الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صنعه، فله جمال الذات، وجمال الأوصاف، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، فأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها كمال، وأفعاله كلها جميلة، فكلها حكمة ومصلحه وعدل ورحمة.
وقال الخطابي: الجميل هو المجمل المحسن، فعيل بمعنى مفعل، وقال البشيري: وقد يكون الجميل معناه ذو النور والبهجة (1) أي مالكها.
وقال القشيري أيضا: معناه معنى الجليل.
وقيل: المعنى جميل الأفعال بكم، والنظر لكم يكلفكم اليسر ويعين عليه، ويثيب عليه الجزيل ويشكر عليه، فيحب الجمال منكم، أي التجمل في قِلّة إظهار الحاجة إلى غيره، قاله أبو بكر الصوفي.
قال القرطبي قلت: فهذا الاسم من أسماء الذات ومن أسماء الأفعال، قال: ولا خلاف في إجرائه على العبد وصفاً وفعلاً، يقال منه جمل الشيء يجمل فهو جميل (2) .
ثمرة معرفة اسم الله الجميل
إذا عرف المكلف ان الله جل وعلا جميل يحب الجمال وجب عليه ان يعتقد ان الجمال كله لله سبحانه وتعالى، وان كل جمال منه وبه، ثم ان عليه ان يتجمل بالطاعات والأعمال الصالحة ويجمل باطنه كما يجمل ظاهره وذلك بتصفيته من الأوضار، كالغل والحسد والشماتة وسوء الظن إلى غير ذلك من الاعتقادات الفاسدة والبدع الضالة المضلة، فيكون قلبه موافق ظاهره فيجمل به أهله وولده ومن عاشره وخالطه، ثم ان تفضل الله على
(1) - الاسماء والصفات للبيهقي ص59.
(2)
- الاسنى في شرح اسماء الله الحسنى للقرطبي ص (292-294) .
عبد بجمال في خلقه وخُلقه ليتم عليه نعمته وفضله، فالواجب إذاً شكر ذلك للمنعم المتفضل (1) ، ولا يغتر بما وهبه الله من جمال أو يتكبر وفي السنة النبوية (إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ)(2)، وعن الأحوص الجشمي قال: راني النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي اطمار (3) فقال: (هل لك من مال؟) قلت: نعم. قال (من أي المال) قلت: من كل ما أتى الله من الإبل والشاء، قال:(فَلْتُرَ نِعْمَةُ اللَّهِ وَكَرَامَتُهُ عَلَيْكَ)(4) ، فهو سبحانه يحب ظهور اثر نعمته على عبده، فانه من الجمال الذي يحبه. وذلك من شكره على نعمه، وهو جمال باطن، فيجب ان يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة، والجمال الباطن بالشكر عليه.
ولمحبته سبحانه للجمال انزل على عباده لباساً وزينة تجمل ظاهرهم وتقوى تجمل بواطنهم فقال: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (5)، وقال في أهل الجنة:{فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً*وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً} (6) ، فجمل وجوههم بالنضرة وباطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير. وهو سبحانه
(1) - الاسنى ص (295) .
(2)
- أخرجه الترمذي في سننه باب ما جاء ان الله تعالى يحب ان حديث (2744) .
(3)
- أطمار: جمع طمر وهو الثوب الخَلق البالي.
(4)
- المعجم الكبير للطبراني باب (4) حديث (15950) .
(5)
- سورة الأعراف (26) .
(6)
- سورة الإنسان (11-12) .
كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيئة، يبغض القبيح من الأقوال والأفعال ويحب الجمال وأهله (1) .
والمؤمن يعرف الله سبحانه وتعالى بالجمال الذي لا يماثله في شيء، ويعبد الله بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق، فيجمل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، أو التطهير من النجاسة والأحداث، فيعرف الله بصفة الجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه.
قال الإمام ابن القيم: وفصل النزاع أن يقال الجمال في الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يحمد، ومنه ما يذم، ومنه ما لا يتعلق به مدح ولا ذم.
فالمحمود منه: ما كان لله، وأعان على طاعة الله، وتنفيذ أوامره والاستجابه له، كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتجمل للوفود وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه. فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه.
والمذموم منه: ما كان للدنيا والرئاسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه، فإن كثيراً من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك.
(1) - الجامع لاسماء الله الحسنى ص (68) .