الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأمانة
الأمانة: هي كل مايؤمن عليه المرء من امر ونهي، وشأن من دين ودنيا، وهي خلق من اخلاق المسلم الاصلية التي تنبع من عقيدته، وتدل على صدق اتجاهه وشرف غايته. وبمعناها الحقيقي في نظر المسلم صفة نفسية تملي على صاحبهاسلوكا لايتبدل ازاء ما يعهد اليه القيام به، وكل ما يلتزمه ويتحمل مسؤليته، وتشمل حياة الانسان كلها (1) . وفي الذكر الحكيم {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} (2) ، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (3)
فالأمانة من الفضائل الإنسانية، والخلال التي تستقيم بها أحوال البشرية، فالإنسان ملزم بالتحلي بها، فهي من الفضائل الخلقية التي تدعو إليها الفطرة السليمة، وهي من جملة الالتزامات التي يطالب بها الإنسان لاشتمالها على التكليف الشرعي والالتزام الأخلاقي والقانوني، فالشرائع السماوية والنظم الوضعية تتفق على اعتبارها من الالتزامات الخلقية التي يسأل المكلف عنها ويحاسب على تضييعها، وتأتي في رأس جدول الأعمال الحسنة والأخلاق الفاضلة في جميع المجتمعات ذات الديانات السماوية وغيرها، وحتى في العصر الجاهلي الذي كان يحوي دنايا ورذائل، فإنه رغم ذلك كان يحوي بعض خلال مكارم الأخلاق التي جاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليؤكدها ويتممها كما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله:(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وفي لفظ: (صالح الأخلاق)(4) ، ولا يزال أهل الفضل من الناس يثنون عليها في مختلف البلدان في كل زمان ومكان، وقد أشاد المجتمع العربي بالأمانة ورفع مكانة الأمين والأمناء في الجاهلية والإسلام، وجعلها من الصفات الرئيسة التي يسوّد بها، وأكبر شاهدٍ على ذلك ما ورد في آثار العرب وقصصهم وأخبارهم وأمثالهم، ومن ذلك قول لبيد:
وَإِذا الأَمانَةُ قُسِّمَت في مَعشَرٍ
…
أَوفى بِأَوفَرِ حَظِّنا قَسّامُها (5)
وقول زهير:
وَحِفظي لِلأَمانَةِ وَاِصطِباري
…
عَلى ما كانَ مِن رَيبِ الزَمانِ
أما النابغة فهو يقول:
سأرعى كلما استودعت جهدي
…
وقد يرعى أمانته الأمين (6)
وقد ضرب العرب بوفاء السموأل (7) الأمثال ما ذلك إلا لأنه ضحى بابنه من أجل الوفاء بحفظ الأمانة، فقيل:"أوفى من السموأل".
قصة السموأل
ذكر الميداني: أن امرئ القيس لما أراد الخروج إلى قيصر استودع السموأل دروعاً فلما مات امرئ القيس غزى ملك من ملوك الشام فتحرز
(1) - دليل السائلين ص 59
(2)
- سورة ال عمران آية (75)
(3)
- سورة النساء أية (58)
(4)
- أخرجه البيهقي في سننه الكبرى باب بيان مكارم الأخلاق حديث (20571) .
(5)
- ديوان لبيد ص180.
(6)
- ديوان النابغة ص162.
(7)
- هو السموأل بن غريظ بن عاديا الأزدي شاعر جاهلي يهودي من سكان خيبر.
منه السموأل فأخذ الملك ابناً له وكان خارجاً من الحصن فصاح الملك بالسموأل، فأشرف عليه فقال: هذا ابنك في يدي وقد علمت أن امرئ القيس ابن عمي ومن عشيرتي وأنا أحق بميراثه فإن دفعت إليَّ الدروع وإلا ذبحت ابنك، فقال: أجّلني، فأجله فجمع أهل بيته ونساءه وشاورهم فكل أشاره أن يدفع الدروع ويستنقذ ابنه فلما أصبح أشرف عليه، وقال: ليس إلى دفع الدروع سبيل فاصنع ما أنت صانع، فذبح الملك ابنه وهو مشرف ينظر إليه، ثم انصرف الملك بالخيبة، فوافى السموأل بالدروع الموسم فدفعها إلى ورثة امرئ القيس وقال في ذلك:
وَفَيتُ بِأَدرُعِ الكِندِيِّ إِنّي
…
إِذا ما خانَ أَقوامٌ وَفَيتُ
وَقالوا: إِنَّهُ كَنزٌ رَغيبٌ
…
فَلا وَاللَهِ أَغدِرُ ما مَشَيتُ (1)
وإلى ذلك يشير الأعشى حيث يقول:
كُن كَالسَمَوأَلِ إِذ سارَ الهُمامُ لَهُ
…
في جَحفَلٍ كَسَوادِ اللَيلِ جَرّارِ
إلى أن قال:
وَقالَ: لا أَشتَري عاراً بِمَكرُمَةٍ
…
فَاِختارَ مَكرُمَةَ الدُنيا عَلى العارِ
وَالصَبرُ مِنهُ قَديماً شيمَةٌ خُلُقٌ
…
وَزَندُهُ في الوَفاءِ الثاقِبُ الواري
ولقد كان العرب في الجاهلية يفاخرون بالأمانة وينتصرون لها، ولقد انتصر العرب في حربهم ضد الفرس في يوم ذي قار في القصة المشهورة حينما رفض هاني بن مسعود الشيباني تسليم ما استودع من الدروع فاجتمع العرب وقاتلوا الفرس وانتصروا وكان ذلك مفخرة لهم، والقصة
(1) - مجمع الأمثال للميداني ص374.
مبسوطة في كتب التأريخ، لا داعي لذكر تفاصيلها نظراً لشهرتها، ومن أراد التوسع فليرجع إلى مظانها من كتب التأريخ (1) .
وقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قومه من أول نشأته متحليياً بالأمانة، واشتهر بها، وفي ذلك يقول عمه أبو طالب موضحاً لأمانة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومصدقاً وشاهداً له بها:
إن الأمين محمداً في قومه
…
عندي يفوق منازل الأولاد (2)
ويقول:
ولقد علمت بأن دين محمد
…
من خير أديان البرية دينا (3)
أما أحمد شوقي فهو يقول واصفاً لأمانة محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ومنكراً على من أنكروا نبوئته بقوله:
لَقَّبتُموهُ أَمينَ القَومِ في صِغَرٍ
…
وَما الأَمينُ عَلى قَولٍ بِمُتَّهَمِ
فالأمانة والثقة أساس المعاملات، والأمانة خلق قويم ودين مستقيم؛ دعا الإسلام إليها، وحث عليها، وكيف تستقيم أحوال البشرية بدون أدائها والحفاظ عليها؟
(1) - انظر: تأريخ الطبري لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق مصطفى السيد وطارق سالم، ج2 من ص193 إلى ص213 ، المكتبة التوفيقية القاهرة مصر، والكامل في التأريخ للإمام العلامة عمدة المؤرخين أبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري الملقب بعز الدين، المتوفى 630هـ، ج1ص (436-443) ، الناشر دار الفكر 1398م ، ومعجم البلدان ج4ص333وما بعدها.
(2)
- ديوان أبي طالب جمعه وعلق عليه عبد الحق العاني ص108.
(3)
- ديوان أبي طالب جمعه وعلق عليه عبد الحق العاني ص108.
قال الشاعر:
وإنني لأرى من لا حياء له ولا
…
أمانة وسط القوم عريانا (1)
وقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحث على الأمانة بمفهومها الواسع؛ فهي تشمل الدين كله عبادات ومعاملات، وفضائل خلقية واجتماعية، وهذا المفهوم تميز به الدين الإسلامي الحنيف، وجاء في الذكر الحكيم:{إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} (2) .
فمن حافظ على الأمانة سلم، ومن أدّاها غنم، فإذا طلبت الخير فاطلبه في أداء الأمانة، وإذا عملت البر فتحر فيه أداء الأمانة، وإذا أردت العز فالزم في سلوكك الأمانة، وأدِّ في مسئوليتك الأمانة، وتعامل مع أهل الصدق والأمانة تفز بفضل الله ورضوانه، فمن لزم الأمانة صلحت أعماله، واستقامت أحواله، واحتاط لنفسه، ومن أدى الأمانة أطاع ربه وصلح أمره، وكان بعيبه بصيراً، ولم تفسد الشهوة دينه، ولم تزل الشبهة يقينه، وفي الأمانة حفظ للكرامة، وأساس للتقوى، وحرز يقي الانزلاق في المعاصي، ويبعد الإنسان عن المخازي، فالزم الأمانة تلزمك الاستقامة، فمن ضيع الأمانة ضاع، وسقط في وحل الخيانة، فلا تتضجر من حفظها وأدائها، ولا تفرط فيها تفرط في حق نفسك، فإن من زرع خيراً حصد أجراً، واستفاد شكراً، ومن وقع في الخيانة عرض نفسه للمهانة، ومن ضيع ذمة اكتسب مذمة.
(1) - ورد هذا البيت في الموسوعة الشعرية ص162 من غير نسبة إلى شاعر معين وأورده الماوردي أيضا في أدب الدنيا والدين ص258.
(2)
- سورة الأحزاب الآية (72) .