الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكريم يعفو
العفو خلق كريم، وسلوك مستقيم، يتحلى به كرام الناس فخلق الكريم من الناس العفو، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعفو عمن ظلمه ويحسن إلى من يسيء إليه، ولمّا وفد عليه كعب بن زهير وانشده القصيدة التي مطلعها بانت سعاد ومنها:
أُنبِئتُ أَنَّ رَسولَ اللَهِ أَوعَدَني
…
وَالعَفُوُ عِندَ رَسولِ اللَهِ مَأمولُ
مَهلاً هَداكَ الَّذي أَعطاكَ نافِلَةَ الـ
…
ـقُرآنِ فيها مَواعيظٌ وَتَفصيلُ
لا تَأَخُذَنّي بِأَقوالِ الوُشاةِ وَلَم
…
أُذِنب وَلَو كَثُرَت عَنّي الأَقاويلُ
فأعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم برده.
أما احمد شوقي رحمه الله فهو يصف عفو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:
وَإِذا عَفَوتَ فَقادِراً وَمُقَدَّراً
…
لا يَستَهينُ بِعَفوِكَ الجُهَلاءُ
وَإِذا رَحِمتَ فَأَنتَ أُمٌّ أَو أَبٌ
…
هَذانِ في الدُنيا هُما الرُحَماءُ
فالعاقل يترفع عن الأذى ويعفو عمن أساء، قال أبو حاتم رضي الله عنه: أغنى الناس عن الحقد من عظم عن المجازاة، واجل الناس مرتبة من صد الجهل بالحلم، وما الفضل إلا لمن يحسن إلى من أساء إليه، فأما مجازاة الإحسان إحسانا فهو المساواة في الأخلاق، فلربما استعملها البهائم في الأوقات، ولو لم يكن في الصفح وترك الإساءة خصلة تحمد إلا رجاحة النفس ووداع القلب لكان الواجب على العاقل أن لا يكدر وقته بالدخول
في أخلاق البهائم، بالمجازاة على الإساءة إساءة، ومن جازى بالإساءة إساءة فهو المسيء، وان لم يكن بادئا.
قال هلال بن العلاء البهلولي: جعلت على نفسي منذ أكثر من عشرين سنه أن لا أكافئ أحدا بسوء، وذهبت إلى هذه الأبيات:
لَمّا عَفَوتُ وَلَم أَحقِد عَلى أَحَدٍ
…
أَرَحتُ نَفسي مِن هَمِّ العَداواتِ
إِنّي أُحَيّي عَدوّي عِندَ رُؤيَتِهِ
…
لأَدفَعَ الشَرَّ عَنّي بِالتَحِيّاتِ
وَأُظهِرُ البِشرَ لِلإِنسانِ أَبغَضُهُ
…
كَأنما قَد حَشى قَلبي مَوَدّاتِ (1)
وقديماً قيل: من تمام الكرم أن تذكر الخدمة لك، وتنسى النعمة منك، وتنظر الرغبة إليك، وتتغابى عن الخيانة إليك. من تمام المروءة أن تنسى الحق لك، وتذكر الحق عليك. وتستكبر الإساءة منك، وتستصغر الإساءة إليك. من أحسن المكارم عفو المقتدر، وجود المفتقر (2) . قال الشاعر يصف كريماً:
كَريمٌ لَه وَجهانِ وَجهٌ لَدى الرِضا
…
أَسيلٌ وَوَجهٌ في الكَريهَةِ باسِلُ
وَلَيسَ بِمُعطي العفوِ عَن غَيرِ قُدرَةٍ
…
وَيَعفو إِذا ما أَمكَنَنَته المَقاتِلُ (3)
فما أحوج الناس إلى العفو والتجاوز عن الإساءة والتحلي بالأخلاق الفاضلة، ففي العفو شرف الدنيا والآخرة.
أما ابن أبي حصينه فهو يرى أن في العفو عن الحر تأديباً له فيقول:
لَكَ الخَيرُ إِن يُجرِم رَعاياكَ فاغتَفر
…
جَرائِمَهُم إِنَّ المُدَبَّرَ مَربُوبُ
(1) - روضة العقلاء ص (133) . وتنسب هذه الأبيات للإمام الشافعي رحمه الله، كما سبق.
(2)
- الفرائد والقلائد ص (40) .
(3)
- ديوان إبراهيم بن هرمة.