الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السفر فيه قضاء الحوائج
السفر فيه قضاء الحوائج والحصول على الرغائب وصلة الأرحام والتفكر فيما خلق الله من النبات والأنعام، والاستمتاع بنعم الله الجليل المنان، والاستفادة من الراحة في غير سذاجة ولا غاغة، والاتعاظ والاعتبار بسنن الله القوي الجبار، قال تعالى:{قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِى الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَاّ يُؤْمِنُونَ} (1)، وقال جل شأنه:{قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (2)، وقال تعالى:{فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} (3) .
آيات تدعوك إلى التنقل والتدبر وإلى الأسفار والسياحة والتفكر، لتكون كالماء السائح الطاهر لا كالماء الساكن الفاسد، قال شاعر:
تغرب فالتغرب فيه نفعٌ
…
وشرق إن بريقك قد شرقنا (4)
إن تفريغ الرئتين مما علق بهما من غبار الزحام وغبار المركبات وتلوث الهواء لا يمكن إلا بفسحة أو نزهة في طبيعة ذات نسيم عذب، وهدرة ماءٍ رقراق، وحلة ندية خضراء، بعيدٌ عن السفه والمجون، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ
(1) - سورة يونس الآية (101) .
(2)
- سورة العنكبوت الآية (20) .
(3)
- سورة التوبة الآية (2) .
(4)
- عيون الأمل ص80.
النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (1) .
التغيير بالسفر يكسر (الروتين) وينقي الفكر
كل منا يحتاج إلى التغيير والتنويع حتى يعيش حياته مفعماً بالآمال، طامحاًً إلى النجاح فيها والانتصار لا يريد أن يعيشها على نسق واحد مملوءة بالضجر والملل، يذهب إلى عمله في وقت محدد وتمضي ساعات العمل على وتيرة واحدة في كل يوم ثم يعود في وقت محدد وهكذا دواليك يكرر كل يوم ما فعل في الأمس حتى يمل عمله أو يكون عاطلاً فتقتله البطالة والفراغ ولا يستغل فراغه فيما يطور به إنتاجه ويجدد به حياته، أو يتنقل ليتعلّم مما يراه كيف يكون إنساناً مبدعاً يعتمد على الرحمن ويبتعد عن الأوهام، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ)(2) .
إن العمر الذي يسير على نسق واحد هو عمر ميت لا طائل منه يعيش، صاحبه مسجوناً في (روتينه) في زمانه ومكانه، فإما أن يقل إنتاجه أو يمل عمله ويشعر أخيراً بأنه معطل العقل والروح فهو كآلة يؤدي عمله من غير إحساس أو شعور دون أن يسعى إلى التجديد والتنويع بين الحين والحين فينظر في هذا الكون الرحيب ليزيل ما اعترى نفسه من أزمات وآهات
(1) - سورة الأنعام الآية (99) .
(2)
- أخرجه البخاري في صحيحه باب لا عيش إلا عيش الآخرة حديث (5933) .
تكبت طاقته وتقتل مواهبه، فمن حبس عقله في نمط واحد من التفكير أصابته البلاهة وانقبض قلبه فقتل حينئذٍ نبضاته أو تتبلد مشاعره وتكثر آهاته فيغفل عن حياته الدينية والدنيوية.
وفي الحديث النبوي الشريف الذي رواه مسلم: (وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً)(1)، وفي رواية:(روحوا القلوب ساعةً فساعة)(2) .
فالحياة جميلة بتنوعها مملة (بروتينها) لا تستبين معانيها إلا بوجود الأضداد وباختلاف الأزمنة والأمكنة، قال الشاعر:
تجمعن من شتى ثلاث وأربع
…
وواحدة حتى كملن ثمانيا
سليمى وسلمى والرباب وأختها
…
وسعدى ولبنى والمنى وقطانيا
فالسعادة التي ينشدها كل إنسان متوقفة على ما يدخل عقله من أفكار، فإذا استقبل ما صح وجمل من الأفكار واستبعد ما غلظ وقبح منها نال السعادة وفي الذكر الحكيم:{إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (3) .
فسبحان من غاير بين المخلوقات لتتجدد حياة الإنسان في مختلف الأوقات فقال سبحانه: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} (4) ،
…
وقال جل شأنه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ
(1) - أخرجه مسلم في صحيحه باب فضل دوام الذكر حديث (4937) .
(2)
- أخرجه الديلمي في المسند حديث (3181) .
(3)
- سورة الرعد الآية (11) .
(4)
- سورة الزمر الآية (5) .
يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (1) .
فسلامة التفكير تجلب السعادة والسلامة، فأنت الذي تلون حياتك بمنظارك الخاص، فإذا استجلبت فكراً خبيثاً أسود لا بد أن يشقيك، وإذا استجلبت فكراً صالحاً نيراً فسيحولك إلى إنسان سعيد وديع، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما:(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ: لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: قُلْتُ: طَهُورٌ كَلَاّ بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: فَنَعَمْ إِذًا)(2) أي فلتكن إذاً كما وصفتها طالما يلفك اليأس ويغذي فكرك السخط والتذمر، إنها حقيقة يؤكدها علماء النفس والتربية فهم يتفقون على أن معظم الأمراض النفسية الناجمة عن ضغوط الحياة وأحداثها إنما هي في الأصل ناتجة لأنماط خطأ في التفكير (3)، وإن الفكر السليم يأتي في النظر والتفكر في خلق السماوات والأرض وفي الذكر الحكيم: {إِنَّ فِي خَلْقِ
(1) - سورة القصص الآيات (71-73) .
(2)
- أخرجه البخاري في صحيحه باب علامة النبوة في الإسلام حديث (3347) .
(3)
- عيون الأمل ص76.