الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} (1) أي في كتاب مبين، وفي سورة النبأ:{وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً} (2)، ويرحم الله شوقي حيث يقول:
إِنَّما الأَيّامُ وَالعَيشُ كِتاب
…
كُلَّ يَومٍ فيهِ لِلعِبرَةِ باب
أما احمد بن علوان (3) فهو يقول:
أبواب أعمال سعيت لكسبها
…
وجهلت ما أحصى عليك كتاب
أعقل أفق أنفق أنب لا تكتسب
…
إلا المحاسن يجزك الوهاب
الحفيظ والمحصي من أسماء الله الحسنى
الحفيظ من أسماء الله الحسنى ورد ذكره في القرآن الكريم قال تعالى: {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} (4)، وقال تعالى:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} (5) .
(1) - الآية (12) .
(2)
- الآية (29) .
(3)
- هذه البيت ينسب لأحمد بن علوان أبو العباس صفي الدين، (665هـ/1267م) صوفي يماني متأدب من قرية يفرس (كيفرك) من ضواحي مدينة تعز، قرأ شيئاً من النحو واللغة ونظم الشعر وعمل كاتباً في بعض الدواوين السلطانية كما كان أبوه قبله، وله ديوان شعر قال صاحب الطبقات موجود في أيدي الناس وعندى منه نسخة غالبه في التصوف وأورد نماذج منه (من كلام صفي الدين بن علوان -خ) . ألف كتباً ورسائل منها (الفتوح المصونة والأسرار المخزونة-خ) تصوف في مكتبة الكاف بجامع تريم و (البحر المشكل الغريب -خ) رسالة تصوفية في مكتبة الرياض.
(4)
- سورة سبأ الآية (21) .
(5)
- سورة الشورى الآية (6) .
وقد ورد في السنة النبوية: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَاّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)(1) ، وجاء في رواية الترمذي تعداد أسماء الله الحسنى وعدَّ منها الحفيظ (2) .
والحفيظ له معنيان: أحدهما أنه يحفظ للعباد ما عملوا من خير وشر، وطاعة ومعصية، بحيث لا يفوتهم من ذلك مثقال ذرة، وحفظه لهذه الأعمال بمعنى ضبطه لها وإحصائه إياها، فهو المحيط علماً بجميع أعمالهم ظاهرها وباطنها، فهو قد كتبها في اللوح المحفوظ قبل أن يبرأها بل قبل أن يخلق السماوات والأرض، ووكل بها ملائكة حافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون، ويرحم الله ابن القيم حيث يقول:
وَهُوَ الحفِيظُ عَليهِمُ وَهُوَ الكَفِيـ
…
ـلُ بِحِفظِهِم مِن كُلِّ أمرٍ عَانِ (3)
والمعنى الثاني من معنيي الحفيظ: أنه الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون، وحفظه لخلقه عام وخاص: العام حفظه لجميع المخلوقات بتيسير لها ما يقيتها ويحفظ بنيتها فهي تمشي إلى هدايته وإلى مصالحها بإرشاده وهدايته العامة التي قال عنها: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} (4) ، أي هدى كل مخلوق لما قدر له وقضى له من ضروراته وحاجاته، كالهداية للمشرب والمأكل والمنكح والسعي في أسباب ذلك، والنوع الثاني حفظه الخاص
(1) - صحيح البخاري باب ان لله مائة اسم إلا واحد حديث (6957) .
(2)
- سنن الترمذي باب ما جاء في عقد التسبيح باليد حديث (3429) .
(3)
- انظر شرح اسماء الله الحسنى وصفاته العليا للإمام أبي بكر البيهقي وشيخ الاسلام ابن تيمية والامام ابن القيم الجوزية والعلامة محمد بن صالح العثيمين، اعتنى به وخرج أحاديثه أبو عبد الرحمن عادل بن سعد، ج1ص125، الناشر: دار ابن الهيثم القاهرة 1426هـ2005م.
(4)
- سورة طه الآية (50) .
لأوليائه حفظاً زائداً على ما تقدم يحفظهم عمّا يضر إيمانهم أو يزلزل إيقانهم من الفتن والشبهات والشهوات، ويحفظهم من أعدائهم وينصرهم عليهم قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} (1) ، وهذا عام لدفع جميع ما يضرهم في دينهم ودنياهم، فعلى حسب ما عند العبد من إيمان تكون مدافعة الله عنه بلطفه. (2) وقد جاء في حديث ابن عباس:(يَا غُلامُ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ)(3) .
وقال الحليمي: الحفيظ: معناه الموثوق به من ترك التضييع.
وقال أبو سليمان: -فيما أخبرت عنه- الحفيظ هو الحافظ فعيل بمعنى فاعل كالقدير والعليم يحفظ السماوات والأرض ومن فيها لتبقى مدة بقائها فلا تزول ولا تندثر قال تعالى: {وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} .
أما اسم الله الحافظ قال الحليمي: مَعْنَاهُ الصَّائِنُ عَبْدَهُ عَنْ أَسْبَابِ الْهَلَكَةِ فِي أُمُورِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ قَالَ: وَجَاءَ فِي الْقُرْآنِ: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا)، وَقَدْ قُرِئَ:(خَيْرٌ حِفْظًا) وَجَاءَ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَمَنْ حَفِظَ فَهُوَ حَافَظٌ وَقَالَ جَلَّ وَعَلا: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) . (4)
(1) - سورة الحج الآية (38) .
(2)
- شرح أسماء الله الحسنى للقحطاني -بتصرف يسير- ص114.
(3)
- رواه الطبراني في المعجم الكبير باب (3) ج (9) ص (331) حديث (11243)، والترمذي في سننه باب ما جاء في أواني الحوض حديث (2516) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيحه الجامع.
(4)
- انظر الأسماء والصفات للبيهقي ص90.
وقال محمد راتب النابلسي: إن لاسم الله الحفيظ معنيان: الأول: حفيظ بمعنى عليم، فالله لا ينسى كل أعمالك وأقوالك وكل مواقفك، فكل ما أنت فيه محفوظ عند الله عز وجل، المعنى الثاني: الحفيظ أي ضد التضييع أي الله عز وجل لا يضيع المؤمن بل يحفظ له عمله ويكافؤه عليه في الدنيا والآخرة. (1)
أما اسم الله المحصي فقد ورد في القرآن الكريم: {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} (2) ، أي أحصى الله كل شيء عدداً فهو المحصي لكل شيء، وفي سورة مريم يقول سبحانه وتعالى:{لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً} (3)، وقال جل شأنه:{وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً} (4) ، وورد في السنة النبوية تعداد أسماء الله الحسنى وذكر منها المحصي كما في رواية الترمذي (5) .
قال الحليمي: وَمَعْنَاهُ الْعَالِمُ بِمَقَادِيرِ الْحَوَادِثِ مَا يُحِيطُ بِهِ مِنْهَا عُلُومُ الْعِبَادِ، وَمَا لا يُحِيطُ بِهِ مِنْهَا عُلُومُهُمْ، كَالأَنْفَاسِ وَالأَرْزَاقِ وَالطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي وَالْقُرَبِ، وَعَدَدِ الْقَطْرِ وَالرَّمْلِ وَالْحَصَا وَالنَّبَاتِ وَأَصْنَافِ الْحَيَوَانِ وَالْمَوَاتِ وَعَامَّةِ الْمَوْجُودَاتِ، وَمَا يَبْقَى مِنْهَا أَوْ يَضْمَحِلُّ وَيَفْنَى. (6)
(1) - موسوعة أسماء الله الحسنى ج2ص60و61.
(2)
- سورة الجن الآية (28) .
(3)
- الآية (94) .
(4)
- سورة النبأ الآية (29) .
(5)
- سنن الترمذي باب ما جاء في عقد التسبيح باليد حديث (3429) .
(6)
- انظر الأسماء والصفات للبيهقي ص60.
وقيل: المحصي هو المحيط بكل شيء جملةً وتفصيلاً لا تخفى عليه خافية لا في الأرض ولا في السماء. وقال بعض العلماء: المحصي هو الذي بالظاهر يراقب أنفساك وبالباطن يراقب حواسك. وقيل: المحصي هو الحافظ لأعداد طاعتك العالم بجميع حالتك. (1)
قلتُ: الظاهر أن إحصاء الله يستغرق إحصاء كل شيء، فكل الكون وما فيه أحصاه الله وأحصى جميع أعمال الخلائق وأنفاسهم، فهو العليم بدقائق الأمور وبأسرار المقدور، وهو المحيط بكل شيء، العالم بكل شيء لا تخفى عليه خافية، ليس كمثله شيء وهو اللطيف الخبير، أما الإنسان فهو عاجز بعلمه أن يحصي بعض المعلومات فضلاً عن إحصاء نعم الله جل وعلا، قال تعالى:{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا} (2) .
ثمرة معرفة اسم الله الحفيظ الحافظ المحصي
إذا علم المكلف أن الله سبحانه وتعالى الحفيظ الحافظ لجميع الممكنات وأنه الذي يحفظ جميع الأشياء جملةً وتفصيلاً ويعلمها علماً لا زوال فيه ولا سهو ولا نسيان، وأنه الذي يحفظ الأرض والسماوات أن تزولا، {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَاّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ
(1) - موسوعة أسماء الله الحسنى ج2ص90.
(2)
- سورة إبراهيم الآية (34) .
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} (1) ، وأنه الذي يحفظ عباده ويكلأؤهم بالليل والنهار {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ} (2) ، وأنه على كل شيء حفيظ، وأنه يحفظ أعمال العباد ويجازيهم عليها
…
إلخ وأنه المحصي الذي يحصي الأعمال ويهيؤها بتفاصيلها ليوم الجزاء أيقن أن الله تعالى يحصي عليه كل حركاته وكل أنفاسه وكل أفعاله وكل ما تنطوي عليه نفسه من أمنيات، وجب عليه أن يؤمن بأن الله هو الحفيظ الحافظ المحصي، وسيرى عند ذلك من حفظ الله تعالى لقلبه ولدينه ما ينفعه الله به في الدنيا والآخرة، فمن عرف أن الله الحفيظ الحافظ المحصي حفظ قلبه ودينه عن سطوة الغضب والشهوة وخداع النفس وغرور الشيطان، وعمل صالحاً، لأن الله سبحانه وتعالى هو الحفيظ المحصي الذي يحفظ أعماله ويقوم بعناية الإنسان ورعايته وإثابته.
قال الشاعر:
خلقت فيهم عيوناً يبصرون بها
…
وقد خلقت بهم للسمع أذانا
لو لم تكن أنت يا رباه حافظهم
…
لم تشهد الأرض فوق الأرض إنسانا
وقال آخر:
غَدا ينادي المنادي
…
وهم إليه وفود
كل عليه حَفيظ
…
وَسائق وَشَهيد
وَحوله عَن يَمين
…
وَعَن شمال قَعيد
(1) - سورة البقرة الآية (255) .
(2)
- سورة الأنبياء الآية (42) .
يا منكر البعث هَذا...........ما كنت منه تحيد (1)
أما أبو مسلم العماني فهو يقول:
وكيف أخاف الحادثات وإنما
…
أمانك لي يا خالقي كان معقلا
وحفظك حرزي يا حفيظ وممنعي
…
فلم أختشِ من حادث الدهر موجلا
ومن علم أن الله عليم حافظ محصي حفظ أوامر الله بالامتثال ونواهيه بالاجتناب وحدوده بعدم تعديها، وبذلك يحفظ الله تعالى الإنسان في نفسه ودينه وماله وولده وفي جميع ما آتاه الله من فضله، ولا يعني الوقوع في الأمراض والأوصاب والبلايا التي قد يتبلي الله تعالى الإنسان بها في نفسه أو ماله أو ولده عدم الحفظ لأن الله قد علم ذلك وأحصاه، وسيحفظ له ثواب ذلك ويلطف به ويرزقه الصبر والرضا ويجزيه الجزاء الأوفى {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (2) . ولقد أحسن من قال:
في كل بلوى تصيب العبد عافيةً
…
إلا البلاء الذي يؤدي إلى النارِ
ذاك البلاء الذي ما فيه عافية
…
من البلاء ولا ستر من العارِ
ومن عرف هذه الأسماء حفظ الود، وأحسن العهد، وأنجز الوعد، وشعر برقابة الله عليه، وكان قوياً يقول الحق فهو يراقب الله ويخشاه، غير مغتر بعلمه ولا بسلطانه ولا بتلبيس إبليس على نفسه أو على قومه، فهو يعلم أن الله معه يسمع ويرى فهو الذي يحفظه ويحاسبه في كل الأحوال، {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ
(1) - هذه الأبيات تنسب للبرعي.
(2)
- سورة الزمر الآية (10) .