الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اختيار الوزراء
إن حسن اختيار الوزراء دليل توفيق الولاة، لأن بهم يدير ولاة الأمر دولتهم، وتستقيم أمورهم، ففي اختيار أهل القوة والأمانة، والمعرفة والاستقامة، صلاح الأحوال واستقامتها.
ألا ترى أن موسى عليه السلام سأل ربه أن يجعل له وزيراً من أهله، قال تعالى حكايةً عن موسى عليه السلام:{وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} (1)، وهذا يوسف عليه السلام حكا الله عنه قوله لملك مصر بعد ان قال له:{إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (2) .
وقديماً قيل: "من استوزر غير كفءٍ خاطر بملكه، ومن استشار غير أمين أعان على هلكه"، فلا يغرنك كبير الجسم من صغيره في المعرفة والعلم، ولا طول القامة فيمن قصر في الكفاية والاستقامة، فإن الدرة في صغرها أنفع من الصخرة في كبرها، واعلم أن الأيدي بأصابعها، والملوك بصنائعها، فإن وزير الملك عينه، وأمينه أذنه، وكاتبه نطقه، وحاجبه خلقه، ورسوله عقله، فإذا ولى الكفؤ الذي يحسن، ويعلم بواطن الأمور وظواهرها، ويعرف موارد الأعمال ومصادرها؛ ظفر بالمراد، فالوزراء أركان الملك وحصون الدولة، فبهم تجمع الأموال، ويقوى السلطان، وتعمر البلدان، فإن استقاموا استقامت الأمور، وإن اضطربوا اضطربت الأمور، وصار الملك بتسويد أهل الجهل مذموماً، حاله حال من حكى الله عنهم على لسان ملكة اليمن:{قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} (3) .
(1) - سورة طه الآيات (28-32) .
(2)
- سورة يوسف الآيات (54و55) .
(3)
- سورة النمل الآيات (34) .
فلا يغرك اختلاف المسميات، فالملك هو من ملك إدارة شئون الأمة، وملك إصدار قرار تعيين الوزراء والولاة وعزلهم، سواءً كان شكل النظام ملكياً أو جمهورياً، فالمسئولية ملقاة على عاتق من يملكون القرار، فإن سودوا أهل الفضل والمعرفة والكفاءة سادوا ودامت رئاستهم، واستقامت ممالكهم، وإن فسد وزراؤهم فسدت ممالكهم، وذهب ملكهم، واضطرب أمرهم، وسادت الفوضى بلدانهم، وعم الفساد ممالكهم، وقد جاء في شعر الأفوه الأودي (1) :
البيت لا يبتني إلا على عمد
…
ولا عماد إذا لم ترس أوتادُ
فإن تجمع أوتاد وأعمدة
…
وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
…
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
إذا تولى سراة القوم أمرهم
…
نما على ذاك أمر القوم وازدادوا
تلقى الأمور بأهل الرأي قدصلحت
…
وإن تولت فبالأشرار تنقادُ
كيف الرشاد إذا ما كنت في نفر
…
لهم عن الرشد أغلال وأقيادُ (2)
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه)(3) .
(1) - صَلاءة بن عمرو بن مالك، أبو ربيعة، من بني أود، من مذحج، شاعر يماني جاهلي، لقب بالأفوه لأنه كان غليظ الشفتين ظاهر الأسنان، كان سيد قومه وقائدهم في حروبهم وهو أحد الحكماء والشعراء في عصره.
(2)
- انظر: الأمالي لعلي بن إسماعيل القالي ج2ص225 ، منشورات دار الآفاق الحديثة بيروت، والعقد الفريد ج1ص11، وروضة العقلاء ص433.
(3)
- رواه أبو داود في سننه كتاب الفيء والإمارة باب اتخاذ الوزير، حديث (2932) .
ولله در القائل:
فكلكم راعٍ ونحن رعية
…
وكل سيلقى ربه فيحاسبه (1)
فولي الأمر يجب عليه أن يتحرى العدل في اختيار الوزراء والولاة، قال الأخطل (2) :
تسمو العيون إلى إمام عادل
…
معطي المهابة نافع ضرارِ
وترى عليه إذا العيون لمحنه
…
سيم الحليم وهيبة الجبار (3)
ويرحم الله أبا العتاهية حيث يقول:
يا مَن تَرَفَّعَ باِلدُنيا وَطينَتِها
…
لَيسَ التَرَفُّعُ رَفعَ الطينِ بِالطينِ
إذا أردت شريف القوم كلهم
…
فانظر إلى ملك في زي مسكينِ
ذاك الذي عظمت في الناس حرمته
…
وذاك يصلح للدنيا وللدين
أما الحسن بن هاني فهو يقول:
إِمامٌ عَلَيهِ هَيبَةٌ وَمَحَبَّةٌ
…
أَلا حَبَّذا ذاكَ المُهيبُ المُحَبَّبُ
وقد قيل: من صحب السلطان فلا يجب أن يكتمه نصيحته، لأن من كتم السلطان نصيحته، والأطباء مرضه، والاخوان بثه؛ فقد خان نفسه، فمن يصحب السلطان لا ينحو من الآثام، كما أن راكب العجل لا يأمن
(1) - هذا البيت لابن سلام الجمحي، وانظر: طبقات فحول الشعراء ج1ص363 ، والموسوعة الشعرية ص520.
(2)
- غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة بن عمرو، أبو مالك، من بني تغلب، شاعر مصقول الألفاظ، حسن الديباجة، في شعره إبداع. اشتهر في عهد بني أمية بالشام، وأكثر من مدح ملوكهم. وهو أحد الثلاثة المتفق على أنهم أشعر أهل عصرهم: جرير والفرزدق والأخطل، نشأ على المسيحية في أطراف الحيرة بالعراق واتصل بالأمويين فكان شاعرهم، وتهاجى مع جرير والفرزدق، فتناقل الرواة شعره.
(3)
- انظر: ديوان الأخطل ص149 ، والعقد الفريد ج1ص38.