الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جَهُولاً} (1) يعم جميع الأمانات من حقوق الله على عباده ومن حقوق العباد بعضهم على بعض ومما يؤتمنون به، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى:{إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} (2) .
ترك الأمانة نفاق
إن لكل شيء علامة، وعلامة النفاق الخيانة، جاء في الحديث النبوي الشريف:(آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ)(3) .
الأمانة في الولايات
الأمانات في الولايات من أكبر الأمانات التي تطوق صاحبها، فمن استعمل العدل وشكر الحق، وتباعد عن ظلم الخلق؛ فقد أدى الأمانة، ومن أسعد اخوانه، وحسن مقاله، وصان نعمته، وأدى فرائضه؛ فقد أدى الأمانة، ومن غش رعيته، واتبع هواه؛ فقد خان أمانته، وفرط في ديانته، جاء في الحديث النبوي الشريف تحذير الولاة من الغش في واجباتهم:(مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَاّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)(4)، وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستشعر مسئولية أمانة الخلافة في البحث عن الأمناء والنصحاء فيقول:(أنا مسئول عن أمانتي وما أنا فيه، ومطلع على ما بحضرتي بنفسي إن شاء الله، لا أكله إلى أحد ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء وأهل النصح منكم للعامة، ولست أجعل امامي أحداً سواهم إن شاء الله)(5)، وجاء في الحديث النبوي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(من استعمل رجلا من عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين)(6) وفي رواية: (من ولي من أمر المسلمين شيئاً، فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخل جهنم)(7)، وجاء في رسالة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الأشتر رضي الله عنه: (أنظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ولا تولهم محاباة وأثرة، فإنها جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقاً، وأصح أعراضاً وأقل في المطامع إشراقاً، وأبلغ في عواقب الأمور نظراً، ثم أَسْبِغ عليهم الرزق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح
(1) - سورة الأحزاب الآية (72) .
(2)
- سورة النساء الآية (58) .
(3)
- أخرجه البخاري في صحيحه باب علامة المنافق حديث (33) ، ومسلم في صحيحه باب خصال المنافق حديث (59) .
(4)
- رواه مسلم في كتاب الإمارة باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار حديث (142) .
(5)
- انظر تأريخ الطبري ج4ص215.
(6)
- الحاكم في المستدرك، كتاب الأحكام، حديث (7023) .
(7)
- الحاكم في المستدرك، كتاب الأحكام، حديث (7024) .
أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وحجة عليهم إن خالفوا أمرك وثلموا أمانتك) ، قال أبو مسلم العماني:
أمانة الله تسطيع الأداء لها
…
إذا علمت بعون الله ما شرعا
وله أيضاً:
أحسن أمانتك التي قلدتها
…
طوق الحمامة ما تسر وما ظهر
لقد اتجرت على الذين تؤمهم
…
فاختر على الخسران ربح المتجر
قد قلدوك أمانة مضمونة
…
فاحذر ضمان مضيع كل الحذر
واعرف لهاتيك الأمانة قدرها
…
ليس الضمان بها ضماناً يغتفر
وقال المؤيد في الدين (1) :
أمَّةٌ ضَيَّعَ الأمانَةَ فِيهَا
…
شَيْخُها الخَامِل الظَّلومُ الجَهولُ
أما الشريف الرضي فهو يقول:
وَما كُلُّ مَن لَم يُعطِ نَهضاً بِعاجِزٍ
…
وَلا كُلُّ لَيثٍ خادِرٍ بِجَبانِ
وَإِنَّكَ ما اِستَرعَيتَ مِنّي سِوى فَتىً
…
ضَمومٍ عَلى رَعيِ الأَمانَةِ حانِ
حَفيظٍ إِذا ما ضَيَّعَ المَرءَ قَومُهُ
…
وَفِيٍّ إِذا ما خُوِّنَ العَضُدانِ
فتولية القوي الأمين هو مطلب أهل التقى من الصالحين، وكأنها شرط في صحة الولاية وطلبها، ولهذا حكى الله تعالى عن يوسف عليه السلام
(1) - هذا البيت للمؤيد في الدين (390 - 470 هـ / 999 - 1077 م) هبة الله بن أبي عمران موسى بن داؤد الشيرازي. ولد في شيراز، وكان باكورة أعماله اتصاله بالملك البويهي أبو كاليجار الذي أعجب به واستمع إليه، وحضر مجالس مناظرته مع العلماء من المعتزلة والزيدية والسنة. خرج المؤيد إلى مصر سنة 439. وقد كان من ألمع الشخصيات العلمية والسياسية التي أنتجها ذلك العصر، فقد كان عالماً متفوقاً، قوي الحجة في مناظراته ومناقشاته مع مخالفيه. قال عنه أبو العلاء المعري: والله لو ناظر أرستطاليس لتغلب عليه. وقد تمكن من إحداث إنقلاب عسكري على الخليفة العباسي القائم بأمر الله سنة 450 وأجبره على مغادرة البلاد ورفع راية الدولة الفاطمية فوق بغداد. ومن ذلك كله استحق لقب داعي دعاة الدولة الفاطمية.
قوله: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (1)، وقد شهدت ابنة شعيب لموسى عليه السلام بالأمانة والقوة قبل أن يكون نبياً وحكى المولى جل وعلا ذلك في كتابه فقال:{وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ* فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} (2)، وقد قال ابن عباس في تأويل (القوي الأمين) :"قوي فيما ولي وأمين فيما استودع".
قال الشاعر:
حاملُ النارِ والحديدِ قويٌّ
…
والذي يحمل الأمانة أقوى (3)
ومما لا شك فيه أن الأمانة والقوة هما الركنان المقصودان في القدرة على العمل وإدارته، والحفاظ عليه وأدائه بدون تفريط أو خلل، فالبيعة والاستفتاء والانتخاب كلها أمانة فإياك أن تضيعها فتضعها في غير أهلها، وقد جاء في محكم التنزيل: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم
(1) - سورة يوسف الآية (55) .
(2)
- سورة القصص الآيات (23-26) .
(3)
- هذا البيت ينسب لأحمد الكاشف.
بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} (1) . فالواجب على من ولي أمانة الأمة أن ينظر في أحوال الرعية وأن لا تلهيه جلبة الملك عن أداء الأمانة، قال الشاعر:
لا يَستَوي ملك تلهيه مملكة
…
وَذو ضَرائر لا يَنتابه الوسن
عار عليك عمارات مشيدة
…
وَللرعية دور كلها دِمَن
فانظر إِلَيهم فعين اللَه ناظرة
…
هم الأَمانة وَالسلطان مؤتمن (2)
أما احمد شوقي فيقول:
إِن أَنتَ أَطلَعتَ المُمَثِّلَ ناقِصاً
…
لَم تَلقَ عِندَ كَمالِهِ التَمثيلا
فَاِدعوا لَها أَهلَ الأَمانَةِ وَاِجعَلوا
…
لأولى البَصائِرِ مِنهُمُ التَفضيلا
وقد نسب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في خطبة له: (ألا وإني وجدت صلاح ما ولاني الله سبحانه وتعالى بالأمانة والأخذ بالقوة)(3) .
قلت: وفي ذلك الوصول إلى الغاية وأداء أمانة الولاية، ولا تعني القوة في الولاية العنف وعدم مراعاة الرفق، فإن الله سبحانه وتعالى يحب الرفق في الأمر كله، فمن تولى أمانات المسلمين فرفق بهم استحق دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ)(4) .
(1) - سورة النساء الآية (58) .
(2)
- هذه الأبيات لأحمد بن علوان.
(3)
- عيون الأخبار ج1ص117.
(4)
- رواه مسلم في كتاب الإمارة باب فضيلة الإمام العادل حديث (1828) .
فالراعي يجب عليه الرفق برعيته والإحسان في تدبير سياسته، فقد جاء في الحديث النبوي:(ألا كلكم راعٍ وكل راعٍ مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عن رعيته)(1) .
فالعاقل لا يأتمن ذا سلوك وضيع ولا يصطنع من فاته العقل، لأن من غش نفسه في سلوكه لا يحترز من غش غيره فلا يأمن أن يغش من حيث ينصح، أما من لا عقل له فربما أفسد من حيث يظن أنه يصلح وذلك مما يعيي توقيه ويفوت تداركه وتلافيه، وإنما يؤتمن المؤمن القوي صاحب الخلق الرضي والسلوك المرضي.
وما ضياع الأمانة في الولايات كافة إلا في تولية من لا أمانة له، وقد عد ذلك النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم من علامات الساعة حيث يقول:(إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا اسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)(2) ، وقد ذكر بعض شراح الحديث أنه ينبغي تولية أهل الأمانة والإيمان والصلاح في أمور المسلمين عموماً كالخلافة والإمارة والقضاء والإفتاء وغير ذلك فإذا ولي غيرهم فقد ضيعت الأمانة. (3)
(1) - رواه البخاري في كتاب الجمعة باب الجمعة في القرى والمدن حديث (893) ، ورواه مسلم واللفظ له في كتاب الإمارة باب فضيلة الإمام العادل حديث (1829) .
(2)
- رواه البخاري في كتاب الرقاق باب رفع الأمانة حديث (6496) .
(3)
- انظر فتح الباري للإمام ابن حجر ج11ص434.