الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كلمة في السياق:
رأينا أن المقطع الثاني بدأ بعرض موقف للكافرين من القرآن، ورد عليه، ثم ثنى بعرض موقف للكافرين من الرسول ورد عليه، ثم عرض لشرك المشركين الذي هو العلة الأساسية في كل موقف من النذير والقرآن ورد عليه. ثم بين أن المهمة الرئيسية للرسول صلى الله عليه وسلم التبشير والإنذار، وبناء عليه صدرت أوامر للرسول صلى الله عليه وسلم كي يبلغها أو يفعلها، وفيما بين الأمر الثالث والرابع عرضت صفات من يستحقون التبشير وبشروا.
وكان من جملة صفاتهم الحميدة تذكرهم بالقرآن إذا ذكروا به، وإذعانهم له، وإيمانهم بالرسول صلى الله عليه وسلم ولذلك كله صلاته بسياق السورة الخاص وبمحورها، ولقد رأينا أثناء العرض والتفسير صلة كل مجموعة في المقطع، مع سياق السورة الخاص، وسياقها العام، ورأينا ارتباط مقدمتها ومقطعيها بمحور السورة من سورة البقرة، كما رأينا ارتباط بعض آيات السورة بالآيات التي سبقت آية المحور. وقد آن الأوان لنعرض فوائد المقطع الثاني:
الفوائد:
1 -
بمناسبة قول الله عز وجل على لسان الكافرين لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً يتحدث المفسرون عن كون التوراة والإنجيل والزبور قد أنزلت دفعة واحدة والذي لاحظته من خلال دراسة هذه الكتب- كما هي موجودة الآن- أنها ليست منزلة جملة واحدة فإذا لم يكن نص عن رسولنا عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر، فإن هذه القضية لا تعتبر جزما أنها كذلك وبهذه المناسبة قال ابن كثير: (وقد جمع الله للقرآن الصفتين معا، ففي الملأ الأعلى أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزل بعد ذلك إلى الأرض منجما بحسب الوقائع والحوادث.
وروى النسائي بإسناده عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة).
2 -
بمناسبة قوله تعالى الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا قال ابن كثير: وفي الصحيح عن أنس أن رجلا قال يا رسول الله كيف
يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة فقال: «إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» . وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من المفسرين.
3 -
ورد في أكثر من مكان من القرآن ذكر أصحاب الرس. فمن هم أصحاب الرس؟ للمفسرين كلام كثير فيهم. قال عكرمة: أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب يس. وقد فسر قتادة فلج فقال: فلج من قرى اليمامة. وعلى هذا القول كان يرى بعض أساتذتنا أن بلدة الرس الحالية الموجودة في القصيم من نجد هي الرس المذكورة في القرآن. وقال ابن عباس عنها: بأنها بئر بأذربيجان. وعن عكرمة أنها سميت رسا لأنها بئر رسوا فيها نبيهم. أي دفنوه فيها. وذهب ابن جرير إلى أن أصحاب الرس هم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج.
4 -
وبمناسبة قوله تعالى: وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً قال ابن كثير في تعريف القرن: والأظهر أن القرن هو الأمة من الناس كقوله: ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ وحده بعضهم بمائة وعشرين سنة، وقيل بمائة، وقيل بثمانين، وقيل أربعين، وقيل غير ذلك. والأظهر أن القرن هو الأمة المتعاصرون في الزمن الواحد، وإذا ذهبوا وخلفهم جيل فهو قرن آخر، كما ثبت في الصحيحين:«خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» الحديث.
5 -
أشرنا خلال تفسير المقطع إلى آيتين. كل آية منهما فيها معجزة علمية. وكل منهما تحدثنا عنها في كتابنا (الرسول صلى الله عليه وسلم:
الأولى: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً هذا النص إشارة إلى موضوع الانكسار الضوئي والله أعلم. فإنه لولا انكسار الشعاع إذا مر بالهواء لكان الظل أكثر امتدادا. ولكن بسبب الانكسار فإن ظل الكرة الأرضية عامة والظل أي ظل- يكون مقبوضا انقباضا يسيرا وهو موضوع مفصل هناك، وقد تحدث عن ذلك صاحب الظاهرة القرآنية.
والآية الثانية: هي قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً ففي قراءة حمزة وعلي سِراجاً والسرج: جمع سراج، والسراج هو الشمس، فالآية تشير إلى وجود شموس لا شمس واحدة. وهذا معنى لم يعرفه الناس إلا في عصرنا. ففي عصرنا عرف الناس أن كل هذه النجوم إنما هي شموس كشمسنا، إلا أنها لبعدها عنا ترى صغيرة. وعلى هذه القراءة فينبغي أن تفسر البروج بأنها مسارات النجوم أو أفلاكها.
ومن مثل هذه الدقائق في القرآن وغيرها نعلم أن هذا القرآن أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض.
6 -
من أعظم الأخطاء الضخمة التي وقع فيها بعض المسلمين أنهم فهموا من قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً* أنه لم يرد بالسماء هنا السحاب، وإنما أراد بها السماء الغيبية التي هي سكن الملائكة، وسبب هذا الخطأ كلمة قالها خالد بن يزيد الأموي وخالد ليس إماما في اللغة، ولا في الفقه، ولا في التفسير. وكلمته تناقض صريح القرآن كقوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ذكرنا هذا هنا لأن ابن كثير أورد قول خالد بن يزيد عند قوله تعالى وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً فليلحظ القارئ ذلك.
7 -
من معجزات الإسلام ما قاله ابن عباس وابن مسعود كما نقله عنهما ابن كثير:
«ليس عام بأكثر مطرا من عام ولكن الله يصرفه كيف يشاء، ثم قرأ هذه الآية:
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً إن هذا المعنى الذي ذكره ابن مسعود وابن عباس هو الذي يثبته علماء الكون الآن، إذ يقولون إن نسبة التبخر والأمطار في العالم لا تزيد ذرة في عام عن عام لأن الحرارة التي تأخذها الأرض سنويا لا تزيد ولا تنقص، وإنما المطر ينزل في مكان ما أكثر من مكان، وهذا عين ما أثبته ابن مسعود وابن عباس في تفسيرهما للآية.
8 -
إن فهم قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً إن فهم هذه الآية على الكمال والتمام متوقف على فهم دورة المياه العالمية، وفهم خصائص ماء البحار والأنهار، وكلما عرف الإنسان سرا من أسرار ذلك أدرك شيئا من حكمة الله في هذا الموضوع، وأدرك مظهرا من مظاهر علم الله وقدرته وعنايته بهذا الإنسان.
9 -
في قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً معنى عميق جدا، وسر من أسرار كفر الكثيرين، إن كثيرين من الناس يعللون الأشياء على أنها ظواهر طبيعية، فالمطر ينزل بسبب مجموعة من العوامل الطبيعية، والنبات يخرج بسبب مجموعة من العوالم الطبيعية، ونحن لا ننفي القوانين والأسباب، ولكنا نقول إن كل شئ بعلم الله وإرادته وقدرته، فإن يزعم زاعم أنه لا تدخل لله في ظواهر الكون
فذلك كفر، والآية في شطرها الأخير تشير إلى هذا النوع من الكفر. قال عكرمة:
يعني الذين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وهذا الذي قاله عكرمة ورد في الحديث المخرج في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوما على إثر سماء أصابتهم من الليل «أتدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا الله ورسوله أعلم، قال:«قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب» .
10 -
قلنا في أكثر من مكان في هذا التفسير إن الحادثة الواحدة قد يكون لها سبب حسي وسبب غيبي، وإن كل الأسباب الحسية والغيبية إنما هي بعلم الله وإرادته
وقدرته، ومن ذلك موضوع المطر، فهناك أسباب حسية له، هي ما نراه من مجموعة العوامل المؤثرة فيه، وهناك سبب غيبي له علاقة بعالم الملائكة والكل بأمر الله، وابن كثير ينقل في هذا المقام حديثا مرسلا أخرجه ابن أبي حاتم حول صلة الملائكة بموضوع المطر. قال: وقال عمر مولى عقبة: كان جبريل عليه السلام في موضع الجنائز فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا جبريل إني أحب أن أعلم أمر السحاب» قال: فقال له جبريل: يا نبي الله هذا ملك السحاب فسله، فقال: تأتينا صكاك مختمة: اسق بلاد كذا وكذا:
كذا قطرة، وكذا وكذا: كذا قطرة» رواه ابن أبي حاتم وهو حديث مرسل.
11 -
بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ قال ابن كثير: وقد اتفق العلماء رحمهم الله على أن هذه السجدة التي في الفرقان مشروع السجود عندها لقارئها ومستمعها، كما هو مقرر في موضعه. أقول: من الملاحظ أن سورة مريم وسورة الفرقان كلتاهما فيها سجدة. والملاحظ بحسب اجتهادنا أن كلا من السورتين كان محورها الآية: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
12 -
وبمناسبة قوله تعالى: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً قال ابن كثير: (وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعا ورياء، فقد كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له. وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى شابا يمشي رويدا فقال ما بالك أأنت مريض؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، فعلاه بالدرة وأمره أن يمشي بقوة، وإنما المراد بالهون هنا السكينة والوقار، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها
وأنتم تسعون وائتوها وعليكم السكينة فما أدركتم منها فصلوا وما فاتكم فأتموا». وقال عبد الله بن المبارك عن معمر عن عمر بن المختار عن الحسن البصري في قوله: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الآية قال: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت منهم والله الأسماع والأبصار والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم من مرض، وإنهم- والله- لأصحاء، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. أما والله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولا تعاظم في نفوسهم شئ طلبوا به الجنة، ولكن أبكاهم الخوف من النار، إنه من لم يتعز بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله نعمة إلا في مطعم أو مشرب، فقد قل علمه وحضر عذابه»)
13 -
بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً قال ابن كثير. وروى الإمام أحمد .. عن النعمان بن مقرن المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وسب رجل رجلا عنده فجعل المسبوب يقول: عليك السلام: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إن ملكا بينكما يذب عنك، كلما شتمك هذا، قال له: بل أنت وأنت أحق به، وإذا قلت له وعليك السلام قال: لا بل عليك وأنت أحق به» إسناده حسن ولم يخرجوه.
14 -
بمناسبة قوله تعالى عن جهنم إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ذكر ابن كثير: الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن عبدا في جهنم لينادي ألف سنة يا حنان يا منان، فيقول الله عز وجل لجبريل اذهب فائتني بعبدي هذا، فينطلق جبريل فيجد أهل النار مكبين يبكون، فيرجع إلى ربه عز وجل فيخبره، فيقول الله عز وجل ائتني به، فإنه في مكان كذا وكذا فيجيء به، فيوقفه على ربه عز وجل فيقول له: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ فيقول: يا رب شر مكان وشر مقيل، فيقول الله عز وجل: ردوا عبدي، فيقول: يا رب ما كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن تردني فيها، فيقول الله عز وجل دعوا عبدي» .
15 -
بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ذكر ابن كثير: روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما عال من اقتصد» لم يخرجوه. وروى الحافظ أبو بكر البزار .. عن حذيفة
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أحسن القصد في الغنى، وما أحسن القصد في الفقر وما أحسن القصد في العبادة» . ثم قال لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة رضي الله عنه. وقال الحسن البصري ليس في سبيل الله سرف، وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله تعالى فهو سرف. وقال غيره: السرف النفقة في معصية الله عز وجل.
16 -
بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ذكر ابن كثير بعض الأحاديث نختار منها ما يلي:
روى الإمام أحمد عن عبد الله هو ابن مسعود قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أكبر؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» . قال ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» . قال: ثم أي؟ قال «أن تزاني حليلة جارك» . قال عبد الله وأنزل الله تصديق ذلك وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الآية وهكذا رواه النسائي وقد أخرجه البخاري ومسلم.
وروى الإمام أحمد .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «ما تقولون في الزنا؟
قالوا: حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:
«لئن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره» قال: «فما تقولون في السرقة؟» قالوا: حرمها الله ورسوله فهي حرام. قال: «لئن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره» .
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا عن الهيثم بن مالك الطائي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل
له».
وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يحدث أن ناسا من أهل الشرك، قتلوا فأكثروا، ثم أتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الآية ونزلت: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية، وروى ابن أبي حاتم عن عمرو عن أبي فاختة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل: «إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتدع الخالق، وينهاك أن تقتل ولدك وتغذو كلبك. وينهاك أن تزني بحليلة جارك» . قال سفيان وهو قوله تعالى وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الآية.
17 -
بمناسبة قوله تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ الواردة بعد الآية التي تذكر الشرك والزنا والقتل. قال ابن كثير: وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل، ولا تعارض بين هذه وبين آية النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً الآية؛ فإن هذه وإن كانت مدنية- إلا إنها مطلقة، فتحمل على من لم يتب، لأن هذه مقيدة بالتوبة. ثم قد قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الآية. وقد ثبتت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحة توبة القاتل، كما ذكر مقررا من قصة الذي قتل مائة رجل ثم تاب فقبل الله توبته، وغير ذلك من الأحاديث وقوله تعالى: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أقول: وقد تكلمنا عن هذا الموضوع في سورة النساء فراجعه.
18 -
رأينا أن في قوله تعالى: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ اتجاهين نقلناهما في التفسير. والاتجاه الثاني هو الذي رجحه ابن كثير وذكر أن الأحاديث والآثار تشهد له فقال: «فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار. وآخر أهل الجنة دخولا إلى الجنة، يؤتى برجل فيقول نحوا عنه كبار ذنوبه، وسلوه عن صغارها، قال فيقال له: عملت يوم كذا:
كذا وكذا، وعملت يوم كذا: كذا وكذا وكذا، فيقول: نعم لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: يا رب عملت أشياء لا أراها هاهنا». قال فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه» انفرد بإخراجه مسلم.
وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان اعطني صحيفتك فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محابها عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسنات، فإذا أراد أحدكم أن ينام فليكبر ثلاثا وثلاثين تكبيرة، ويحمد أربعا وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة» وروى ابن أبي حاتم عن سلمان قال: يعطى الرجل يوم القيامة صحيفته، فيقرأ أعلاها فإذا سيئاته، فإذا كاد يسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات. وروى أيضا عن أبي هريرة قال: ليأتين الله عز وجل بأناس يوم القيامة رأوا أنهم قد استكثروا من السيئات. قيل من هم يا أبا هريرة؟ قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات، وروى أيضا عن أبي الصيف وكان من أصحاب معاذ بن جبل. قال: يدخل أهل الجنة على أربعة أصناف: المتقين ثم الشاكرين ثم الخائفين ثم أصحاب اليمين قلت: لم سموا أصحاب
اليمين؟ قال: لأنهم قد عملوا بالسيئات والحسنات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم، فقرءوا سيئاتهم حرفا حرفا، وقالوا: يا ربنا هذه سيئاتنا فأين حسناتنا. فعند ذلك محا الله السيئات، وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ فهم أكثر أهل الجنة. وقال علي بن الحسين زين العابدين يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ قال في الآخرة وقال مكحول يغفرها لهم فيجعلها حسنات رواهما ابن أبي حاتم، وروى ابن جرير عن سعيد بن المسيب مثله. قال ابن أبي حاتم، حدثنا أبو جابر أنه سمع مكحولا يحدث قال: جاء شيخ كبير هرم قد سقط حاجباه على عينيه فقال يا رسول الله رجل غدر وفجر، ولم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطفها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل له من توبة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«أأسلمت؟» فقال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«فإن الله غافر لك غدراتك وفجراتك، ومبدل سيئاتك حسنات ما كنت كذلك» فقال يا رسول الله وغدراتي وفجراتي؟ فقال: «وغدراتك وفجراتك» . فولى الرجل يكبر ويهلل.
وروى الطبراني عن أبي فروة أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها ولم يترك حاجة ولا داجة فهل له من توبة؟ فقال: «أسلمت؟» قال نعم، قال «فافعل الخيرات واترك السيئات، فيجعلها الله لك خيرات كلها» . قال وغدراتي وفجراتي؟ قال «نعم» فما زال يكبر حتى توارى. ورواه الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءتني امرأة فقالت هل لي من توبة؟ إني زنيت وولدت وقتلته، فقلت: لا ولا نعمت العين ولا كرامة، فقامت وهي تدعو بالحسرة، ثم صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الصبح فقصصت عليه ما قالت المرأة، وما قلت لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«بئسما قلت أما تقرأ هذه الآية» ؟ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى قوله إِلَّا مَنْ تابَ الآية فقرأتها عليها فخرت ساجدة وقالت الحمد لله الذي جعل لي مخرجا، وهذا حديث غريب من هذا الوجه وفي رجاله من لا يعرف والله أعلم. وقد رواه ابن جرير بسنده بنحوه وعنده فخرجت تدعو بالحسرة وتقول يا حسرتا أخلق هذا الحسن للنار؟ وعنده أنه لما رجع من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبها في جميع دور المدينة فلم يجدها، فلما كان من الليلة المقبلة جاءته فأخبرها بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرت ساجدة وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجا وتوبة مما عملت.
وأعتقت جارية كانت معها وابنتها، وتابت إلى الله عز وجل»
19 -
بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ يذكر ابن كثير الحديث المروي في الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» ثلاثا، قلنا بلى يا رسول الله. قال:«الشرك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور» . فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت، إلا أن ابن كثير يرجح أن الآية تريد معنى أوسع من المعنى المراد بالحديث.
20 -
بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً قال ابن كثير:
روى ابن أبي حاتم عن إبراهيم بن ميسرة أن ابن مسعود مر بلهو فلم يقف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما» .. وعن ميسرة قال بلغني أن ابن مسعود مر بلهو معرضا فلم يقف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما» ثم تلا إبراهيم بن ميسرة وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
21 -
بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ قال ابن كثير: (يعني الذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم ومن ذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له، قال ابن عباس: يعنون من يعمل بطاعة الله، فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة. قال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالا وإنما أرادوا أن يكونوا مطيعين. وسئل الحسن البصري عن هذه الآية فقال: أن يري الله العبد المسلم من زوجته ومن أخيه ومن حميمه طاعة الله، والله لا شئ أقر لعين المسلم من أن يرى ولدا أو ولد ولد أو أخا أو حميما مطيعا لله).
قال ابن جريج في قوله: هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ قال:
يعبدونك فيحسنون عبادتك، ولا يجرون علينا الجرائر، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني يسألون الله تعالى لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام، وروى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت، فاستغضب المقداد، فجعلت أعجب لأنه ما قال إلا خيرا ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف يكون فيه، والله لقد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقواما أكبهم الله على مناخرهم في جهنم، لم يجيبوه ولم يصدقوه، أولا تحمدون الله إذ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا