الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فراق الصديق المتلون
قال اسحاق الموصلي: "ذكرت للعباس العلوي رجلاً فقال: دعني أتذوق طعم فراقه، فهو والله لا تشجى له النفس، ولا يدمى لفراقه الجفن". وقيل: "لا تصحب من لا يرى لك في الود مثلما ترى له". وقيل: "شغل المرء بمشتغل عنه مسقطة من العيون وإقباله على معرض عنه معرضة به لسوء الظنون"، قال الشاعر:
إذا لم يزل صاحبي يلتوي
…
فقطع قرابته أروج
مفارقة جليس السوء
أجهل الناس من استأنس بالوحدة، واستكثر من الخلوة، وقيل: اياك من العزلة فإن في ملاقاة الناس معتبراً نافعاً، ومتعضاً واسعاً، فإن البيت رمس ما لزمته، قال الشاعر:
وحدة الإنسان خير
…
من جليس السوء عنده
وجليس الخير خيرٌ
…
من جلوس المرء وحده (1)
وفاء الصديق
نعم الخل الرضي، والصديق الوفي، والجليس الذكي التقي، فمن لا وفاء له لا خلق له، وفي الأمثال السائرة: الصديق عند الضيق، وحافظ على الصديق ولو في الحريق.
(1) - محاضرات الراغب صص245.
قال ابوالعتاهية:
أُحِبُّ مِنَ الإِخوانِ كُلَّ مُؤاتِ
…
وَفِيٍّ يَغُضُّ الطَرفَ عَن عَثَراتي
يُوافِقُني في كُلِّ خَيرٍ أُريدُهُ
…
وَيَحفَظُني حَيّاً وَبَعدَ وَفاتي
وَمَن لي بِهَذا لَيتَ أَنّي أَصَبتُهُ
…
فَقاسَمتُهُ مالي مِنَ الحَسَناتِ
تَصَفَّحتُ إِخواني فَكانَ أَقَلُّهُم
…
عَلى كَثرَةِ الإِخوانِ أَهلَ ثِقاتِ
وقال اخر:
وَكُلُّ أَخٍ يَقولُ أَنا وَفِيٌّ
…
وَلَكِن لَيسَ يَفعَلُ ما يَقولُ
سِوى خِلٍّ لَهُ حَسَبٌ وَدينٌ
…
فَذاكَ لِما يَقولُ هُوَ الفَعولُ (1)
أما الشافعي رضي الله عنه فهو يقول:
إِذا لَم أَجِد خِلاً تَقِيّاً فَوِحدَتي
…
أَلَذُّ وَأَشهى مِن غَوِيٍّ أُعاشِرُه
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل إذا رزقه الله ود امرئ مسلم صحيح الوداد محافظاً عليه أن يتمسك به، ثم يوطن نفسه على صلته إن صرمه، وعلى الإقبال عليه إن صد عنه، وعلى البذل له إن حرمه، وعلى الدنو منه إذا باعده، حتى كأنه ركنٌ من أركانه، وإن من أعظم عيب المرء تلونه في الوداد، فالعاقل لا يقصر في تعهد الوداد، ولا يكون ذا لونين، وذا قلبين، بل يوافق سره علانيته، وقوله فعله، ولا خير في متآخيين ينمو بينهما الخلل ويزيد في حالهما الدغل،
قال الشاعر:
وكم من صديق وده بلسانه
…
خؤون بظهر الغيب لا يتندم
يضاحكني كرهاً لكيما أوده
…
وتتبعني منه إذا غبت أسهم (2)
(1) - هذان البيتان لحسان بن ثابت.
(2)
- روضة العقلاء ص83.