الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أدوار .. وهكذا نحن في هذه الحياة نتحرك. تحركنا أشواق وهواتف، ومطامح ومطامع، وآلام وآمال .. وإن هي إلا الأسباب الظاهرة للغاية المضمرة، والستار الذي تراه العيون لليد التي لا تراها الأنظار ولا تدركها الأبصار. يد المدبر المهيمن العزيز القهار
…
).
كلمة في السياق:
مر معنا في مقدمة السورة قوله تعالى: طه* ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى وهاهنا كلف الله موسى أن يدعو فرعون إلى الله قائلا له لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى، فالسياق بين لنا أن إنزال الله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم إنما هو استمرار لسنة الله فى إرسال الرسل فما القرآن إلا وحي الله الذى أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم كما أنزل وحيه على غيره من الرسل، فالرسل أمة واحدة والوحي واحد، والهدف واحد، والمؤمن يؤمن بوحي الله كله، وذلك محور السورة من البقرة: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ولنعد إلى السياق:
قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أي يعجل علينا بالعقوبة أَوْ أَنْ يَطْغى أي أو يجاوز الحد في الإساءة إلينا، خشيا أن يقابلهما بعقوبة مستعجلة، أو بعقوبة قاسية متطاولة
قالَ لا تَخافا منه ثم علل لذلك إِنَّنِي مَعَكُما أي بالحفظ والتأييد والنصرة والتوفيق والرعاية أَسْمَعُ وَأَرى أي أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، وأسمع دعاءكما فأجيب، وأرى ما يراد بكما فأمنع، لست بغافل عنكما فلا تهتما، فإن ناصيته بيدي، فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي،
ثم لقنهما الله ما يقولان بما يحقق أمره لهما بالقول اللين المذكر الواعظ فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ إليك فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ أي أطلقهم عن الاستعباد والاسترقاق لنذهب وإياهم إلى حيث شاء الله وَلا تُعَذِّبْهُمْ بتكليف المشاق قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ أي بحجة على صدق ما ادعيناه أي بمعجزة من الله وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى والمعنى: سلم من العذاب من أسلم
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ في الدنيا والعقبى عَلى مَنْ كَذَّبَ بآيات الله ورسله ووحيه وَتَوَلَّى أي أعرض عن طاعته. وهكذا حدد الله لهما مضمون الخطاب، ومن عرف هذا المقام أي كيف أن الله عز وجل أمرهما بالخطاب اللين ثم حدد لهما مضمون الخطاب الذي يخاطبانه به بما يحقق الأمر الأول، أدرك أن الله
عزّ وجل لا يترك شيئا بلا بيان، ولا يأمر أمرا إلا ويعلم الإنسان كل ما يلزم لتحقيقه وتنفيذه، ثم طوى السياق ما بين الأمر وما بين تنفيذه وحدثنا مباشرة عما كان جواب فرعون لهما والتقدير:
فأتياه وأديا الرسالة وقالا له ما أمرا به
فكان الجواب: قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى خاطب موسى لأنه الأصل في النبوة وهارون تابعه، أو لأنه يعرفه من قبل
قالَ موسى رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، ثُمَّ هَدى أي أعطى كل شئ صورته وشكله وجبلته التي تطابق الحكمة التي من أجلها خلق، ثم هداه ليسير في طريقه المحدد بما يحقق الحكمة في هذا الكون، وقد كانت هذه الآية مضمون ظاهرة كاملة كتبناها في كتابنا (الله جل جلاله هي ظاهرة (الهداية) استدللنا بوجود الهداية في المخلوقات الحسية والمعنوية الصغيرة والكبيرة الحية وغير الحية على وجود ذات هادية أعطت كل شئ خلقه، ثم هدته، دلل بوجود ظاهرة الهداية في الكون على خالق الكون، فما أعظم هذا القرآن، وما أعظم ما ألهم الله موسى من حجة.
قال صاحب الظلال عند هذه الآية: (قال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى .. ربنا الذي وهب الوجود لكل موجود في الصورة التي أوجده بها وفطره عليها. ثم هدى كل شئ إلى وظيفته التي خلقه لها، وأمده بما يناسب هذه الوظيفة ويعينه عليها. و (ثم) هنا ليست للتراخي الزمني. فكل شئ مخلوق ومعه الاهتداء الطبيعي الفطري للوظيفة التي خلق لها، وليس هناك افتراق زمني بين خلق المخلوق وخلق وظيفته، وإنما هو التراخي في الرتبة بين خلق الشئ واهتدائه إلى وظيفته فهداية كل شئ إلى وظيفته مرتبة أعلى من خلقه غفلا وهذا الوصف الذي يحكيه القرآن الكريم عن موسى- عليه والسلام- يلخص أكمل آثار الألوهية الخالقة المدبرة لهذا الوجود:
هبة الوجود لكل موجود، وهبة خلقه على الصورة التي خلق بها. وهبة هدايته للوظيفة التي خلق لها .. وحين يجول الإنسان ببصره وبصيرته- في حدود ما يطيق- في جنبات هذا الوجود الكبير تتجلى له آثار تلك القدرة المبدعة المدبرة في كل كائن صغير أو كبير.
من الذرة المفردة إلى أضخم الأجسام، ومن الخلية الواحدة إلى أرقى أشكال الحياة في الإنسان. هذا الوجود الكبير المؤلف مما لا يحصى من الذرات والخلايا، والخلائق والأحياء، وكل ذرة فيه تنبض، وكل خلية فيه تحيا، وكل حي فيه يتحرك، وكل كائن فيه يتفاعل أو يتعامل مع الكائنات الأخرى .. وكلها تعمل منفردة ومجتمعة داخل إطار
النواميس المودعة في فطرتها وتكوينها بلا تعارض ولا خلل ولا فتور في لحظة من اللحظات! وكل كائن بمفرده كون وحده وعالم بذاته، تعمل في داخله ذراته وخلاياه وأعضاؤه وأجهزته وفق الفطرة التي فطرت عليها، داخل حدود الناموس العام، في توافق وانتظام.
وكل كائن بمفرده- ودعك من الكون الكبير- يقف علم الإنسان وجهده قاصرا محدودا في دراسة خواصه ووظائفه وأمراضه وعلاجه. دراستها مجرد دراسة لا خلقها ولا هدايتها إلى وظائفها، فذلك خارج كلية عن طوق الإنسان. وهو خلق من خلق الله، وهبه وجوده على الهيئة التي وجد بها، للوظيفة التي خلق لها، كأي شئ من هذه الأشياء، ألا إنه الإله الواحد رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى).
قالَ فَما بالُ أي فما حال الْقُرُونِ الْأُولى أي الأجيال السالفة، أو الأعصار السابقة، الظاهر أن فرعون سأل هذا السؤال ليفر من الإلزام بالحجة، فلا يعترف لرب موسى بالربوبية، وعلى هذا فسؤاله يحتمل معنيين الأول: إذا كان الأمر كما تقول بأن الله خالق كل شئ وهاديه؛ فأخبرني عن تاريخ هذا العالم وأعصاره وأزمانه وأممه ما دمت رسولا لله. والثاني: هو ما عبر عنه ابن كثير بقوله: (أصح الأقوال في معنى ذلك أن فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق، وقدر فهدى، شرع يحتج بالقرون الأولى، أي الذين لم يعبدوا الله، أي فما بالهم إذا كان الأمر كذلك- لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره، فقال له موسى في جواب ذلك:
هم وإن لم يعبدوه فإن عملهم عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله، وهو اللوح المحفوظ، وكتاب الأعمال» وعلى كل فإن مراده الفرار من إلزام موسى الحجة؛ ولذلك أجاب موسى على كلامه جوابا سريعا، وعاد ليقيم الحجة عليه بلفت نظره إلى مظاهر هذا الكون، وفي ذلك تعليم لنا ألا ندخل مع الكافرين في المسارب التي يريدون أن يدخلونا فيها للفرار من الإلزامات الواضحة لهم
قالَ موسى مجيبا عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ أي في اللوح المحفوظ، أي هذا سؤال عن الغيب، وقد استأثر الله بعلمه لا يعلمه إلا هو، وما أنا إلا عبد مثلك؛ لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب، وعلم أحوال القرون مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ شيئا وَلا يَنْسى شيئا وصف علمه تعالى بأنه بكل شئ محيط، وأنه لا ينسى شيئا تبارك وتعالى وتقدس، وتنزه، فإن علم المخلوق يعتريه
نقصانان: أحدهما عدم الإحاطة بالشئ، والآخر نسيانه بعد علمه، فنزه الله عن ذلك، وذكر ذلك بعد قوله تعالى فِي كِتابٍ إشارة إلى أن الكتاب ليس خشية الخطأ
والنسيان، بل لحكم، منها أن يعلم الملائكة أن معمول الخلق يوافق معلومه عز وجل وأن الأمر في غاية الضبط، وفي ذلك تعليم للإنسان أن يضبط الأمور في كل حال بالكتابة، ثم يستأنف موسى التعريف على الله الذي بدأه بقوله: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً .. ). هذه وجهة نظر ابن كثير في السياق وهو الذي يتفق مع ما استنتجناه من أن موسى- عليه السلام فوت على فرعون فرصته في الفرار من الجواب الملزم، إلا أنه يمكن أن يفهم السياق فهما آخر وهو: أن يكون موسى أجاب فرعون على سؤاله الثاني المستكن في السؤال الأول ثم استمر بما يحقق الجواب عن السؤالين مفوتا الفرصة على فرعون في التقديرين من الفرار من الإلزام، وعلى هذا يكون السياق:
قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ، لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً .. فيكون قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً .. تدليلا على أن الله عز وجل لا يضل ولا ينسى، وفي الوقت نفسه تعريفا على الله، فيكون الكلام الجديد متضمنا الإجابة عن السؤالين بآن واحد:
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً أي بساطا وفراشا، أي صالحة للقرار والاستقرار والنوم والراحة وَسَلَكَ أي جعل لَكُمْ فِيها سُبُلًا أي طرقا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أي من السحاب السَّماءِ أي مطرا فَأَخْرَجْنا بِهِ أي بالماء أَزْواجاً أصنافا مِنْ نَباتٍ شَتَّى أي مختلف، أي فأخرج الله بهذا الماء أنواع النباتات من زروع وثمار، ومن حامض وحلو ومر، بعضها للناس، وبعضها للبهائم التي تخدم الإنسان، والتي كثير من علفها هو مما يفضل عن حاجة الإنسان، مما لا يقدر الإنسان على أكله، وفي اختلاف منافع النباتات المختلفة واختلاف لونها ورائحتها وشكلها بما يخدم مصالح الإنسان دليل على أن هناك ذاتا هي التي سخرت كل شئ في هذه الأرض لصالح الإنسان، وفي كتابنا (الله جل جلاله تحدثنا كثيرا عن ظاهرتي العناية والإرادة مستدلين بهما بما لا يقبل الجدل على وجود الله.
وبمناسبة قوله تعالى فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى قال صاحب الظلال:
(وقد شاء الخالق المدبر أن يكون النبات أزواجا كسائر الأحياء. وهي ظاهرة مطردة في