الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويرحم الله إسماعيل بن صلاح الأمير حيث يقول:
لا تضق بالأمر صدرا
…
واعتمد صبرا وشكرا
إن في القران حرفا
…
جاء للمكروه بشرا
ان بعد العسر يسرا
…
ان بعد العسر يسرا
ان يسرا مع يسر
…
يطردان العسر قسرا
رب يسر كامن قد
…
ظنه الإنسان ضرا
ان في تدبير أمر العـ
…
ـالم الكلي سرا
حكمة دقت وجلت
…
عند رب العرش قدرا
انه لابد يحلو
…
ما تجرعناه مرا
وإذا الشدة زادت
…
وتناهت فهي بشرا (1)
وقال أخر:
إِنَّ الأُمُورَ إِذا انْسدَّتْ مَسالِكُها
…
فالصَّبْرُ يَفْتَحُ منها كُلَّ ما ارْتَتَجَا
لا تَيْأَسَنَّ وإِن طالَتْ مُطالَبَةٌ
…
إِذا اسْتَعَنْتَ بصَبْرٍ أَنْ تَرَى فَرَجا
أَخْلِقْ بذِى الصَّبْرِ أَنْ يَحْظَى بحاجَتِهِ
…
ومُدْمِنِ القَرْعِ للأَبْوابِ أَنْ يَلِجَا (2)
وجاء في شعر جميل صدقي الزهاوي:
تمسك بحبل الصبر في كل كربة
…
فلا عسر إلا سوف يعقبه يسر
أما الخنساء فهي ترى أن الصبر يعقبه السرور فهي تقول:
فَإِن تَصبِرِ النَفسُ تُلقَ السُرورَ
…
وَإِن تَجزَعِ النَفسُ أَشقى لَها
الصبر والرضا به
الصبر جماع الأمر، ونظام الحزم، ودعامة العقل، وبذر الخير، وحيلة من لا حيلة له.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: يجب على العاقل إذا كان مبتدئاً أن يلزم عند ورود الشدة سلوك الصبر، فإذا تمكن حينئذ يرتقي من درجة الصبر إلى درجة الرضا، فليلزم التصبر لأنه أول مراتب الرضا ولو كان الصبر من الرجال لكان كريما، إذ هو بذل الخير وأساس الطاعات، وقيل: أول درجة الاهتمام ثم التيقظ، ثم التثبت، ثم التصبر، ثم الرضا، وهو النهاية في الحالات، وقيل: ما نال عبد شيئاً من جسم الخير من نبي أو غيره إلا بالصبر (4)، ولهذا أمر الله عباده المؤمنين بالصبر ووعدهم بعظيم الأجر فقال جل شأنه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (5) ، وقال جل
(1) - هو العلامة أبو محمد إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني اليمني المعروف بالأمير، والد البدر المنير محمد بن إسماعيل صاحب التصانيف الفائقة، وقد وردت هذه الأبيات في ترجمة إسماعيل الأمير في نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف، للعلامة محمد بن محمد زباره، طبعة مركز الدراسات والبحوث ج (1) ص (374) .
(2)
- هذه الأبيات نسبت لمحمد بن زنجي البغدادي، وانظر شرح الحماسة لأبي تمام ج (2) ص (641) ، وفي البيان والتبيين للجاحظ، والشعر والشعراء لأبن قتيبه ورد ذكر البيتين الأولين لمحمد بن بشير ورويت لغيرهم. ونسبت أيضا لابن يسير الرياشي ، وأيضاً لمحمد بن حازم الباهلي، والله أعلم.
(3)
- سورة آل عمران (186) .
(4)
- روضة العقلاء ص (126) .
(5)
- سورة آل عمران (200) .
شأنه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (1) ، فمن تأزر بالصبر ورضي بما قدره الله استحق الأجر، والمؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن يخطئه، وما أخطئه لم يكن ليصيبه.
كما ورد ذلك في حديث ابن عباس ووصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم له: (يَا غُلامُ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ على اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَلائِقَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يُعْطُوكَ شَيْئًا لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، أَوْ يَصْرِفُوا عَنْكَ شَيْئًا أَرَادَ أَنْ يُصِيبَكَ بِهِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا سَأَلْتَ فَسَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ جَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ)(2) .
الصبر عواقبه محمودة، وما قدَّره الله كائن، فالعاقل يقابل الشدائد والمحن بالرضا والتسليم لينال ثواب الصبر، ويظفر بتدبير الأمر، قال الشاعر:
إِذا عَقَدَ القَضاءُ عَلَيكَ أَمراً
…
فَلَيسَ يَحُلُّهُ إِلا القَضاءُ (3)
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه:
دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ
…
وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ
وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي
…
فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ
وَكُن رَجُلاً عَلى الأَهوالِ جَلداً
…
وَشيمَتُكَ السَماحَةُ وَالوَفاءُ
وَإِن كَثُرَت عُيوبُكَ في البَرايا
…
وَسَرَّكَ أَن يَكونَ لَها غِطاءُ
تَسَتَّر بِالسَخاءِ فَكُلُّ عَيبٍ
…
يُغَطّيهِ كَما قيلَ السَخاءُ
وَلا تُرِ لِلأَعادي قَطُّ ذُلاً
…
فَإِنَّ شَماتَةَ الأَعدا بَلاءُ
وَلا تَرجُ السَماحَةَ مِن بَخيلٍ
…
فَما في النارِ لِلظَمآنِ ماءُ
وَرِزقُكَ لَيسَ يُنقِصُهُ التَأَنّي
…
وَلَيسَ يَزيدُ في الرِزقِ العَناءُ
وَلا حُزنٌ يَدومُ وَلا سُرورٌ
…
وَلا بُؤسٌ عَلَيكَ وَلا رَخاءُ
إِذا ما كُنتَ ذا قَلبٍ قَنوعٍ
…
فَأَنتَ وَمالِكُ الدُنيا سَواءُ
والصبر من التقوى قال جل شأنه {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (4) ، فبالصبر على ما تكره تنال ما تحب، وبالصبر عن ما تحب تنجو مما تكره، وقيل: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة، وثمرة الصبر الظفر، وقد حكى الله عن امة صبروا استخلافهم في الأرض وجعلهم أئمة فقال جل شأنه {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (5)، ونسب إلى الفضل بن سهل أنه قال: إن في العلل نعماً لا ينبغي للعقلاء أن
(1) - سورة النحل (97) .
(2)
- رواه الطبراني في المعجم الكبير باب (3) ج (9) ص (331) حديث (11243) .
(3)
- جاء هذا البيت في قصيدة للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ونسب أيضاً لجميل بثينة.
(4)
- سورة البقرة (177) .
(5)
- سورة السجدة (24) .
يجهلوها منها: تمحيص للذنب، وتعرض للثواب -ثواب الصبر-، وإيقاظ من الغفلة، وإذكار بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء للتوبة، وحض على الصدقة، وفي قضاء الله وقدره يعد الخيار (1) . وجاء في شعر أميه بن أبي الصلت:
تَجري الأَمور عَلى حُكم القَضاء وَفي
…
طيّ الحَوادِث مَحبوبٌ وَمَكروهُ
فَرُبّما سَرَّني ما بِتّ أَحذَرهُ
…
وَرُبَّما ساءَني ما بتُّ أَرجوهُ (2)
وفي أمثال العرب: "من أراد طول البقاء فليوطن نفسه على المصائب". وقولهم: "المصيبة للصابر واحدة، وللجازع اثنتان".
وقال أكثم بن صيفي: حيلة من لا حيلة له الصبر. وذكروا عن بعض الحكماء أنه أصيب بابن له فبكى حولاً ثم سلا، فقيل له: ما لك لا تبكي؟ قال: كان جرحاً فبرأ. قال أبو خراش الهذلي:
بَلى إِنَّها تَعفو الكُلومُ وَإِنَّما
…
نُوَكَّلُ بِالأَدنى وَإِن جَلَّ ما يَمضي
ومن ذلك قولهم: "لا تلهف على ما فات"، وقولهم:"هون عليك ولا تولع بإشفاق"(3)، وهذا المثل مأخوذ من قول ابن حذاق:
هَوِّن عَلَيكَ وَلا تَولَع بِإِشفاق
…
فَإِنَّما مالُنا لِلوارِثِ الباقي
(1) - انس المسجون وراحة المحزون ص (59) .
(2)
- الموسوعة الشعرية ص (74) .
(3)
- العقد الفريد ج3ص52.