الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القرآن ورد عليه. وموقف للكافرين من النذير، ورد عليه. والملاحظ أن الموقف من النذير في المقطع الثاني كان جسرا للوصول إلى الحديث عن الشرك لاحظ ما يلي:
وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا* إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا وإذن فهم مشركون. وتأتي الآن المجموعة الرابعة مبدوءة بقوله تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ..
لاحظ أن الآية الثالثة من المقدمة هي وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً
ولاحظ بداية المجموعة الجديدة أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ فإنك تجد الصلة الواضحة بين وَاتَّخَذُوا وبين اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
لقد تحدثت المقدمة عن القرآن والنذير والتوحيد.
وتحدث المقطع الأول عن القرآن والنذير، ثم تحدث المقطع الثاني عن القرآن والنذير على الشاكلة التي رأيناها، والآن يبدأ الحديث عن الشرك والتوحيد بعد أن شكلت آخر آيتين مرتا معنا جسرا إلى الكلام عن ذلك، إذ ورد فيهما إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا وهكذا تتحدث المجموعة الرابعة عن الموضوع الثالث في المقدمة ولكنه الحديث الذي يتداخل فيه الكلام عن القرآن والنذير والتوحيد.
أما صلة ذلك بالمحور كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فمن حيث إن الناس كانوا أمة واحدة مشركة فبعث الله لهم محمدا بشيرا ونذيرا وأنزل معه الكتاب بالحق، فكيف كان موقف الناس وما هو الحق وما هو الرد؟
تفسير المجموعة الرابعة:
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ بأن كان مهما استحسن من شئ ورآه حسنا في هوى نفسه كان دينه ومذهبه أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أي حفيظا تحفظه من متابعة هواه وعبادة ما يهواه، أو أفأنت تكون عليه موكلا فتصرفه عن الهوى إلى الهدى. دلت الآية على أن من أطاع هواه فيما يأتي ويذر، فهو عابد هواه وجاعله إلهه، ومن ثم بين الله لرسوله صلى الله عليه وسلم هذا الذي لا يرى معبودا إلا هواه، كيف تستطيع أن تدعوه إلى الهدى، وهذا يفيد أن كل عابد لهواه مشرك، ويفيد أن من
كان كذلك لا يصلح للاستجابة إلى الحق، وهذا يفيد أن على النبي صلى الله عليه وسلم البلاغ. والآية تنكر على كل من اتبع الهوى وعبد غير الله ومن أولئكم من كان يعبد الأصنام من العرب الذين كانوا كما قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول
أَمْ تَحْسَبُ أي بل أتحسب أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا أفاد التركيب أن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها، وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول، لأنهم لا يلقون إلى استماع الحق أذنا، ولا إلى تدبره عقلا، فهم يشبهون الأنعام التي هي مثل في الغفلة والضلالة، فقد ركبهم الشيطان بالاستذلال لتركهم الاستدلال. ثم هم أرجح ضلالة منها، لأن الأنعام تسبح ربها وتسجد له، وتطيع من يعلفها، وتعرف من يحسن إليها ممن يسئ إليها، وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها، وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه إليهم، من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي، وقال ابن كثير في الآية:(أي هم أسوأ حالا من الأنعام السارحة، فإن تلك تفعل ما خلقت له وهؤلاء خلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له فلم يفعلوا، وهم يعبدون غيره ويشركون به، مع قيام الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم) وقال النسفي: (وإنما ذكر الأكثر لأن فيهم من لم يصده عن الإسلام إلا حب الرئاسة، وكفى به داء عضالا، ولأن فيهم من آمن). وبعد أن أثبت الله عز وجل في الآيتين أن كل من عبد غير الله فهو عابد هوى، وأن أكثر هؤلاء لا عقول لهم ولا أسماع، وأنهم أضل من البهائم لفت النظر إلى مظاهر قدرته وأدلة توحيده. قال ابن كثير من هاهنا شرع سبحانه وتعالى في بيان الأدلة الدالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة:
أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ أي ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ أي بسطه وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي دائما ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا يعرف بها الظل، ولولا الشمس لما عرف الظل، فالأشياء تعرف بأضدادها
ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً أي قليلا خفيفا. وفي هذا المقام معجزة من أعظم المعجزات القرآنية إذ بها إشارة إلى موضوع الانكسار الضوئي. وهو موضوع سنراه في الفوائد، قال النسفي: وجاء بثم لتفاضل ما بين الأمور، فكأن الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم من الثاني، ولا شك أن أعظم الثلاثة بالتدليل على عظمة الله
وقدرته، والتدليل على كون القرآن حقا هو الأخير)
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً أي يلبس الوجود ويغشاه، قال النسفي. جعل الظلام الساتر كاللباس.
وَالنَّوْمَ سُباتاً أي قاطعا للحركة لراحة الأبدان، فإن الأعضاء والجوارح تكل من كثرة الحركة في الانتشار بالنهار في المعاش، فإذا جاء الليل وسكن سكنت الحركات فاستراحت، فحصل النوم الذي فيه راحة البدن والروح معا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً أي ينتشر الناس فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم، قال النسفي:(وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته على خلقه، لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية ودنيوية، وفي النوم واليقظة المشبهين بالموت والحياة عبرة لمن اعتبر، وقال لقمان لابنه: كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر)
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي قدام المطر، قال النسفي: لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ أي من السحاب السَّماءِ أي مطرا طَهُوراً أي آلة يتطهر بها
لِنُحْيِيَ بِهِ أي بالمطر بَلْدَةً مَيْتاً قال ابن كثير: أي أرضا قد طال انتظارها للغيث، فهي هامدة لا نبات فيها ولا شئ، فلما جاءها الحيا عاشت واكتست رباها أنواع الأزاهير والألوان وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً قال ابن كثير: أي ويشرب منه الحيوان من أنعام وأناسي محتاجين إليه غاية الحاجة، لشربهم وزروعهم وثمارهم. قال النسفي: وقدم إحياء الأرض على سقي الأنعام والأناسي لأن حياتها سبب لحياتهما، وتخصيص الأنعام من الحيوان الشارب لأن عامة منافع الأناسي متعلقة بها، فكأن الإنعام عليهم بسقي الأنعام كالإنعام بسقيهم، وتنكير البلدة لأنه يريد بعض بلاد هؤلاء المتبعدين عن مظان الماء، ولما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصفه بالطهور إكراما لهم وبيان أن من حقهم أن يؤثروا الطهارة في بواطنهم وظواهرهم لأن الطهورية شرط الإحياء
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً أي ولقد صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن، وفي سائر الكتب، وهو ذكر إنشاء السحاب، وإنزال القطر؛ ليتفكروا ويعتبروا، ويعرفوا حق النعمة فيه، فيشكروا، فأبى أكثرهم إلا كفران النعمة وجحودها، وقلة الاكتراث لها، أو المعنى:
ولقد صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطل وجون ورذاذ وديمة، مرة في مكان، ومرة في مكان آخر، فأبى أكثر الناس إلا الكفران، ولم يعطوا الشكر، وفي هذه الآية معجزة من معجزات القرآن العلمية سنراها في الفوائد.
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً
قال ابن كثير: (يدعوهم إلى الله عز وجل، ولكنا خصصناك يا محمد بالبعثة إلى جميع أهل الأرض، وأمرناك أن تبلغهم هذا القرآن) وقال النسفي: (لو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى ولبعثنا في كل قرية نبيا ينذرها ولكن شئنا أن نجمع لك فضائل جميع المرسلين بالرسالة إلى كافة العالمين، فقصرنا الأمر عليك، وعظمناك به، فتكون وحدك ككلهم)
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ أي فيما يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم، أي قابل نعمتي عليك بالشكر والصبر والتشدد، وكما آثرتك على جميع الأنبياء، فآثر رضائي على جميع الأهواء. قال النسفي:(وأريد بهذا تهييجه وتهييج المؤمنين وتحريكهم) وَجاهِدْهُمْ بِهِ أي بالقرآن، أي جادلهم به وقرعهم بالعجز عنه جِهاداً كَبِيراً أي عظيما موقعه عند الله، لما يحتمل فيه من المشاق ومجيء هاتين الآيتين في وسط الآيات التي تتحدث عن قدرة الله سنرى حكمته فيما بعد
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ قال النسفي: أي خلاهما متجاورين، كقول القائل: مرجت الدابة إذا خليتها ترعى، وسمى الماءين الكثيرين الواسعين بحرين هذا عَذْبٌ فُراتٌ أي أحدهما عذب شديد العذوبة، حتى يقرب إلى الحلاوة وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ أي شديد الملوحة وَجَعَلَ بَيْنَهُما أي بين العذب والمالح بَرْزَخاً أي حاجزا وهو اليبس من الأرض وَحِجْراً مَحْجُوراً قال ابن كثير: أي مانعا من أن يصل أحدهما إلى الآخر، ولنا عودة في الفوائد على هذه الآية، فإنها تحدثت عن مظهر من أعظم مظاهر القدرة الإلهية والرعاية الربانية
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ أي النطفة بَشَراً أي إنسانا فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً قال ابن كثير: (فهو في ابتداء أمره ولد نسيب، ثم يتزوج فيصير صهرا، ثم يصير له أصهار وأختان وقرابات، وكل ذلك من ماء مهين، ولذا قال تعالى: وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً وقال النسفي في الآية: أراد تقسيم البشر قسمين: ذوي نسب أي ذكورا ينسب إليهم، فيقال فلان بن فلان وفلانة بنت فلان وذوات صهر أي إناثا يصاهر بهن كقوله تعالى في سورة القيامة فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً حيث خلق من النطفة الواحدة بشرا نوعين ذكرا وأنثى، وقيل فجعله نسبا أي قرابة وصهرا مصاهرة يعني الوصلة بالنكاح من باب الأنساب، لأن التواصل يقع بها، وبالمصاهرة لأن التوالد يكون بهما.
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ أي إن عبدوه وَلا يَضُرُّهُمْ إن تركوه.
قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن جهل المشركين في عبادتهم غير الله من الأصنام التي لا تملك لهم ضرا ولا نفعا، بلا دليل قادهم إلى ذلك، ولا حجة أدتهم إليه، بل بمجرد