الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويسبح كل شئ في الفيض الغامر، ويتطهر كل شئ في بحر النور، ويتجرد كل شئ من كثافته وثقله، فإذا هو انطلاق ورفرفة، ولقاء ومعرفة، وامتزاج وألفة، وفرح وحبور. وإذا الكون كله بما فيه ومن فيه نور طليق من القيود والحدود، تتصل فيه السماوات بالأرض، والأحياء بالجماد، والبعيد بالقريب؛ وتلتقي فيه الشعاب والدروب، والطوايا والظواهر، والحواس والقلوب ..
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .. النور الذي منه قوامها ومنه نظامها .. فهو الذى يهبها جوهر وجودها، ويودعها ناموسها .. ولقد استطاع البشر أخيرا أن يدركوا بعلمهم طرفا من هذه الحقيقة الكبرى، عند ما استحال في أيديهم ما كان يسمى بالمادة- بعد تحطيم الذرة- إلى إشعاعات منطلقة لا قوام لها إلا النور! ولا «مادة» لها إلا النور! فذرة المادة مؤلفة من كهارب وإليكترونات، تنطلق- عند تحطيمها- في هيئة إشعاع قوامه هو النور! فأما القلب البشري فكان يدرك الحقيقة الكبرى قبل العلم بقرون وقرون. كان يدركها كلما شف ورف، وانطلق إلى آفاق النور. ولقد أدركها كاملة شاملة قلب محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم ففاض بها وهو عائد من الطائف، نافض كفيه من الناس، عائذ بوجه ربه يقول:«أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة» . وفاض بها في رحلة الإسراء والمعراج.
فلما سألته عائشة: هل رأيت ربك؟ قال: «نور. أنى أراه.» .
ولكن الكيان البشري لا يقوى طويلا على تلقي ذلك الفيض الغامر دائما، ولا يستشرف طويلا ذلك الأفق البعيد. فبعد أن جلا النص هذا الأفق المترامي، عاد يقارب مداه، ويقربه إلى الإدراك البشري المحدود، في مثل قريب محسوس:
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ. الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ. الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ. نُورٌ عَلى نُورٍ ..
التفسير:
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي هداها فهو الذي هدى السموات والأرض ومن فيهن. قال ابن عباس فيها: (أي هادي أهل السموات والأرض) فلا هدى إلا بهداه، فكل نوع من أنواع الهدى فإنما هو به ومنه، وقد تحدثنا عن ظاهرة الهداية في
كتابنا (الله جل جلاله فلتراجع، وبعد أن قرر الله عز وجل هذه القاعدة الكلية وهي أنه الهادي لكل شئ، ضرب مثلا لنوع من هداه وهو هداه الخاص لقلوب عباده المؤمنين مَثَلُ نُورِهِ أي مثل هداه، وإذن فبعد أن قرر أنه نور السموات والأرض بدأ بضرب مثل نعرف منه معنى كونه نور السموات والأرض وهاديهما، هذا المثل يتضمن الكلام عن الهدى في قلب المؤمن، فمن عرف هداية الله لقلوب عباده المؤمنين يدرك كيف أن الله هادي السموات والأرض، وإنما عرفنا ذلك من السياق، ومن القراءات الشاذة الواردة في هذا المقام، إذ القراءات الشاذة إذا كانت صحيحة تعتبر من باب التفسير المأثور للآية كَمِشْكاةٍ المشكاة: هي الكوة- غير النافذة- في الجدار فِيها مِصْباحٌ أي سراج ضخم ثاقب الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ أي في قنديل من زجاج صاف الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ أي كأنها كوكب مضيء أي كأنها كوكب من در يُوقَدُ أي هذا المصباح مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ أي يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة، وهي شجرة الزيتون، وبركتها كثرة منافعها كما قال النسفي زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ أي هي في مكان وسط تعصرها الشمس من أول النهار إلى آخره، فيجئ زيتها صافيا معتدلا مشرقا يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ من صفائه ونقائه وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ أي لتلألئه يكاد يضيء من غير نار نُورٌ عَلى نُورٍ أي هذا النور الذي شبه به الحق نور متضاعف، قد تناصر فيه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت حتى لم تبق بقية مما يقوي النور إلا وقد وجدت، وهذا لأن المصباح إذا كان في مكان متضايق- كالمشكاة- كان أجمع لنوره كما نرى ذلك في مصابيح السيارة، بخلاف المكان الواسع فإن الضوء ينتشر فيه، والزجاج أعون شيء على زيادة الإنارة كما نرى ذلك في عصرنا في المصابيح الكهربائية، وصفاء الزيت يساعد على صفاء النور وقوته، وبعد أن أنهى الله ضرب المثل على نوع من هداه قال يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ أي لهداه مَنْ يَشاءُ أي فيوفقه إلى إصابة الحق إما بإلهام من الله أو بنظر في الدليل وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ تقريبا لأفهامهم ليعتبروا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الإضلال. والآن وقد عرفنا المعنى الحرفى للكلمات فلنر المراد منها:
أما المشكاة فإنها المؤمن، وأما الزجاجة فإنها قلبه، وأما المصباح فإنه نور قلبه وفطرته، وأما الزيت فهو عمله بالشريعة، وأما الزيتونة فإنها الشريعة لا شرقية ولا غربية، وأما النور فإنه نور الفطرة ونور الشريعة، فإذا اجتمع لإنسان نور الفطرة ونور
الشريعة فكيف يكون هداه؟ إنه يكون على غاية من الهدى في كل ما يفعل ويذر، فهذا نموذج على هدى الله الذي هدى به السماوات والأرض، فالله عز وجل ضرب مثلا لهداية السموات والأرض بحال المؤمن المهتدي بنور الشريعة والنص في سياقة يفيد أن الله- عز وجل إذا هدى أحدا بهداه الخاص فإنه بذلك يكون منسجما مع نظام الكون كله، إن هذه الآية لا يفهمها إلا من اجتمع له علم وسلوك إلى الله أمثال هؤلاء هم الذين يدركون المعنى الحقيقي للآية. ولتوضيح هذا المقام نذكر الحديث الذي ذكره ابن كثير عند هذه الآية، والذي رواه الإمام أحمد وقال عنه ابن كثير إسناده جيد ولم يخرجوه.
أخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس مصفح، فأما القلب الأجرد: فقلب المؤمن، سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق، عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة، يمدها الدم والقيح فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه» .
إن هذا الحديث يعتبر أساسا في فهم موضوع القلب والسلوك، فالقلب المذكور فى الآية هو القلب الأجرد الذي فيه مثل السراج يزهر، هذا القلب يحتاج إلى مدد دائم بالعمل بالشريعة فذلك زيته ووقوده، والقلب المصفح قلب يحتاج إلى جهد مضاعف، كي يتخلص من رواسبه ونفاقه ليصل صاحبه إلى القلب الأول، وقد يحتاج إلى طبيب يعرف كيف يداويه، وأما القلب المنكوس والقلب الأغلف فهذان انتهى أمرهما، ولم يعد منهما خير، أو فيهما أمل، إنه ما لم يكن في القلب شئ من نور الفطرة، فإن الإنسان يكاد يكون ميئوسا منه، ولكون هذا غيبا فإن علينا أن ندعو، والإحساس بهذه المعانى- كما قلنا من قبل- لا يدركها إلا من اجتمع له علم وسلوك، وسير قلبي إلى الله.
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أي أمر الله أَنْ تُرْفَعَ أي تبنى أو تعظم وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ بالصلاة والذكر والعلم، وقراءة القرآن، والمراد بها المساجد، وتقدير الكلام.
كمشكاة في بيوت أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه، وقد رأينا أن المراد بالمشكاة في
المثل هو المؤمن. قال ابن كثير: (لما ضرب الله تعالى مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم، بالمصباح في الزجاجة الصافية، المتوقد من زيت طيب، وذلك كالقنديل مثلا، ذكر محلها وهي المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض، وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحد) وعلى هذا فكأن الله عز وجل أفهمنا أن مظنة وجود هذا النوع من الناس، الذين وصف الله قلوبهم بما وصف، هي المساجد التي أمر الله أن تعظم، بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو، والأقوال، والأفعال، التي لا تليق
فيها، وأن يذكر فيها اسمه في الصلاة، وحلقات العلم والذكر، وقراءة القرآن، وأمثال ذلك. ومن ثم ورد في الحديث «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان» وبعض المفسرين علق قوله تعالى فِي بُيُوتٍ بقوله تعالى يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ وعلى هذا يكون المعنى: أن القلوب المؤمنة، توقد من شريعة الله، في بيوت أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه، وهذا يفيد أن مدد الإيمان مظنته المساجد، ومن ثم فعلى العلماء أن يقيموا حلقات العلم، والقرآن في المساجد، من أجل أن يوقدوا مصباح الإنسان وهو قلبه، وعلى أي من التفسيرين، فإن المساجد لها الدور الأول في إيجاد الإيمان، ووجود المؤمن، وهذا يجعل مسئوليتنا كبيرة في عمارة المساجد، ولنا عودة هذا الموضوع في الفوائد.
بعد أن عرفنا أن المساجد هي مظنة وجود هذا النوع من القلوب، أو هذا النوع من المؤمنين المهتدين المذكورين في الآية السابقة، وبعد أن ذكرنا الله عز وجل أن من شأن المساجد أن تعظم عن كل ما لا يليق بها، وأن من شأنها أن يذكر فيها اسمه قال:
يُسَبِّحُ لَهُ فِيها أي في المساجد بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ أي في البكور والعشيات، والآصال: جمع الجمع، فهي جمع أصل، التي هي جمع أصيل، وهو آخر النهار، وإنما وحد الغدو لأن صلاته واحدة، أما الآصال فصلواتها أربع
رِجالٌ أي يصلي لله في المساجد رجال في الغدو، أي صلاة الفجر، والآصال: أي صلاة الظهر، والعصر، والعشاءين، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس:«كل تسبيح في القرآن هو الصلاة» ثم وصف الله هؤلاء الرجال بقوله: لا تُلْهِيهِمْ أي لا تشغلهم تِجارَةٌ في سفر وَلا بَيْعٌ في الحضر، ويمكن أن يكون المراد بالتجارة الشراء، والبيع معروف عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بالقلب واللسان وَإِقامِ الصَّلاةِ أي وعن إقامة الصلاة وَإِيتاءِ الزَّكاةِ أي وعن إيتاء الزكاة، وهل المعنى أنه لا تجارة لهم أصلا؟
أو أن لهم تجارة ولكن لا تشغلهم عن القيام بحق الله؟ قولان للمفسرين، والراجح