الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونذهب في الحقد أو في الهوى
…
مذاهب بعد غدٍ باطلة
يغيرها دوران الزمان
…
ونقلة حالته الحائلة
وكم في هوى النفس من آفة
…
وفي غضب النفس من غائلة
ولولا النظام وسلطانه
…
قطعنا الطريق على السابلة
ولم ينفع الخلق عند الزحام
…
ولم تدفع الشيمة الفاضلة
وما أحوج الركب ركب الحياة
…
إلى ما تلهى به القافلة
فراح تقل عليه الهموم
…
وتقصر ساعاتها القاتلة
وتغنمه راحة في الفراغ
…
على تعب العيشة الشاغلة
الملك هبة الله الواحد المنان
إن الملك هبة الله ونعمته، وفضله ورحمته، فتاج الملك عفافه، وحسن سياسته، وعدله وإنصافه، وسلاحه كفايته، فمن شكر لله النعمة ظفر بمراده، وبلغ كنه رجائه، فمن حق السائس النبيل أن يسوس نفسه قبل رعيته، ويقهر هواه قبل أن يقهر أضداده، وأن لا يستغش النصيح، كي لا يستحسن القبيح، وأن يستشير النصحاء، ولا يستنكف عن أخذ أراء الصلحاء، فإن من يسأل ويسلم؛ خير ممن يستبد ويندم، فحسن السياسة يورث الاستمرار في الرئاسة، ومن قلد ذوي الفضائل والخبرة استقامت أحواله، ومن قلد ذوي الرذائل اضطربت أعماله.
وقد قيل: إن الاستقامة علة للفلاح والاستدامة، وحسن السيرة حسن القدرة، وحسن السياسة نور الرئاسة، وسوء التدبير سبب التدمير، فالجهل يزل القدم، والبغي يزيل النعم، ومن أعرض عن الحزم والاحتراس وبنى على
غير أساس زال عنه العز، واستولى عليه العجز، ومن استشار الجاهل ضل وجهل، ومن جهل موضع قدمه زل.
فالعاقل من الملوك والرؤساء من استعان على سياسته بالعلماء وأهل الرأي، وتذكر أن نعمة الملك والمال يهبها الله لمن يشاء، وينزعها ممن يشاء:{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (1) . فاذا نال العاقل ملكا في مختلف البلدان ورفرفت اعلام السعادة في البر والبحر تذكر هبة المنان وكرم الرحمن واقام شرع الله في تلك الاوطان وادرك ان ذلك فضل الله عليه وشكر المنعم على انعامه واحسانه واحسن الى رعيته واخوانه، ولله در احمد شوقي حيث يقول:
ما فَوقَ راحاتِكُم يَومَ السَماحِ يَدٌ
…
وَلا كَأَوطانِكُم في البِشرِ أَوطانُ
خَميلَةُ اللَهِ وَشَّتها (2) يَداهُ لَكُم
…
فَهَل لَها قَيِّمٌ مِنكُم وَجَنّانُ (3)
شيدوا لَها المُلكَ وَاِبنوا رُكنَ دَولَتِها
…
فَالمُلكُ غَرسٌ وَتَجديدٌ وَبُنيانُ
لَو يُرجَعُ الدَهرُ مَفقوداً لَهُ خَطَرٌ
…
لَآبَ بِالواحِدِ المَبكِيِّ ثَكلانُ
المُلكُ أَن تَعمَلوا ما اِستَطَعتُمو عَمَلاً
…
وَأَن يَبينَ عَلى الأَعمالِ إِتقانُ
المُلكُ أَن تُخرَجَ الأَموالُ ناشِطَةً
…
لِمَطلَبٍ فيهِ إِصلاحٌ وَعُمرانُ
(1) - سورة آل عمران الآيتان (26و27) .
(2)
- وَشَّتها: زخرفتها.
(3)
- جَنّانُ: بستاني.
المُلكُ تَحتَ لِسانٍ حَولَهُ أَدَبٌ
…
وَتَحتَ عَقلٍ عَلى جَنبَيهِ عِرفانُ
المُلكُ أَن تَتَلافَوا في هَوى وَطَنٍ
…
تَفَرَّقَت فيهِ أَجناسٌ وَأَديانُ
نَصيحَةٌ مِلؤُها الإِخلاصُ صادِقَةٌ
…
وَالنُصحُ خالِصُهُ دينٌ وَإيمانُ
وَالشِعرُ ما لَم يَكُن ذِكرى وَعاطِفَةً
…
أَو حِكمَةً فَهوَ تَقطيعٌ وَأَوزانُ
وَنَحنُ في الشَرقِ وَالفُصحى بَنو رَحِمٍ
…
وَنَحنُ في الجُرحِ وَالآلامِ إِخوانُ
ولله در القائل:
إن الولاية لا تدوم لواحد
…
إن كنت تنكره فإين الأول (1)
وقال آخر:
ألا ليتني لم أغن في الملك ساعة
…
ولم أكُ في اللذات أغشى النواظرِ
وكنت كذي طمرين عاش ببلغة
…
ليالي حتى زار ضنك المقابرِ (2)
فكل ملك يزول إلا ملك الله، ولله در القائل:
ليس ملكٌ يزيله الموت ملكاً
…
إنما الملك ملك من لا يموت
عدل السلطان
إذا وليتَ أمراً فاجعل العدل خلقك فيه فعمّا قليل أنت ماضٍ ومسئول عنه، قال الشاعر:
إذا كنت في أمر فكن فيه محسناً
…
فعمّا قليل أنت ماضٍ وتاركه
(1) - المحاسن والمساوئ للبيهقي ص276.
(2)
- العقد الفريد ج3ص88.
وقال أبو الفتح البُستي (1) :
عليكَ بالعَدلِ إنْ وُلِّيتَ مملكَةً
…
واحذَر مِنَ الجَورِ فيها غايَةَ الحَذَرِ
فالعدلُ يُبقيهِ أنَّى احتَلَّ من بَلَدٍ
…
والجَورُ يَفنيهِ في بَدْوٍ وفي حَضَرِ
فمن عدل في سلطانه انتفى الظلم عن أعوانه، فالظلم فساد الممالك وخرابها، ولله در القائل:
ثلاثة فيهن للملك التلف
…
الظلم والإهمال فيه والسرف
أما ابن خفاجه فهو يقول:
فَما يَستَقيمُ الأَمرُ وَالمَلكُ جائِرٌ
…
وَهَل يَستَقيمُ الظِلُّ وَالعودُ مُعوَجُّ (2)
فمن عدل في حكمه وكف عن ظلمه نصره الحق، وأطاعه الخلق، وصفت له النعمى، وأقبلت عليه الدنيا، فتهنَّا بالعيش، واستغنى عن الجيش، وملك القلوب، وأمن الحروب، وصارت طاعته فرضاً، وأضحت رعيته جنداً، وإن أول العدل أن يبدأ المرء بنفسه، فيلزمها كل خلة زكية، وخصلة رضية، ومذهب سديد، ومكسب حميد، ليسلم عاجلاً، ويسعد آجلاً، وأول الجور أن يعمد إليها فيجنبها الخير، ويعودها الشر، ويكسبها الآثام، ويعقبها المذام، فيعظم وزرها، ويقبح ذكرها.
(1) - علي بن محمد بن الحسين بن يوسف بن محمد بن عبد العزيز البستي، (400هـ1010م) ، ولد في بست (قرب سجستان) وإليها ينسب، وكان من كتاب الدولة السامانية في خراسان وارتفعت مكانته عند الأمير سبكتكين، وخدم ابنه يمين الدولة السلطان محمود بن سبكتكين ثم أخرجه هذا إلى ما وراء النهر فمات غريباً في بلدة (أوزجند) ببخارى، له (ديوان شعر - ط) صغير، فيه بعض شعره، وفي كتب الأدب كثير من نظمه غير مدون، وهو صاحب القصيدة المشهورة التي مطلعها:(زيادة المرء في دنياه نقصان) .
(2)
- ديوان ابن خفاجه ج3ص369، وهو/ إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله بن خفاجة الجعواري الأندلسي، (450-533هـ/1058-1138م) ، شاعر غَزِل، من الكتاب البلغاء، غلب على شعره وصف الرياض ومناظر الطبيعة. وهو من أهل جزيرة شقر من أعمال بلنسية في شرقي الأندلس.
وقد نسب إلى بعض الحكماء: من بدأ بنفسه فساسها أدرك سياسة الناس، فمن أصلح نفسه صلح أمره وكان الناس تبعاً له.
وفي الحديث النبوي: (من أصلح ما بينه وبين الله كفاه الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته)(1) .
الرفق والكرم في السياسة
إن سياسة الناس بالرفق والحزم والبذل والسخاء دليلٌ على الكياسة والذكاء، وفي محاضرات الأدباء لأبي معاذ قال: قال أنو شروان: إن هذا الأمر لا يصلح له إلا اللين في غير ضعف، والشدة في غير عنف، ودخل أبو معاذ على المتوكل حين استخلف فأنشده:
إذا كنت مول الناس أهل سياسة
…
فسوسوا كرام الناس بالرفق والبذل
وفي الحديث: (إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَاّ زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَاّ شَانَهُ)(2)، وفي رواية لمسلم:(إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ)(3) .
(1) - أخرجه ابن أبي شيبه في مصنفه ج7ص217 حديث (35472) .
(2)
- أخرجه مسلم في صحيحه باب فضل الرفق حديث (2594) ، وأبو داود في سننه باب الرفق حديث (4808) .
(3)
- أخرجه مسلم في صحيحه باب فضل الرفق حديث (2593) .