الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويفضل عدم السفر إلى البلدان التي تنتشر فيها الأوبئة المعدية فقد جاء في الحديث النبوي: (إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا)(1)، وفي رواية للبخاري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:(لا توردوا الممرض على المصح)(2) ، وذلك من أجل الاحتماء وعدم وقوع الضرر، فتأكد من أخذ جميع اللقاحات الروتينية مثل التيتانوس (الكزاز) حتى لا تتعرض بالاصابة بالمرض عند التعرض لجرح بسيط ملوث بالتيتانوس، وكذلك التطعيم ضد التهاب الكبد الوبائي، وتأكد من ضبط الجرعة الدوائية إن كنت مصاب بضغط الدم أو السكر أو غير ذلك، لتكن في سفرك وإقامتك سعيداً تؤدي واجبك وتستمتع بحياتك بهمة عالية بعيداً عن الهموم.
آداب السفر
إذا أردت أن تسافر فعليك بإعداد النفقة والزاد للسفر من الحلال الطيب، فقد أثر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال:"من كرم الرجل طيب زاده في سفره"، وفي الذكر الحكيم:{وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} (3) ، وقد ذكر بعض المفسرين بأنها نزلت في حق قوم كانوا يحجون ولا يتزودون، وفي سورة آل عمران: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ
(1) - أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجنائز، باب الخروج من الطاعون، حديث (3103) .
(2)
- صحيح البخاري، كتاب الطب، باب لا عدوى، حديث (5774) .
(3)
- سورة البقرة الآية (197) .
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (1) ، ذكر المفسرون أن الاستطاعة هي الزاد والراحلة.
ومن آداب السفر اخراج نفقة من تلزمك نفقته كالزوجة والولد حتى لا يكونوا عالة على غيرك ففي الحديث النبوي: (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ)(2) .
ومن أدب السفر أن يودع المسافر أهله واخوانه وأصدقاءه وأن يشملهم بدعائه: (أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ)(3)، وعند ذلك يرد المودعون على المسافر بما ورد في الحديث:(زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى، وَغَفَرَ ذَنْبَكَ، وَيَسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ)(4) .
وإن سأل المسافر من يودعه الدعاء كان خيراً له، ولقد كان من عادة العرب توديع أحبتهم وأصدقائهم ورد ذلك في أشعارهم وأخبارهم، قال ابن زريق:
اِستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً
…
بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ
وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي
…
صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ
وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً
…
وَأَدمُعِي مُستَهِلّاتٍ وَأَدمُعُهُ
ويغفر الله للقائل:
(1) - الآية (97) .
(2)
- أخرجه أبو داود في سننه باب في صلة الرحم حديث (1442) .
(3)
- أخرجه الترمذي في سننه باب ما يقول إذا ودع إنسانا حديث (3365) .
(4)
- أخرجه الترمذي في سننه باب ما يقول إذا ودع إنسانا حديث (3366) .
لِلَّهوِ آوِنَةٌ تَمُرُّ كَأَنَّها
…
قُبَلٌ يُزَوَّدُها حَبيبٌ راحِلُ
جَمَحَ الزَمانُ فَما لَذيذٌ خالِصٌ
…
مِمّا يَشوبُ وَلا سُرورٌ كامِلُ
أما أبو العلاء المعري فهو يقول:
كم بَلْدَةٍ فارَقْتُها ومَعاشِرٍ
…
يُذْرُونَ من أسَفٍ علَيّ دُمُوعا
وإذا أضاعَتْني الخُطوبُ فلنْ أرى
…
لِوِدادِ إِخْوانِ الصَّفاءِ مُضِيعا
خالَلْتُ تَوْديعَ الأصادِقِ للنّوى
…
فمتى أُوَدّعُ خِلّيَ التّوْديعا
وله أيضاً:
أُوَدِّعُ يَومي عالَماً إِنَّ مِثلَهُ
…
إِذا مَرَّ عَن مِثلي فَلَيسَ يَعودُ
ومن آداب السفر اختيار الرفقة الصالحة وتأمير أحدهم، ليتولى قيادتهم بمشورتهم، ففي الحديث النبوي:(إِذَا كَانَ ثَلاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ)(1) .
وفي الأمثال السائرة: "الرفيق قبل الطريق".
قال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: (لا تصحب في سفرك من لا يرى لك من الفضل عليه كما ترى له عليك) .
وقد جاء في الرحيق المختوم أن محمد النبي المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم: كان أوفي الناس بالعهود، وأوصلهم للرحم، وأعظمهم شفقة ورأفة ورحمة بالناس، أحسن الناس عشرة وأدباً، وأبسط الناس خلقاً، أبعد الناس من سوء الأخلاق، لم يكن فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا لعاناً، ولا صخابا في
(1) - أخرجه أبو داود في سننه باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم حديث (2242) .
الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وكان لا يدع أحدا يمشي خلفه، وكان لا يترفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا ملبس، ويخدم من خَدَمَه، ولم يقل لخادمه أف قط، ولم يعاتبه على فعل شيء أو تركه، وكان يحب المساكين ويجالسهم، ويشهد جنائزهم، ولا يحقر فقيراً لفقره، كان في بعض أسفارة فأمر بإصلاح شاة، فقال رجلٌ: علي ذبحها، وقال آخر: علي سلخها، وقال آخر علي طبخها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(وعلي جمع الحطب)، فقالوا: نحن نكفيك، فقال:(قد علمت أنكم تكفوني ولكني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزاً بين أصحابه)، وقام وجمع الحطب. (1) قال الشاعر:
وَما المَرء إِلا بِإخوانِهِ
…
كَما يَقبض الكَفُّ بِالمعصمِ
وَلا خَير في الكَفِّ مَقطوعَةً
…
وَلا خَير في الساعد الأَجزمِ
ومن آداب السفر الاستخارة قبل العزم ففي الحديث: (من سعادة ابن آدم رضاه بما يقضى الله واستخارة الله ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما يقضى الله وتركه استخارة الله ومن سعادة ابن آدم ثلاث ومن شقوته ثلاث فمن السعادة المرأة الصالحة والمركب الصالح والمسكن الصالح ومن شقوته المرأة السوء والمركب السوء والمسكن السوء)(2)، ويا حبذا الاستشارة ففي الحديث:(ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار)(3) .
(1) - الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري، ج1ص478.
(2)
- انظر جمع الجوامع والجامع الكبير للسيوطي ج1ص21803.
(3)
- المعجم الصغير تأليف العلامة المحدث سليمان بن احمد بن أيوب، أبو القاسم الطبري، ج2ص175 حديث (980)، الناشر: المكتب الاسلامي بيروت الطبعة الأولى 1405هـ1985م. ومسند الشهاب محمد بن سلامة بن جعفر أبو عبد الله القضاعي ج2ص7 حديث (774)، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية 1407هـ1986.
ومن الخير الصلاة قبل الخروج من المنزل، ثم الدعاء بعد الصلاة بقوله:"اللهم إنى أتقرب بهن إليك فاجعلهن خليفتي في أهلي ومالي"، ففي كنز العمال:(ما استخلف العبد في أهله من خليفة إذا هو شد عليه ثياب سفره خيراً من أربع ركعات يضعهن في بيته يقرأ في كل واحدة منهن بفاتحة الكتاب و {قل هو الله أحد} ، ثم يقول: اللهم إني أتقرب بهن إليك فاجعلهن خليفتي في أهلي ومالي)(1) .
ويستحب للمسافر حين عوده من السفر ووصوله أن يدخل أقرب مسجد ويصلي فيه ركعتين، ففي الحديث النبوي:(كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ)(2) ، وما أجمل محافظة الإنسان على صلاة الفريضة والنفل في الحضر والسفر، وملازمة الذكر والدعاء.
ولعل قائل يقول: ولِمَ المحافظة على الصلاة والدعاء؟ وما الفائدة من ذلك؟
قلنا: لأن الإنسان بحاجة إلى قوة روحية ترفع من نفسيته على وجه الاستمرار إلى مثل عليا، فالإنسان إذا لم تتصل روحه بمبدعها ظهرت فيه مظاهر الوحشة والاكتئاب، وقد يظن أن وحشته واكتئابه حصلا لعدم أخذ الإنسان حظه من الملهيات، فيصاب باليأس والإحباط وربما ألقى نفسه في
(1) - انظر جامع الأحاديث للسيوطي ج18ص405 حديث (19738)، وكنز العمال في سنن الأقوال والأفعال للعلامة علاء الدين علي بن حسام الدين المتقي الهندي البرهان فوري (المتوفى: 975هـ) ، تحقيق بكري حياني وصفوة السقا، ج6ص714 حديث (17535) ، الناشر مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الخامسة 1401هـ1981م.
(2)
- أخرجه البخاري في صحيحه باب إذا قدم من سفر.
هاوية، فالإنسان الذي يعتمد على الله لا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلاً، فهو يملك من القوة النفسية ما يواجه بها أعظم المشاكل دقةً وخطراً، وبذلك يتبين لك أخي أن اتصال الروح الإنسانية بخالقها ولو لحظات في اليوم هي من الضروريات للإنسان، ولهذا كانت الصلاة أنجع علاج، وأفضل رباط بين الإنسان وربه في سفره وحضره، ولأن الدعاء مخ العبادة وباب يوصل إلى السعادة، فالله معك حاضر لا يغيب وأنت بحاجة إلى عونه وتسديده ورعايته وحفظه، وفي الذكر الحكيم:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (1) .
وإذا أمكن الخروج يوم الخميس ففي ذلك الاقتداء بهدي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ففي صحيح البخاري:(لقَلَّمَا كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم يَخْرُجُ إِلَاّ في يَوْمِ الخَمِيسِ)(2)، وعن صخر بن وَداعَةَ الغامِدِيِّ الصحابيِّ رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ:(اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي في بُكُورِهَا) وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشَاً بَعَثَهُمْ مِنْ أوَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ تَاجِراً، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ أوَّلَ النَّهَار، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ. (3)
(1) - سورة المجادلة الآية (7) .
(2)
- أخرجه البخاري في صحيحه باب من أراد غزوة حديث (2730) .
(3)
- أخرجه أبو داود في سننه باب في الابتكار في السفر حديث (2239) ، والترمذي في سننه باب ما جاء في التبكرة في التجارة حديث (1133) .
ويستحب للمسافر عند الخروج من الدار أن يقول: (بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ)(1) .
فإذا دخل المسافر السيارة أو القطار أو الطائرة أو الباخرة فإنه يستحب له أن يقول ما كان يقوله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ( {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ)، وإذا رجع قالهن وزاد فيهن:(آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ)(2) .
فإن فعلت ذلك فإنك ستكون في خير وعلى خير ويكون سفرك وسياحتك متعة وراحة تقتنص في أسفارك العلم والمعرفة وتحصد الأجر والثواب والتفكر في مخلوقات الله العزيز الوهاب.
(1) - سنن أبو داود باب ما يقول إذا خرج من بيته حديث (4431) وحديث (4432) .
(2)
- أخرجه مسلم في صحيحه باب ما يقول إذا ركب إلى سفر حديث (2392) .