الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصديق والجليس
الصديق: سمي الصديق صديقا لصدقه، وسمي الخليل خليلا لان محبته تتخلل القلب، فلا تدع فيه خللا الا ملأته. وفي الذكر الحكيم {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} (1) ، والصداقة سجية كريمة، وفضيلة عليا، وجليس الانسان صديقه وصاحبه، وهو اما ان يكون صالحا او فاسدا، ونقصد بالجليس الصالح: الصديق الفاضل المتحلي بالأخلاق الكريمة. وهو الذي ترتاح اليه النفس ويطمئن به الفؤاد وتنتعش الروح. ويقصد بجليس السوء: الصديق اوالصاحب الذي فسدت طباعه وساءت اخلاقه (2) . ويتحقق نجاح الانسان اذا احسن اختيار جليسة وصديقه فحسن اختيار الصديق والجليس فلاح ونجاح، وتوفيق وصلاح، فالصديق الصالح زينة في الرخاء، وعدة البلاء، وعون على الأعداء، فالعاقل من ألزم نفسه صحبة الأخيار وفارق مجالسة الأشرار، لأن مودة الأخيار سريع اتصالها بطيء انقطاعها، ومودة الأشرار سريع انقطاعها بطيء اتصالها، فرأس الفضائل اصطناع الأفاضل ورأس الرذائل اصطناع الأراذل، ومن حسن صفاه وجب اصطفاؤه، ومن اصطنع الكرام نسب إليه الإحسان، ومن جالس اللئام فقد الإنعام، وتفرق عنه الإخوان.
وقد روي عن الحارث بن وجيه قال: سمعت مالك بن دينار يقول: إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل الخبيص (3) مع الفجار.
(1) - سورة الزخرف آية (67)
(2)
- دليل السائلين ص 154
(3)
- الخبيص نوع من الحلوى يصنع من التمر مخلوطاً بالسمن.
وفي الحديث النبوي الشريف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)(1) .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وحدة المرء خير من جليس السوء، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما من شئ ادل على شئ، ولاالدخان على النار، من الصاحب على الصاحب،
وروى أبو حاتم: أن جعفر بن محمد قال: من كان فيه ثلاث فقد وجب له على الناس أربع: إذا خالطهم لم يظلمهم، وإذا حدثهم لم يكذبهم،
…
وإذا وعدهم لم يخلفهم، وعلى الناس: أن يظهروا عدله، وأن تكمل فيهم مروءته، وأن يجب عليهم أخوته، وأن يحرم عليهم غيبته.
قال الشاعر:
أصحب خيار الناس أين لقيتهم
…
خير الصحابة من يكون ظريفاً
والناس مثل دراهم ميزتها
…
فرأيت فيها فضة وزيوفا (2)
وفي الحديث النبوي (لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ (3)) وللإمام علي رضي الله عنه في اختيار الصديق والقرين:
هُمومُ رِجالٍ في أُمورٍ كَثيرَةٍ
…
وَهَمّي مِنَ الدُنيا صَديقٌ مُساعِدُ
يَكونُ كَروحٍ بَينَ جِسمَينِ قُسِّمَت
…
فَجِسمُهُما جِسمانِ وَالروحُ واحِدُ
(1) - أخرجه مسلم في صحيحه باب استحباب مجالسة الصالحين حديث (2628) .
(2)
- روضة العقلاء ص81.
(3)
- رواه ابو داود حديث رقم (4192)
وله أيضاً:
وَاِختَر قَرينَكَ وَاِصطَفيهِ تَفاخُراً
…
إِنَّ القَرينَ إِلى المُقارَنِ يُنسَبُ
وَإِذا الصَديقَ رَأَيتَهُ مُتقَلِّباً
…
فَهوَ العَدُوُّ وَحَقُّهُ يُتَجَنَّبُ
لا خَيرَ في وُدِّ اِمرِئٍ مُتَمَلِّقٍ
…
حُلوِ اللِسانِ وَقَلبُهُ يَتَلَّهَبُ
يَلقاكَ يَحلِفُ أَنَّهُ بِكَ واثِقٌ
…
وَإِذا تَوارى عَنكَ فَهوَ العَقرَبُ
يُعطيكَ مِن طَرَفِ اللِسانِ حَلاوَةً
…
وَيَروغُ مِنكَ كَما يَروغُ الثَعلَبُ
وللإمام الشافعي رضي الله عنه:
إِذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلا تَكَلُّفاً
…
فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا
فَفي الناسِ أَبدالٌ وَفي التَركِ راحَةٌ
…
وَفي القَلبِ صَبرٌ لِلحَبيبِ وَلَو جَفا
فَما كُلُّ مَن تَهواهُ يَهواكَ قَلبُهُ
…
وَلا كُلُّ مَن صافَيتَهُ لَكَ قَد صَفا
إِذا لَم يَكُن صَفوُ الوِدادِ طَبيعَةً
…
فَلا خَيرَ في وِدٍّ يَجيءُ تَكَلُّفا
وَلا خَيرَ في خِلٍّ يَخونُ خَليلَهُ
…
وَيَلقاهُ مِن بَعدِ المَوَدَّةِ بِالجَفا
وَيُنكِرُ عَيشاً قَد تَقادَمَ عَهدُهُ
…
وَيُظهِرُ سِرّاً كانَ بِالأَمسِ قَد خَفا
سَلامٌ عَلى الدُنيا إِذا لَم يَكُن بِها
…
صَديقٌ صَدوقٌ صادِقُ الوَعدِ مُنصِفا
وفي الذكر الحكيم: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً} (1)، وورد عن الحسن البصري في تفسير الآية قال: حلماء علماء صبّر ثبّت إن ظلموا لم يظلموا، وإن بغي عليهم لم يبغوا، قد براهم الخوف كأنهم القداح.
(1) - سورة الفرقان الآية (63) .