الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقيل الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة (1)، وفي محضرات الأدبا: عسرك في وطنك أطيب من يسرك في غربتك، وإذا أخلقك الوطن جددك الظعن (2)، قال الشاعر:
إذا نبا بكريم موطن فله
…
ورأه في بسيط الأرض أوطان (3)
حب الوطن ووصفه
لقد أكثر الأدباء والشعراء وصف رياض الأوطان النضرة، وأجواءها العطرة، وأشجارها المثمرة، وأنهارها العذبة المتكاثرة، ووصف ديارها العامرة، وبحارها المتوهجة الهادرة، ووصف جمال أهلها، وتحسين أخبارها، وتزيين آثارها، بما يشنف الأسماع، ويهيج النفس ويبعثها على السماع، ولعل في ذلك من العظة والاعتبار ما يرشد إلى الإدكار، ويساعد على الخروج بالنفس من همومها، أو يرشد إلى النجاح والفلاح، وقد كان يسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يحن إلى الوطن ولا ينكره، وهذا بلال بن أبي رباح رضي الله عنه يسمع عنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول:
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً
…
بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ
…
وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ) (4) .
وفي هذا الحديث دلالة واضحة على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كانوا يحبون وطنهم الأصلي مكة حباً جماً، فدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لربه بأن يحبب المدينة إليهم كما حبب إليهم مكة نص صريح، وقد روى النسائي وأبن حبان والترمذي أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال:(والله أنك لخير أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت) ، وفي الفتح الكبير (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي ولولا أني أخرجت منك ما خرجت) .
وقد أُثِرَ عنه عليه الصلاة والسلام بعد أن استوطن المدينة أنه كان يقول في أحد: (هذا جبل يحبنا ونحبه)(5) ، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب وطنه، وهو ما جزم به الإمام الذهبي رحمه الله حين عدّد بعض محاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكر منها الوطن فقال:"ويحب وطنه"(6) ، فالإسلام يحتاج إلى ملاذ آمن ينمو في كنفه، ويربو في أحشائه، وينطلق منه، ويأوي إليه، وهذا الملاذ هو ما يمكن الاصطلاح على تسميته بالوطن، ألا ترى
(1) - نهج البلاغة ج2 ص 113.
(2)
- محضرات الأدبا ص 612 -614،وفي المفردات أخلقه:صيره باليا،والظعن:السفر.
(3)
- هذا البيت لابي الفتح البستي، وفي المفردات نبأ به المكان:لم يوافقه بسيط الارض المنبسطه الوسيه.
(4)
- أخرجه البخاري في صحيحه باب مقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه المدينة حديث (3711) .
(5)
- أخرجه البخاري في صحيحه باب أحد يحبنا ونحبه حديث (3855) .
(6)
- سير أعلام النبلاء ج15ص394، أشرف على تحقيقه شعيب الأرنؤط، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الثالثة 1405هـ1985م.
أنه ورد في الحديث النبوي الشريف: (إِنَّ الإِسْلامَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا)(1) ، فالانتماء إلى الوطن في الإسلام يمثل شكلاً من أشكال الجماعة التي جاءت تعاليمه تشد من أزرها وتؤكد عليها وفق ضوابط شرعية وحدود مرعية، وقد استثمر المسلمون الأوائل ذلك في تحقيق مصالح الجماعة في عدد من المناسبات والظروف المختلفة في إعداد الجيوش وترتيبها في المعارك، وفي تنظيم الناس في العطاء، وفي تخطيط المدن، وفي حفظ الأمن، وفي تنظيم علاقة الراعي بالرعية، إلى غير ذلك من الأمور الهامة.
والمواطنة في الإسلام حق مكتسب لسائر الناس بما يرتب عليها من حقوق وواجبات إلا في جزيرة العرب فلا يسكنها على سبيل الإقامة الدائمة إلا المسلمون دون غيرهم، ومن نعم الله أن القرآن لم يكبح غريزة حب الأوطان، ولكنه يمنع أن تكون تلك المحبة مساوية لحب الله ورسوله أو مؤثرة عليهما {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (2) .
ومن رحمة الله تعالى أنه لم يذم حب الأهل والأقارب والأزواج ولا حب المال والمكاسب والاتجار ولا حب الأوطان، ولم ينه عنها، وإنما جعل من
(1) - أخرجه أحمد في المسند عن أبي هريرة حديث (9452) .
(2)
- سورة التوبة الآية (24) .