الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشُكر
الشكر يديم النعمة، ويزيل المحنة، فتجارته رابحة، ومكاسبه فاضلة، وقد عرّف العلماء شكر الله بأنه: ظهور نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافاً، وعلى قلبه شهوداً ومحبة، وعلى جوارحه انقياداً وطاعة وقيل الشكر صرف النعم فيما خلقت له ، واستعمالها فيما شرعت لأجله.
فلسان الشاكر مشغولٌ بالثناء على ربه، معترف بنعمه، وقلبه مملوء بحب الله، وجوارحه مشغولة بطاعة الله، لهذا كان الشكر من مظاهر العبادة التي دعا إليها القرآن، قال جل شأنه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (1)، ويرحم الله علي بن الجهم حيث يقول:
إِذا جَدَّدَ اللَهُ لي نِعمَةً
…
شَكَرتُ وَلَم يَرَني جاحِداً
وَلَم يَزَلِ اللَهُ بِالعائِداتِ
…
عَلى مَن يَجودُ بِها عائِداً
فكلمة الشكر من الكلم الجوامع، لأنها تنتظم كل خير، وتشمل كل ما يصلح به قلب الإنسان ولسانه وجوارحه، فالذي لا يحب الله ولا يشهد قلبه بأن ما فيه من النعم إنما هو من الله فضلاً وإحساناً ليس بشاكر، وقد جاء في شعر محمود الوراق (2) :
إِذا كانَ شُكري نِعمَةَ اللَهِ نِعمَةً
…
عَلَيَّ لَهُ في مِثلِها يَجِبُ الشُكرُ
فَكَيفَ بلوغُ الشُكرِ إِلا بِفَضلِهِ
…
وَإِن طالَتِ الأَيّامُ وَاِتَّصَلَ العُمرُ
(1) - سورة البقرة الآية (172) .
(2)
- محمود بن حسن الوراق من الفضلاء والأدباء أكثر شعره في المواعظ والحكم مات نحو سنة 225هـ في عهد المعتصم.
إِذا مُسَّ بِالسَرّاءِ عَمَّ سُرورُها.... وَإِن مُسَّ بِالضَرّاءِ أَعقَبَها الأَجرُ
وَما مِنهُما إِلا لَهُ فيهِ نِعمَةٌ
…
تَضيقُ بِها الأَوهامُ وَالبرُّ وَالبَحرُ (1)
فمن لا يثني على ربه، ولا يحمده بلسانه؛ لم يكن شاكراً، ومن يخض في الباطل، ويشغل لسانه بلغو القول، وسمعه بلهو الحديث؛ ليس بشاكر، ومن أعطي من العلم شيئاً فكتمه ليس بشاكر، ومن بخل عن صرف المال في وجوه الخير والبر؛ ليس بشاكر، ومن لم يحافظ على النعمة بالشكر عرضها للزوال والانتقال، قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
إِذا كُنتَ في نِعمَةٍ فَاِرعَها
…
فَإِنَّ المَعاصي تُزيلُ النِعَم
وَحافِظ عَلَيها بِتَقوى الإِلَهِ
…
فَإِنَّ الإِلَهَ سَريعُ النِّقَم
فَإِن تَعطِ نَفسَكَ آمالَها
…
فَعِندَ مُناها يَحِلُّ النَدَم
فَأَينَ القُرونَ وَمَن حَولَهُم
…
تَفانوا جَميعاً وَرَبّي الحَكَم
وَكُن مُوسِراً شِئتَ أُو مُعسِراً
…
فَلا بُدَّ تَلقى بِدُنياكَ غَمّ
وَدُنياكَ بِالغَمِّ مَقرونَةٌ
…
فَلا يُقطَع العُمرُ إِلا بِهَمّ
حَلاوَةُ دُنياكَ مَسمومَةٌ
…
فَلا تَأَكُلِ الشَهدَ إِلا بِسُمّ
مُحامِدُ دُنياكَ مَذمومَةٌ
…
فَلا تَكسَب الحَمدَ إِلا بِذَم
إِذا تَمَّ أَمرٌ بَدا نَقصُهُ
…
تَوَقَّ زَوالاً إِذا قيلَ تَمّ
فَكَم آمِنٍ عاشَ في نِعمَةٍ
…
فما حَسَّ بِالفَقرِ حَتّى هَجَم
وَكَم قَدَرٍ دَبَّ في غَفلَةٍ
…
فَلَم يَشعُرِ الناسَ حَتّى هَجَم
(1) - انظر روضة الأمل ج4ص104.