الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلا تجد صورة أمامك إلا وتجد مرآة لها في هذا القرآن، وهذا مظهر آخر من مظاهر الإعجاز. ولنعد إلى التفسير:
…
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قال ابن كثير: أي حتى إذا مر سليمان بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ أي لا يكسرنكم أو لا يدهسنكم سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أي وهم لا يعلمون بمكانكم، أي لو شعروا لم يفعلوا، قالت ذلك على وجه العذر واصفة سليمان وجنوده بالعدل
فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها متعجبا من حذرها، واهتدائها لمصالحها، ونصيحتها للنمل، وفرحا لظهور عدله حتى أحست به الحيوانات، وراعته في مخاطباتها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أي ألهمني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ من النبوة والملك والعلم وَعَلى والِدَيَّ لأن الإنعام على الوالدين إنعام على الولد وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً أي في بقية عمري عملا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ أي لا بصالح عملي إذ لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله كما جاء في الحديث الصحيح فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ أي في زمرة أنبيائك المرسلين، أو مع عبادك الصالحين. أي إذا توفيتني فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك، وهكذا نجد سليمان يقابل كل مظهر من مظاهر الإنعام بالشكر.
فوائد:
1 -
قال ابن كثير: (ومن قال من المفسرين إن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب، أو غير ذلك من الأقاويل فلا حاصل لها).
2 -
استطرادا بمناسبة ذكر النملة قال ابن كثير: (وقد روى ابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان بن داود عليهما السلام يستسقي فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك، وإلا تسقنا تهلكنا. فقال سليمان؛ ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم. وقد ثبت في الصحيح عند مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قرصت نبيا من الأنبياء نملة فأمر بقرية
النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟
فهلا نملة واحدة؟).
3 -
إن من مظاهر كون هذا الدين حقا أنك تجد كل شئ فيه يعضد الشئ الآخر، ولا تجد شيئا ينقض شيئا، فمثلا: إنك تجد سليمان عليه السلام يقول:
وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ فقرر بذلك أن دخول الجنة لا يكون إلا برحمة الله، وهو المعنى الذي أدب الرسول عليه الصلاة والسلام عليه هذه الأمة، وهكذا فإنك تجد نصوص هذا الدين تسير كلها باتجاه واحد، وهذا لا يمكن أن يكون لولا أن هذا الدين دين الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً.
4 -
إن توسع دائرة الاختصاص في عصرنا، والتتبع الدقيق من قبل المختصين لكل جانب من جوانب الكون أعطانا تصورا واسعا عن عالم الحيوان، وطرق تخاطبه ولغاته، والقوانين السائدة عند كل جنس من أجناسه، ومن ثم فإن يعرض علينا القرآن من خلال قصة سليمان ما يشير إلى مثل هذه المعاني لدليل على أن هذا القرآن فيه تبيان كل شئ، وعلى أن منزله هو الذي يعلم السر في السموات والأرض. وسنختار لك بعض النقول عن الطيور والنمل ترى فيها بعض مظاهر الإعجاز.
قال الشيخ عبد الوهاب النجار في كتابه قصص الأنبياء:
(والذين لهم مراقبة للحيوان والطير يجدون أصواتها تتكيف بكيفيات مختلفة باختلاف حاجاتها ومطالبها. فمواء الهرة المحبوسة غير موائها إذا طلبت السفاد والطعام أو الماء. فلكل صوت كيفيات ونبرات ليست في الصوت الآخر يفهمه عنها أبناء جنسها، وقد أخبرني صديقي الشيخ أحمد عمر السكندري: أن أطفالا ألقوا في بيته حدأة بعد أن عبثوا بها ونهكوا قوتها، ورضوا بعض عظامها، فألقاها أولاده فوق السطح، فكان يصدر عنها صوت خاص كلما رأت الحدأ، فكن يحمن عليها، وفي كل يوم يلقين إليها بعض الطعام من عظام بها بعض اللحم، وأرجل دجاج ونحوه مما يرزقهن الله. وكان أولاده يقدمون لها الماء، وبعض الأكل إلى أن أبلت وقويت وطارت. وعلى كل فإدراك كل صوت من الطير وما يقصد به لم يكن إلا هبة من الله تعالى يختص بها من يشاء من عباده وقد وهبها سليمان عليه السلام
ثم كتب تعليقا فقال: نشرت جريدة الأهرام في عددها الصادر يوم الأحد 4 من