الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سبحانَ مُحْيِي الأرض بعد مماتِها.....وكذاكَ يحيي الخلقَ يومَ المحشرِ
وإذا كان الكون المنظور وسائر مجالات الحياة تعتبر صفحات فنية فإنه مما ينبغي على الأدباء المسلمين أن يحسنوا قراءتها وأن يقلبوا صفحاتها في سفرهم وإقامتهم، وأن يقدموا لأمة الإجابة ما يهز ويؤثر، ولأمة الدعوة ما يقنع ويبهر، وهم في ذلك محتسبون ومحسنون ومبدعون ولربهم راغبون ومنقلبون. (1)
حاجة المسافر إلى قراءة شيء من القرآن في أسفاره
إن القرآن الكريم بما اشتمل عليه من الفصاحة والبلاغة والبيان يغذي النفوس ويحيي القلوب، فهو عجيب نظمه بديع تأليفه، فيه آيات بينات أرشَدت إلى علوم وحِكمة وموعظة وآداب وأخلاق وفضائل وأحكام في العقيدة والفقه والمعاملات وما تحدثت به عن الله وعظمته وقدرته والدعوة إلى عبادته وتنزيهه عما لا يليق به وما حوته من أنباء وعبر ومواعظ وحثٍ على مكارم الأخلاق وحسن المعاملة وبيان الحلال والحرام واشتمل على قواعد وضوابط في أصول التقنين وأسس التشريع في المال والحكم والأسرة، وصدق الله جل وعلا حيث يقول:{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} (2) ، وفيه أخبار الأمم الماضية، وبيان أسس
(1) - انظر ميزان الشعر الإسلامي بحث للدكتور ناصر الخنيم منشور على صفحات مجلة الأدب الإسلامي العدد (61) 1430هـ2009م، ص21و22.
(2)
- سورة النساء (82) .
التشريع التي ترشد إلى العدل والحق والصدق والإيمان والتوحيد والحكمة والطهارة والوفاء وحسن المعاملة والابتعاد عن الحرام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة..الخ ما ورد في تلك الأحكام من الهدى والنور والأخلاق والآداب والحكم والمواعظ وما ينظم شئون الحياة ويقع بلسماً لجروحها وأدوائها في الجانب المدني والشخصي والجنائي وفي مختلف الجوانب الثقافية والاقتصادية وغيرها، ولا ريب إن في القرآن ما يبعث في الأمم الحياة والعزة والكرامة ويجلب السعادة للبشرية في الدنيا والآخرة، وصدق الله حيث يقول مخاطباً لرسوله:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (1) ، فكيف لا يأخذ الإنسان من المصحف كل يوم آيات في سفره وإقامته، يتعلم منها ويكتسب منها أدب الدنيا والدين.
حبذا مصحفي الذي اجتمعت لي
…
فيه كل الشرائط المعجباتِ
غرر من محاسن النظم فيه
…
باعتدال إلى جمال الذاتِ
فبه مفخر العنايات خط
…
ونقوش ومعجز الآياتِ
وبه حلت المشائخ والقُرّاء
…
وأهل الخلاف في الحركاتِ
مثل قالون وأبي عمر البصري
…
وحفص وحمزة الزياتِ
وبه الوقف والإمالة والفتح
…
وحكم التسهيل للهمزاتِ
وعشور منبثة كزهور
…
في رياض أنيقة غدقاتِ
(1) - سورة الشورى (52) .
فيه للسمع والقلوب واللحظ
…
ضروب شتى من الشهواتِ
فهو مما اصطنعت حقاً لنفسي
…
ابتغي به أقرب القرباتِ
وهو لا شك روضتي وعداتي
…
فيه حقاً تكاملت لذاتي
وهو أُنسي إذا عدمت أنيسي
…
وسميري الشهي في الخلواتِ
وإمامي يوم المعاد وذخري
…
في حياتي الدنيا وعند المماتِ
وكيف لا يكون القرآن الكريم أنيس المسافر، ومحاسنه لا تحصى، فهو يفيدك ويهديك ويثيبك ويغنيك، فإنك إن تلوت منه حرفاً كتبت لك به حسنة ففي الحديث النبوي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْف)(1)، ولو أن واحداً قرأ سورة الأنعام التي يقول عنها الفيروزآبادي: عدد آياتها مائة وخمس وستون آية وعدد كلماتها ثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة وعدد حروفها اثنا عشر أَلفاً ومائتان وأَربعون (2) ، لكان قد حصل قارؤها على (مائة واثنين وعشرين ألفاً وأربعمائة) حسنة خلال وقت يقرب من نصف ساعة، فكيف يترك الإنسان هذا الفضل الكبير والخير العظيم في سفره وإقامته، وقد جعل الله القرآن روحاً تحيا به نفوس الخلق فله فضل الأرواح في الأجساد وجعله نوراً يضيء ضياء الشمس في الآفاق، وقد رأيت كيف فعل القرآن بالعرب في فجر الإسلام حيث كانوا بالأمس مشتتين لا تجمعهم رابطة سياسية أو قومية أو دينية وبعد مجيء القرآن صاروا أمة موحدة تحمل الفضيلة وتحكم العالم، قال الشاعر:
والعلمُ مهما صادفَ التقوى يكنْ
…
كالريحِ إذْ مرَّتْ على الأزهارِ
يا قارئَ القرآنِ إنْ لمْ تتبعْ
…
ما جاء فيه فأينَ فضلُ القاري
وسبيلُ منْ لم يعلموا أنْ يحسنوا
…
ظنّاً بأهلِ العلمِ دونَ نفارِ (3)
وفي الذكر الحكيم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} (4) ، والموعظة هي ما جاء في القرآن من الزواجر عن الفواحش والأعمال الموجبة لسخط الله أو هي الأمر والنهي باسلوب الترغيب والترهيب، وفي القرآن شفاء لما في الصدور من أمراض الشبه والشكوك والشبهات وإزالة ما فيها من رجز ودنس، وفيه الشفاء من الأسقام البدنية والأسقام القلبية، فهو الذي يزجر عن مساوئ الأخلاق وأقبح الأعمال ويحث على التوبة، وفيه هدىً ورحمةً للمؤمنين كما قال سبحانه:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلَاّ خَسَاراً} (5)، وقال:{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} (6) ، فالهدى هو العلم بالحق والعمل به، والرحمة ما يحصل من الخير والإحسان والثواب العاجل والآجل لمن اهتدى بالقرآن العظيم، وإذا حصل
(1) - أخرجه الترمذي في سننه باب ما جاء في من قرأ حرفاً من القرآن حديث (2835) .
(2)
- بصائر ذوي التمييز ج1ص129.
(3)
- تنسب هذه الأبيات لابن الوردي.
(4)
- سورة يونس الآية (57) .
(5)
- سورة الإسراء الآية (82) .
(6)
- سورة فصلت الآية (44) .