المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الأمانة الأمانة: هي كل مايؤمن عليه المرء من امر ونهي، وشأن - صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال - جـ ١

[حسين بن محمد المهدي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأولالعِلْم

- ‌العلم هو إدراك الشيء بحقيقته

- ‌بقاء العلم

- ‌العلم عون الدين

- ‌العلم يرفع الله به الوضيع

- ‌العلم عنوان العز

- ‌أشرف العلوم

- ‌مبادئ العلوم

- ‌الجد في طلب العلم

- ‌محبة العلم

- ‌تكريم المعلم

- ‌المعلم الذي لا يؤدي واجبه

- ‌المعلم الذي يخالف علمه عمله

- ‌ترك المعاصي سبب في حفظ العلوم وجمعها

- ‌إنفاق العلم وعدم جواز كتمه

- ‌القصة في الحديث النبوي

- ‌الجهل يضاد العلم

- ‌العليم الخبير في أسماء الله الحسنى

- ‌علم الله جل وعلا علم تفرده به

- ‌ثمرة معرفة اسم الله تعالى العليم الخبير

- ‌دعاء الله باسمه العالم العليم

- ‌الفصل الثانيالعَقْل

- ‌العقل

- ‌العقل والهوى متعاديان

- ‌عداوة العاقل خير من صداقة الأحمق

- ‌العقل مناط التدبر وطريق الهدى والرشاد

- ‌العقل نوعان: مطبوع ومسموع

- ‌الإنكار على من لم يُعمِل عقله

- ‌التجارب تزيد في العقل

- ‌الأدب النفسي ودوره في تنمية العقل

- ‌كمال العقل

- ‌القصة

- ‌العقل يرشد الى توحيد الله

- ‌اسم الله دال على جميع الاسماء الحسنى

- ‌ثمرة معرفة اسم الله الجامع للاسماء الحسنى

- ‌دعاء الله باسمه الجامع للاسماء الحسنى

- ‌الفصل الثالثالإنسانية أصلها واحد

- ‌الإنسانية أصلها واحد

- ‌القصة

- ‌الإسلام يدعو إلى الأخوة والتعاون

- ‌مبدأ الوحدة الإنسانية والمساواة البشرية

- ‌نجاح الأفراد والأمم وأثر الاتفاق والاختلاف على الأسرة الإنسانية

- ‌مراحل نمو خَلق الإنسان تدل على أن الله وحده الخالق المنان

- ‌الخالق في أسماء الله الحسنى

- ‌ثمرة معرفة اسم الله الخالق وحده لا شريك له

- ‌دعاء الله باسمه الخالق

- ‌الفصل الرابعالقلم

- ‌القلم

- ‌القلم تحيا به الأمم وتتعلّم

- ‌دور القلم في سعادة الأمم وشقاؤها

- ‌القلم الالكتروني

- ‌الكتابة الإلكترونية: ماهيتها وطبيعتها

- ‌القوة الثبوتية للكتابة الالكترونية

- ‌تسمية ما يكتب فيه عند العرب

- ‌الكَتبُ إنشاؤه وزبره

- ‌السطر

- ‌الكتاب عرضه وحفظه

- ‌الحفيظ والمحصي من أسماء الله الحسنى

- ‌دعاء الله باسمه الحفيظ الحافظ المحصي

- ‌الفصل الخامسالإيمان

- ‌الإيمان

- ‌النجاة في الإيمان بالله

- ‌الرفعة بالإيمان

- ‌الإيمان بالقضاء والقدر

- ‌القدر في القرآن

- ‌الرضا والتسليم دليل الإيمان

- ‌قصة إيمان أهل الكهف في القرآن

- ‌الإيمان بالله يزيل الهم

- ‌من يؤمن بالله يهدي قلبه

- ‌الخلال الدنيئة ليست من صفات المؤمن

- ‌النفاق يضاد الإيمان

- ‌الإيمان بالغيب

- ‌علم الفلك والنجوم

- ‌الإيمان بأسماء الله وصفاته

- ‌الذكر يقوي الإيمان

- ‌ذكر الله في جوف الليل

- ‌ذكر الله شرف ونعمة

- ‌الدعاء يقوي الإيمان

- ‌من تقرب إلى الله بالدعاء ضمن الإجابة

- ‌المؤمن من أسماء الله الحسنى

- ‌ثمرة التعرف على اسم الله المؤمن

- ‌الفصل السادسالعمل

- ‌العمل

- ‌العمل سبب الغنى

- ‌البكور في طلب الرزق

- ‌الحرفة أو الصنعة ضرورة

- ‌إتقان العمل

- ‌البحث عن العمل

- ‌القصة

- ‌إعطاء العامل أجره

- ‌إعطاء العامل حظه من الراحة

- ‌بعث الهمم على العمل

- ‌الباعث في أسماء الله الحسنى

- ‌ثمرة معرفة اسم الله الباعث

- ‌الدعاء باسم الله الباعث

- ‌الفصل السابعالسفر والسياحة

- ‌السفر والسياحة

- ‌حقيقة السفر

- ‌السفر فيه قضاء الحوائج

- ‌علاج (الروتين) الممل

- ‌تأكد من قدرتك الصحية على السفر

- ‌آداب السفر

- ‌الابتسامة والبهجة في السفر

- ‌ثلاث نصائح أسديها إليك فلا تنساها في سفرك وحضرك:

- ‌الاستمتاع بالسفر والسياحة لا يعني السقوط في الوحل

- ‌حاجة المسافر إلى قراءة شيء من القرآن في أسفاره

- ‌المشي يعين على الطاعة ويجلب السعادة

- ‌العز والشرف في التنقل

- ‌أخطار السفر في هذا الزمن قليلة فتمتع بنعمته الكبيرة

- ‌الطائرات السابحات في الجو

- ‌السفر يهدي إلى التعرف على عظمة الصانع جلت قدرته

- ‌الهادي من أسماء الله الحسنى

- ‌ثمرة معرفة اسم الله الهادي

- ‌دعاء الله باسمه الهادي

- ‌الفصل الثامنالحرية والإباء

- ‌الحرية والإباء

- ‌الحرية التي ليس عليها ضوابط

- ‌الحرية ليس لها ثمن

- ‌لوم الحر نجاة له

- ‌الحر لا يريق ماء وجهه

- ‌الحر يأبى الذل والهوان

- ‌الحر يحفظ الود

- ‌فقد الحر رزيئة

- ‌الفصل التاسعالوطن

- ‌الوطن

- ‌حب الوطن ووصفه

- ‌دعائم المواطنه

- ‌وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه،وأن النصر للمظلوم

- ‌خيانة الأوطان جناية

- ‌مرارة الغربة عن الأوطان

- ‌وطن العرب والمسلمين واحد

- ‌خصوصية الوطن الأول

- ‌في الانتقال عن الأوطان

- ‌الفصل العاشرالمال

- ‌المال

- ‌حب المال

- ‌إنفاق المال في وجوه البر

- ‌لا تبخل عن بذل المال

- ‌فتنة المال وميل الناس إلى صاحبه

- ‌ذهاب المال

- ‌الغنى والفقر

- ‌ثمرة معرفة اسم الله الغني المغني الرزاق

- ‌دعاء الله بأسمه الغني المغني الرزاق

- ‌الفصل الحادي عشرالمُلك والسياسة

- ‌المُلك والسياسة

- ‌الملك هبة الله الواحد المنان

- ‌اختيار الوزراء

- ‌مما يستعان به على السياسة

- ‌وملاك الأمر في هذا كله تقوى الله والرجوع إليه

- ‌فساد بطانة السلطان

- ‌السياسة الرعناء

- ‌خساسة السياسة

- ‌السياسة الرشيدة والملك المحبوب

- ‌طاعة السلطان

- ‌المَلِك مالك المُلك والمليك في الأسماء الحسنى

- ‌ثمرة معرفة اسمه جل وعلا الملك

- ‌دعاء الله باسمه الملك والمَالِك ملك الملُك

- ‌الفصل الثاني عشرالشُكر

- ‌الشُكر

- ‌استدامة النعمة بالشكر

- ‌شكر الخالق واجب

- ‌من شكر الله شكر الناس

- ‌الشكر فيه الزيادة

- ‌الشكر أمان من العذاب

- ‌جحود النعمة والإعراض عن الشكر سبب في الهلاك

- ‌الشكور الشاكر من أسماء الله الحسنى

- ‌ثمرة معرفة هذا الاسم

- ‌الفصل الثالث عشرالكِبر

- ‌الكِبر

- ‌الكِبر يغضب الجبار، ويكون سبباً في دخول النار

- ‌المتكبرون شرار الناس

- ‌الكِبر بطر الحق

- ‌أسباب الكبر

- ‌قصه للأحنف بن قيس

- ‌الكبير والمتكبر في أسماء الله الحسنى

- ‌ثمرة معرفة اسم الله الكبير المتكبر

- ‌دعاء الله باسمه الكبير المتكبر

- ‌الفصل الرابع عشرالتواضع

- ‌التواضع

- ‌حقيقة التواضع وفضيلته

- ‌التواضع فريضة، والعُجب رذيلة

- ‌قصة لهارون الرشيد مع اللأمام مالك

- ‌الفصل الخامس عشرالحُب

- ‌الحُب

- ‌مفردات الحب

- ‌ضرورة الحب وحاجة الناس إليه

- ‌امنح الثقات محبتك

- ‌الحب وآدابه

- ‌آفات الحب

- ‌الحب زينة الحياة

- ‌حب الجمال نعمة

- ‌حب الله

- ‌محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر محبةً له ولأهل بيته

- ‌محبة المؤمنين

- ‌محبة الله لعبده أعظم نعمة

- ‌الفرق بين الحب والود

- ‌الودود من اسماء الله الحسنى

- ‌ثمرة معرفة اسم الله الودود

- ‌الفصل السادس عشرالجمال

- ‌الجمال

- ‌جمال الإنسان

- ‌جمال الكون

- ‌الجميل في أسماء الله الحسنى

- ‌ثمرة معرفة اسم الله الجميل

- ‌دعاء الله باسمه الجميل الجليل

- ‌الفصل السابع عشرالحَسَدُ

- ‌الحسد

- ‌الحاسد جاحد

- ‌الحسد خطير وعلاجه عسير

- ‌الحاسد لا يرد قدر الرازق

- ‌الحسد ذميم فلا تتخلق به

- ‌الكرام من الناس تُحسد

- ‌قصة لقيس بن زهير:

- ‌علاج الحسد

- ‌الفصل الثامن عشرالغيبة

- ‌الغيبة

- ‌حد الغيبة

- ‌من اغتاب أغتيب

- ‌قصة للحسن البصري رحمه الله

- ‌علاج الغيبة

- ‌الصمت وأدب اللسان

- ‌الإصغاء إلى الغيبة

- ‌الأعذار المرخصة في الغيبة

- ‌الفصل التاسع عشرالنميمة

- ‌النميمة

- ‌قصة لعمر بن عبد العزيز رحمة الله:

- ‌سوء الظن

- ‌الجاهل يسيء الظن باخوانه

- ‌ثمرة النميمة

- ‌ذو الوجهين

- ‌الفصل العشرونالأمانة

- ‌الأمانة

- ‌تقدير الناس للأمانة

- ‌الأمانة في الإيمان بالله وعبادته

- ‌ترك الأمانة نفاق

- ‌الأمانة في الولايات

- ‌الأمانة في الأسرة

- ‌أمانة الزوجة تقتضي حفظ أسرار زوجها

- ‌تربية الأولاد وتعليمهم أمانة

- ‌الأمانة في الأخلاق والمعاملات

- ‌الخيانة مذمة وندامة

- ‌الخيانة أسوأ ما يبطنه الإنسان

- ‌الفصل الحادي والعشرونالحِلم

- ‌الحِلم

- ‌الحلم حلية العلم

- ‌الحليم حاذق لبيب

- ‌الحلم ثبات ورفعة

- ‌الحليم ذو عزة

- ‌قصة للرشيد

- ‌الحليم اسم من أسماء الله تعالى

- ‌ثمرة معرفة اسم الله الحليم

- ‌دعاء الله باسمه الحليم

- ‌الفصل الثاني والعشرونالرفق

- ‌الرفق

- ‌الرفق يحبه الله

- ‌التزام الرفق ومباينة العنف

- ‌الرفيق من الأسماء الحسنى

- ‌ثمرة معرفة اسمه تعالى الرفيق

- ‌دعاء الله باسمه الرفيق

- ‌الفصل الثالث والعشرونالصبر

- ‌الصبر

- ‌الصبر مفتاح النجاح

- ‌الصبر يعقبه الفرج

- ‌الصبر والرضا به

- ‌الحر الصابر لا يريق ماء وجهه

- ‌الصبور في الأسماء الحسنى

- ‌ثمرة معرفة اسمه تعالى الصبور

- ‌دعاء الله باسمه الصبور

- ‌الفصل الرابع والعشرون‌‌العفو

- ‌العفو

- ‌الكريم يعفو

- ‌العز في العفو

- ‌العفو في أسماء الله الحسنى

- ‌ثمرة التعرف على اسم الله العفوُ

- ‌قصة للقمان مع ابنه

- ‌دعاء الله باسمه العفوُ

- ‌الفصل الخامس والعشرونالكرم

- ‌الكرم

- ‌خلق الكريم المحافظة على مكارم الأخلاق

- ‌الكريم يكرم ضيفه

- ‌الكريم يجود ولا يبخل

- ‌قصة لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم

- ‌اللؤم ضد الكرم

- ‌الكرم والبخل لا يتفقان

- ‌فخر الرجال كرمهم

- ‌الأكرم الكريم في أسماء الله الحسنى

- ‌ثمرة معرفة اسم الله الكريم الأكرم

- ‌دعاء الله باسمه الكريم

- ‌الفصل السادس والعشرون‌‌العدل

- ‌العدل

- ‌العدل في الكلام

- ‌العدل في الشهادة

- ‌وصفُ الحسن البصري للإمام العادل

- ‌العدل في القضاء بين الناس

- ‌قصة رواها الأمام علي بن ابي طالب رضي الله عنه

- ‌قصة روتها خولة بنت قيس

- ‌العدل يحبه الله والظلم لا يحبه

- ‌الظلم في الأمثال السائرة

- ‌دعوة المظلوم لا ترد

- ‌الشرك أعظم أنواع الظلم

- ‌عاقبة الظلم

- ‌العدل في الأسماء الحسنى

- ‌ثمرة معرفة اسمه تعالى العدل

- ‌دعاء الله باسمه وصفته العدل

- ‌الفصل السابع والعشرون‌‌الصدق

- ‌الصدق

- ‌الصدق يألفه الكريم

- ‌الصدق يرفع المرء في الدارين والكذب يهوي به في الحالين

- ‌الكذب يضاد الصدق ويجانبه فتجنبه

- ‌مضرة الكذب

- ‌مكانة الصدق رفيعة

- ‌دعاء الله الصادق الكريم

- ‌الفصل الثامن والعشرونالصديق والجليس

- ‌الصديق والجليس

- ‌اصطفاء الصديق من الأخيار

- ‌صداقة الأشرار عار

- ‌التلون في الصداقة

- ‌فراق الصديق المتلون

- ‌مفارقة جليس السوء

- ‌وفاء الصديق

- ‌مصاحبة الجاهل والأحمق

- ‌صداقة الكسلان ومجالسته

- ‌صداقة العدو

- ‌من الصداقات ما يؤذي

- ‌الاحتمال للصديق واستبقاء وده

- ‌الفصل التاسع والعشرونالأخلاق الحسنة

- ‌الأخلاق الحسنة

- ‌الخُلق الحسن منزلة رفيعة

- ‌التآلف والحب بحسن الخلق

- ‌من حسّن الله خَلقه ينبغي أن يحسن خُلقه

- ‌قصة خروج جابر مع رسول الله (ص) في غزوة ذات الرقاع

الفصل: ‌ ‌الأمانة الأمانة: هي كل مايؤمن عليه المرء من امر ونهي، وشأن

‌الأمانة

الأمانة: هي كل مايؤمن عليه المرء من امر ونهي، وشأن من دين ودنيا، وهي خلق من اخلاق المسلم الاصلية التي تنبع من عقيدته، وتدل على صدق اتجاهه وشرف غايته. وبمعناها الحقيقي في نظر المسلم صفة نفسية تملي على صاحبهاسلوكا لايتبدل ازاء ما يعهد اليه القيام به، وكل ما يلتزمه ويتحمل مسؤليته، وتشمل حياة الانسان كلها (1) . وفي الذكر الحكيم {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} (2) ، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (3)

فالأمانة من الفضائل الإنسانية، والخلال التي تستقيم بها أحوال البشرية، فالإنسان ملزم بالتحلي بها، فهي من الفضائل الخلقية التي تدعو إليها الفطرة السليمة، وهي من جملة الالتزامات التي يطالب بها الإنسان لاشتمالها على التكليف الشرعي والالتزام الأخلاقي والقانوني، فالشرائع السماوية والنظم الوضعية تتفق على اعتبارها من الالتزامات الخلقية التي يسأل المكلف عنها ويحاسب على تضييعها، وتأتي في رأس جدول الأعمال الحسنة والأخلاق الفاضلة في جميع المجتمعات ذات الديانات السماوية وغيرها، وحتى في العصر الجاهلي الذي كان يحوي دنايا ورذائل، فإنه رغم ذلك كان يحوي بعض خلال مكارم الأخلاق التي جاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليؤكدها ويتممها كما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله:(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وفي لفظ: (صالح الأخلاق)(4) ، ولا يزال أهل الفضل من الناس يثنون عليها في مختلف البلدان في كل زمان ومكان، وقد أشاد المجتمع العربي بالأمانة ورفع مكانة الأمين والأمناء في الجاهلية والإسلام، وجعلها من الصفات الرئيسة التي يسوّد بها، وأكبر شاهدٍ على ذلك ما ورد في آثار العرب وقصصهم وأخبارهم وأمثالهم، ومن ذلك قول لبيد:

وَإِذا الأَمانَةُ قُسِّمَت في مَعشَرٍ

أَوفى بِأَوفَرِ حَظِّنا قَسّامُها (5)

وقول زهير:

وَحِفظي لِلأَمانَةِ وَاِصطِباري

عَلى ما كانَ مِن رَيبِ الزَمانِ

أما النابغة فهو يقول:

سأرعى كلما استودعت جهدي

وقد يرعى أمانته الأمين (6)

وقد ضرب العرب بوفاء السموأل (7) الأمثال ما ذلك إلا لأنه ضحى بابنه من أجل الوفاء بحفظ الأمانة، فقيل:"أوفى من السموأل".

قصة السموأل

ذكر الميداني: أن امرئ القيس لما أراد الخروج إلى قيصر استودع السموأل دروعاً فلما مات امرئ القيس غزى ملك من ملوك الشام فتحرز

(1) - دليل السائلين ص 59

(2)

- سورة ال عمران آية (75)

(3)

- سورة النساء أية (58)

(4)

- أخرجه البيهقي في سننه الكبرى باب بيان مكارم الأخلاق حديث (20571) .

(5)

- ديوان لبيد ص180.

(6)

- ديوان النابغة ص162.

(7)

- هو السموأل بن غريظ بن عاديا الأزدي شاعر جاهلي يهودي من سكان خيبر.

ص: 511

منه السموأل فأخذ الملك ابناً له وكان خارجاً من الحصن فصاح الملك بالسموأل، فأشرف عليه فقال: هذا ابنك في يدي وقد علمت أن امرئ القيس ابن عمي ومن عشيرتي وأنا أحق بميراثه فإن دفعت إليَّ الدروع وإلا ذبحت ابنك، فقال: أجّلني، فأجله فجمع أهل بيته ونساءه وشاورهم فكل أشاره أن يدفع الدروع ويستنقذ ابنه فلما أصبح أشرف عليه، وقال: ليس إلى دفع الدروع سبيل فاصنع ما أنت صانع، فذبح الملك ابنه وهو مشرف ينظر إليه، ثم انصرف الملك بالخيبة، فوافى السموأل بالدروع الموسم فدفعها إلى ورثة امرئ القيس وقال في ذلك:

وَفَيتُ بِأَدرُعِ الكِندِيِّ إِنّي

إِذا ما خانَ أَقوامٌ وَفَيتُ

وَقالوا: إِنَّهُ كَنزٌ رَغيبٌ

فَلا وَاللَهِ أَغدِرُ ما مَشَيتُ (1)

وإلى ذلك يشير الأعشى حيث يقول:

كُن كَالسَمَوأَلِ إِذ سارَ الهُمامُ لَهُ

في جَحفَلٍ كَسَوادِ اللَيلِ جَرّارِ

إلى أن قال:

وَقالَ: لا أَشتَري عاراً بِمَكرُمَةٍ

فَاِختارَ مَكرُمَةَ الدُنيا عَلى العارِ

وَالصَبرُ مِنهُ قَديماً شيمَةٌ خُلُقٌ

وَزَندُهُ في الوَفاءِ الثاقِبُ الواري

ولقد كان العرب في الجاهلية يفاخرون بالأمانة وينتصرون لها، ولقد انتصر العرب في حربهم ضد الفرس في يوم ذي قار في القصة المشهورة حينما رفض هاني بن مسعود الشيباني تسليم ما استودع من الدروع فاجتمع العرب وقاتلوا الفرس وانتصروا وكان ذلك مفخرة لهم، والقصة

(1) - مجمع الأمثال للميداني ص374.

ص: 512

مبسوطة في كتب التأريخ، لا داعي لذكر تفاصيلها نظراً لشهرتها، ومن أراد التوسع فليرجع إلى مظانها من كتب التأريخ (1) .

وقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قومه من أول نشأته متحليياً بالأمانة، واشتهر بها، وفي ذلك يقول عمه أبو طالب موضحاً لأمانة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومصدقاً وشاهداً له بها:

إن الأمين محمداً في قومه

عندي يفوق منازل الأولاد (2)

ويقول:

ولقد علمت بأن دين محمد

من خير أديان البرية دينا (3)

أما أحمد شوقي فهو يقول واصفاً لأمانة محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ومنكراً على من أنكروا نبوئته بقوله:

لَقَّبتُموهُ أَمينَ القَومِ في صِغَرٍ

وَما الأَمينُ عَلى قَولٍ بِمُتَّهَمِ

فالأمانة والثقة أساس المعاملات، والأمانة خلق قويم ودين مستقيم؛ دعا الإسلام إليها، وحث عليها، وكيف تستقيم أحوال البشرية بدون أدائها والحفاظ عليها؟

(1) - انظر: تأريخ الطبري لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق مصطفى السيد وطارق سالم، ج2 من ص193 إلى ص213 ، المكتبة التوفيقية القاهرة مصر، والكامل في التأريخ للإمام العلامة عمدة المؤرخين أبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري الملقب بعز الدين، المتوفى 630هـ، ج1ص (436-443) ، الناشر دار الفكر 1398م ، ومعجم البلدان ج4ص333وما بعدها.

(2)

- ديوان أبي طالب جمعه وعلق عليه عبد الحق العاني ص108.

(3)

- ديوان أبي طالب جمعه وعلق عليه عبد الحق العاني ص108.

ص: 514

قال الشاعر:

وإنني لأرى من لا حياء له ولا

أمانة وسط القوم عريانا (1)

وقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحث على الأمانة بمفهومها الواسع؛ فهي تشمل الدين كله عبادات ومعاملات، وفضائل خلقية واجتماعية، وهذا المفهوم تميز به الدين الإسلامي الحنيف، وجاء في الذكر الحكيم:{إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} (2) .

فمن حافظ على الأمانة سلم، ومن أدّاها غنم، فإذا طلبت الخير فاطلبه في أداء الأمانة، وإذا عملت البر فتحر فيه أداء الأمانة، وإذا أردت العز فالزم في سلوكك الأمانة، وأدِّ في مسئوليتك الأمانة، وتعامل مع أهل الصدق والأمانة تفز بفضل الله ورضوانه، فمن لزم الأمانة صلحت أعماله، واستقامت أحواله، واحتاط لنفسه، ومن أدى الأمانة أطاع ربه وصلح أمره، وكان بعيبه بصيراً، ولم تفسد الشهوة دينه، ولم تزل الشبهة يقينه، وفي الأمانة حفظ للكرامة، وأساس للتقوى، وحرز يقي الانزلاق في المعاصي، ويبعد الإنسان عن المخازي، فالزم الأمانة تلزمك الاستقامة، فمن ضيع الأمانة ضاع، وسقط في وحل الخيانة، فلا تتضجر من حفظها وأدائها، ولا تفرط فيها تفرط في حق نفسك، فإن من زرع خيراً حصد أجراً، واستفاد شكراً، ومن وقع في الخيانة عرض نفسه للمهانة، ومن ضيع ذمة اكتسب مذمة.

(1) - ورد هذا البيت في الموسوعة الشعرية ص162 من غير نسبة إلى شاعر معين وأورده الماوردي أيضا في أدب الدنيا والدين ص258.

(2)

- سورة الأحزاب الآية (72) .

ص: 515