الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، فهذا رسول مكلف بالإنذار، وهذا مكلف بالاتباع، وهذا عالم وهذا جاهل، وهذا سفيه وهذا حليم، وهذا غني وهذا فقير، وهذا ضعيف، وكل مكلف بأن يقيم حكم الله، والصبر هو رفيق التكليف، ومن ثم قال تعالى أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً أي عالما بالصواب فيما يبتلي به، أو بمن يصبر على القيام بما كلف به، وهكذا أنهى الله عز وجل الرد على قولهم:
وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ وكان ذلك على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى خاطبت رسول الله صلى الله عليه وسلم معجبة من كلامهم، ومسلية له، والمرحلة الثانية: ذكرت الأصول التي انبثق عنها كلامهم، والمرحلة الثالثة: ذكر فيها أن كل رسول بعثه الله للبشر كان بشرا يأكل الطعام، ثم بينت الحكمة في ذلك وأنها الابتلاء، وبينت أن الصابر وحده هو الذي ينجح في الامتحان.
كلمة في السياق:
أرسل الله رسولا، وأنزل عليه كتابا، وأمر بالإنذار في وقت لم يبق فيه توحيد، فوقف الكافرون من الكتاب موقفا، ووقفوا من الرسول موقفا، وقد سجل الله الموقف الأول، ورد عليه وسجل الموقف الثاني ورد عليه، وكل ذلك مرتبط بمحور السورة من سورة البقرة كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ والآن تسجل السورة موقفا جديدا للكافرين من الرسول والقرآن والإنذار والتوحيد، وقبل أن نعرض هذا الموقف فلنذكر بعض ال
فوائد
حول ما مر.
فوائد:
1 -
في قوله تعالى وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً قال ابن كثير: (وقال محمد ابن إسحاق في قوله تعالى وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ قال: يقول الله لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون لفعلت، ولكني قد أردت أن ابتلي العباد بهم، وأبتليهم بهم، وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى (إني مبتليك ومبتل بك) وفي المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة» وفي الصحيح «أنه عليه أفضل الصلاة والسلام خير بين أن يكون نبيا ملكا أو عبدا رسولا، فاختار أن يكون عبدا رسولا» .
2 -
بمناسبة قوله تعالى إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً* وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً* لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً قال ابن كثير: وروى ابن أبي حاتم .. عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من يقل علي ما لم أقل أو ادعى إلى غير والديه أو انتمى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار- وفي رواية- فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا» قيل يا رسول الله وهل لها من عينين؟ قال أما سمعتم الله يقول إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ الآية. وروى أيضا عن أبي وائل قال: خرجنا مع عبد الله- يعني ابن مسعود- ومعنا الربيع بن خيثم فمروا على حداد فقام عبد الله ينظر إلى حديده في النار، ونظر الربيع بن خيثم إليها فتمايل الربيع ليسقط، فمر عبد الله على أتون على شاطئ الفرات، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً فصعق- يعني الربيع- وحملوه إلى أهل بيته، فرابطه عبد الله إلى الظهر فلم يفق رضي الله عنه. وروى أيضا عن ابن عباس قال:
«إن العبد ليجر إلى النار فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف» وقد رواه الإمام أبو جعفر بن جرير .. عن ابن عباس قال: «إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي وتنقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟ قالت:
إنه يستجير مني فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول: يا رب ما كان هذا الظن بك فيقول: فما كان ظنك؟ فيقول أن تسعنى رحمتك، فيقول أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهقة البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف. وروى عبد الرزاق .. عن عبيد بن عمير في قوله سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً قال: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر لوجهه، ترتعد فرائصه، حتى إن إبراهيم عليه السلام ليجثو على ركبتيه ويقول: رب لا أسألك اليوم إلا نفسي وقوله إِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ قال قتادة: عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال: مثل الزج في الرمح أي من ضيقه. وقال عبد الله ابن وهب .. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن قول الله وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ قال: «والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط»
…
قال ابن كثير: وروى الإمام أحمد .. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أول من يكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريته من
بعده، وهو ينادي يا ثبوراه وينادون يا ثبورهم حتى يقفوا على النار فيقول يا ثبوراه، فيقولون: يا ثبورهم فيقال لهم: لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا».
3 -
بمناسبة قوله تعالى تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً قال ابن كثير: قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة قيل للنبي صلى الله عليه وسلم إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم نعطه نبيا قبلك، ولا نعطي أحدا من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله، فقال: اجمعوها لي في الآخرة، فأنزل الله عز وجل في ذلك: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً.
4 -
بمناسبة قوله تعالى: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً قال النسفي: وحكي أن بعض الصالحين تبرم بضنك عيشه فخرج ضجرا فرأى خصيا في مواكب ومراكب، فخطر بباله شئ فإذا بمن يقرأ هذه الآية فقالا: بلى فصبرا)
ولنعد إلى التفسير:
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وهم الكافرون الذين مر ذكرهم، وهم الذين لا يؤمنون بالساعة، والذين قالوا عن القرآن إنه كذب، وقالوا عن الرسول إنه ينبغي أن يكون ويكون .. هؤلاء يعرض الله عز وجل علينا قولا جديدا من أقوالهم، فهم مع كونهم لا يرجون لقاء الله لأنهم كفرة لا يؤمنون بالبعث، ولا يأملون خيرا ولا يخافون عقابا، هؤلاء يقولون: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أي هلا أنزل علينا الملائكة رسلا دون البشر، أو شهودا على النبوة، ودعوى الرسالة أَوْ نَرى رَبَّنا جهرة فيخبرنا برسالة رسوله، ويأمرنا باتباعه، علقوا إيمانهم بالقرآن والرسول على إنزال الملائكة أو رؤية الله، وهذا موقف جديد وشبهه جديدة وتعنت جديد، لقد استبعدوا في الموقف الثاني أن يكون الرسول بشرا، وفي هذا الموقف يعلقون الإيمان على إنزال الملائكة أو رؤية الله ويأتيهم الجواب: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أي لم يطلبوا هذا الطلب إلا استكبارا عن الحق الواضح وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً أي وظلموا ظلما
فظيعا، أي إنهم لم يجسروا على هذا القول الفظيع إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو، وفي كتابنا (الله جل جلاله برهنا على أن هذا الطلب منهم غاية في الجهل، لأن الله عز وجل لا يدرك في قوانين هذا العالم بالحواس، ولكون هذه بديهة في منطق العقل، لم يرد الله عليهم بخصوصها، فالله عز وجل خالق المادة، وهو بالتالي ليس مادة، والحواس اختصاصها ببعض المادة، ومن ثم فقد انصب الرد على الجانب الآخر، وهو طلبهم إنزال الملائكة
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ يوم الموت أو يوم البعث لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ أي للكافرين وَيَقُولُونَ أي الملائكة للكافرين حِجْراً مَحْجُوراً أي حراما محرما عليكم البشرى، أي جعل الله ذلك حراما عليكم، إنما البشرى للمؤمنين، أو حراما محرما عليكم الفلاح، وبهذه الآية جاء الجواب على اقتراحهم المتعنت، فكأن الله عز وجل قال جوابا على طلبهم: إنه في عالم غير هذا العالم، وفي قوانين غير هذه القوانين، ترون الملائكة، ولكن رؤيتكم للملائكة يوم ذاك لن تكون خيرا لكم، ولكن شرا لكم، والسؤال لماذا بلغوا الغاية في الكبر والظلم بسؤالهم رؤية الملائكة أو رؤية الله؟ والجواب: أن بداهة العقل تحكم أن الرسول قد قامت كل الحجج على صدق رسالته، فتعليق الإيمان على شئ آخر كبر وظلم، فكيف إذا كان هذا الشئ الآخر مستحيلا في العادة! بحكم بداهة العقل في قوانين الحياة الدنيا، لقد اقتضت سنة الله ألا يرى الإنسان الملائكة في الدنيا إلا في حالات يختارها الله عز وجل ولا تملى عليه، وإذ بين الله عز وجل لهؤلاء المتعنتين سفاهة مطلبهم، بين لهم أن رؤيتهم الملائكة تكون عند الموت، أو عند البعث، وأن ذلك سيكون وبالا عليهم، أتم عرض حال هؤلاء يوم القيامة
وَقَدِمْنا أي وعمدنا كما قال مجاهد والثوري إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ كانوا يعتقدون أنهم فيه على شئ فَجَعَلْناهُ هَباءً الهباء: هو ما يرى من الكوة مع ضوء الشمس، شبهها بالغبار مَنْثُوراً أي مفرقا وفي تفسير الهباء أقوال كثيرة قال ابن كثير: (وحاصل هذه الأقوال التنبيه على مضمون الآية وذلك أنهم عملوا أعمالا اعتقدوا أنها على شئ فلما عرضت على الملك الحكم العدل، الذي لا يجور ولا يظلم، إذا إنها لا شئ بالكلية، وشبهت في ذلك بالشئ التافه الحقير المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شئ بالكلية، وقد دلت الآية على أن الله عز وجل لا يقبل عملا من كافر، ولا يعني هذا أنه لا يكافئ الكافر على الخير، بل يكافئه بالدنيا؛ إما بعطاء، أو بثناء، وأما في الآخرة فلا يقبل عملا إلا من مؤمن، وتعليل ذلك كما قال ابن كثير: وذلك لأنها فقدت الشرط