إرادتهما وميل القلوب إليهما وَالْعاقِبَةُ المحمودة لِلْمُتَّقِينَ الله بترك ما نهى، وفعل ما أمر
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي يوم القيامة فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي ثواب الله خير من حسنة العبد فكيف والله يضاعفه أضعافا كثيرة. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا مثل ما كانُوا يَعْمَلُونَ وذلك من كمال فضله ألا يجزي السيئة إلا بمثلها ويجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى ما يشاء. وبهذا انتهت قصة قارون والتعليق عليها. ولم يبق عندنا من المجموعة الرابعة إلا آية واحدة هي خاتمة المجموعة.
***