الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تقدم على أنه هو لبعد مسافته عنها، ولا أنه غيره لما رأت من آثاره وصفاته وإن غير وبدل ف قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ أي يشبهه ويقاربه وهذا غاية في الذكاء والحزم). وقال النسفي:(فأجابت أحسن جواب، فلم تقل هو هو، ولا ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقطع في المحتمل للأمرين، أو لما شبهوا عليها بقولهم: أهكذا عرشك شبهت عليهم بقولها كأنه هو مع أنها علمت أنه عرشها).
فقال سليمان تعليقا وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ القول الراجح: أن هذا كله كلام سليمان، ويحتمل أن يكون وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ من كلام سليمان، وأن يكون ما بعده كلاما مستأنفا لله عز وجل. والمعنى: أنها أوتيت علما وذكاء، ولكن الله أعطانا قبلها علما مع كوننا مسلمين. ويبدو أن رؤية العرش لم تكن كافية لإسلامها لتأصل الكفر، وعبادة الشمس عندها،
ومن ثم وضعها سليمان في وضع نفسي آخر:
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ أي القصر أو صحن الدار فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً أي ماء عظيما وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها من أجل أن تخوض فيه قالَ لها إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ أي مملس مستو ومنه الأمرد مِنْ قَوارِيرَ من الزجاج عندئذ أسلمت فقالت: قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بعبادة الشمس وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وبهذا تنتهي القصة بنهاية عرفنا فيها كيف أن سليمان يسخر كل شئ من أجل الإسلام.
فوائد:
1 -
في مقام الحديث عن بلقيس نجد بعض المفسرين ينقل ما هب ودب، مما لا يفهم من السورة، ومما ليس فيه نص عن رسولنا عليه الصلاة السلام. وقد نقل مثل هذه الأقوال ابن كثير ثم علق على ذلك بقوله:(والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب، مما وجد في صحفهم، كروايات كعب ووهب سامحهما الله تعالى فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان وما لم يكن، ومما حرف وبدل ونسخ، وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ ولله الحمد والمنة). أقول: ومن كلام ابن كثير نفهم قيمة ما يورده المفسرون في هذا المقام، من كون بلقيس بنت جنية، وكون سليمان أقام
الصرح ليرى سلامة ساقيها .. وأمثال هذا الكلام التافه الذي ننزه كتب الإسلام عنه، وبهذه المناسبة نذكر أن بعضهم يذكر أثرا حول صنع النورة، وأنها صنعت من أجل بلقيس وإزالة شعرها، ويذكر في هذا الأثر كلاما طويلا عن ابن عباس قال عنه أبو بكر ابن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث» قال ابن كثير رادا: بل هو منكر غريب جدا، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس.
2 -
بمناسبة قول الله سبحانه على لسان سليمان وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ قال النسفي: (وفي كلام بعضهم إن كفران النعمة بوار، وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها فاستدع شاردها بالشكر، واستدم راهنها بكرم الجوار. واعلم أن سبوغ ستر الله تعالى متقلص عما قريب إذا أنت لم ترج لله وقارا، أي لم تشكر لله نعمة) وبمناسبة هذه الآية قال ابن كثير: وفي صحيح مسلم «يقول الله تعالى: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» .
3 -
هل كان الصرح معجزة من المعجزات، أم هو أثر جهد في عالم الأسباب؟
وإذا كان- كما هو الواقع- عملا داخلا في عالم الأسباب فماذا يرمز؟
إن قصة بلقيس تدلنا على أنها كانت في أمة ذات مدنية عريقة، ومن ثم فقد أراها سليمان في الصرح أنها أمام مدنية أعرق وأعظم؛ فخضعت. قال ابن كثير:(وروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان: ثم قال لها ادخلي الصرح، ليريها ملكا هو أعز من ملكها، وسلطانا هو أعظم من سلطانها، فلما رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها، لا تشك أنه ماء تخوضه، فقيل لها إنه صرح ممرد من قوارير، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله وحده، وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله).
وهذا الدرس العظيم الذي نأخذه من سليمان يفيد أن المدنية الإسلامية يجب أن تكون أرقى المدنيات، لأن في ذلك إخضاعا نفسيا لبقية المدنيات وأهلها ومن المعروف أن من أسباب الردة المعاصرة تفوق الكافرين على المسلمين مدنيا، مما أدى إلى وجود عقدة نقص عند المسلمين، ومما جعل الكافرين يستغلون ذلك ليهاجموا الإسلام وأهله،