المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

° السادس: فقدان الدليل بعد التفحّص البليغ يغلب ظنّ عدمه، - مقاصد الشريعة الإسلامية - جـ ٢

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌بَيْنَ عِلْمَيِّ أصُوْل الْفِقْهومَقَاصِد الشَّرِيْعَةِ الإسْلاميَّةِ

- ‌المقدمة

- ‌التمهيد لمقاصد الشريعة

- ‌الباب الأولقضايا ذات صلة بالفقه وبعلمي أصول الفقه ومقاصد الشريعة الإسلامية

- ‌الفصل الأول: بين الفقه وأصول الفقه ومقاصد الشريعة

- ‌ الفقه

- ‌علم أصول الفقه:

- ‌علم مقاصد الشريعة:

- ‌الفصل الثاني: قضايا أصولية وكلامية

- ‌قطعيّة أدلةِ علم أصول الفقه وظنّيّتها:

- ‌من أسباب ظنّية علم الأصول:

- ‌أ - الأحوال العارضة للنصوص:

- ‌اختلاف أنواع الدلالة:

- ‌أنواع المفاهيم:

- ‌تباين المحكم والمتشابه:

- ‌خبر الآحاد:

- ‌الإجماع وأنواعه:

- ‌ب -‌‌ التعليل، والعلة، والتعبّدي:

- ‌ التعليل

- ‌العلَّة:

- ‌شروط العلة:

- ‌التعليل عند المتكلمين:

- ‌رد الشيخ ابن عاشور على الأشاعرة:

- ‌الوجوب والغرض:

- ‌رد الجويني على الأشاعرة:

- ‌الأصوليون والتعليل:

- ‌العول:

- ‌أهميّة التعليل:

- ‌إصرار ابن حزم على رأيه واستدلاله على صحّة موقفه:

- ‌التعبّدي:

- ‌حكم القياس:

- ‌العمل بالقياس:

- ‌القياس بين المثبتين والنُّفاة:

- ‌مجالات الإثبات والإنكار للقياس:

- ‌القياس عند الظاهرية:

- ‌حجية القياس: أدلة المثبتين:

- ‌أدلة نفاة القياس:

- ‌الباب الثانيمع روّاد علم أصول الفقه وعلم مقاصد الشريعة

- ‌الفصل الأول: من طلائع الأصوليين وعلماء المقاصد

- ‌1 - الجويني: البرهان:

- ‌2 - الغزالي: شفاء الغليل، المنخول، المستصفى:

- ‌3 - العز بن عبد السلام: القواعد:

- ‌4 - القرافي: الفروق:

- ‌الفصل الثاني: موضوعات من علم المقاصد في كتب جماعة من الفقهاء

- ‌(1) المقاصد وكتاب الفروق للإمام القرافي:

- ‌الموضع الأول: انتصاب الشارع للتشريع:

- ‌الموضع الثاني: الحقوق وإسقاطها:

- ‌الموضع الثالث: نوط الأحكام الشرعية بمعانٍ وأوصاف لا بأسماء وأشكال:

- ‌الموضع الرابع: سدّ الذرائع:

- ‌الموضع الخامس: نفوذ الشريعة:

- ‌(2) المقاصد وكتاب نفائس الأصول:

- ‌(3) المقاصد وكتاب تنقيح الفصول:

- ‌الشاطبي وكتاب الموافقات:

- ‌ رأي ابن عاشور في عمل الشاطبي

- ‌تأييد ابن عاشور للشاطبي في بيان قصد الشارع من التكليف:

- ‌انصباب تكاليف الشريعة على العبادات والمعاملات والعادات:

- ‌مناقشة الشاطبي قوله بقطعيّة الأدلة:

- ‌تعريف الشيخ ابن عاشور بأنواع المصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا:

- ‌تقسيم التكاليف إلى عزائم ورخص:

- ‌التحيّل:

- ‌الفصل الثالث: المقاصد العامة والمصالح

- ‌الفطرة:

- ‌السماحة:

- ‌ المساواة

- ‌موانع المساواة:

- ‌الحرية:

- ‌تشوف الشارع للحرية:

- ‌تعريف المصلحة والمفسدة:

- ‌المصلحة والمفسدة محضتان خالصتان ومشوبتان مختلطتان:

- ‌الفصل الرابع: ضوابط المقاصد وأقسامها

- ‌القسم الأول من المقاصد:

- ‌المقاصد بين كلية وجزئية:

- ‌المقاصد بين قطعيّة وظنيّة:

- ‌المقاصد الأصلية والمقاصد التابعة:

- ‌المقاصد والوسائل:

- ‌الفصل الخامس: بحث المقاصد في أطراف الكتاب

- ‌الباب الثالثفي إثبات مقاصد التشريع الإسلامي وحاجة الفقهاء إلى معرفتها والوقوف عليها

- ‌توطئة

- ‌الفصل الأول: منهج السلف في طلب مقاصد الشرع من الأحكام

- ‌الفصل الثاني: الأنحاء الخمسة لتصرّفات الفقهاء في طلب المقاصد

- ‌الفصل الثالث: من طرق إثبات المقاصد الشرعية

- ‌الفصل الرابع: في القواعد الشرعية

- ‌الكليات:

- ‌الطريق الممهِّدة للتعرّف الدقيق على المقاصد وتعيينها:

- ‌القواعد والضوابط لمعرفة الأحكام وتعيين المقاصد:

- ‌الباب الرابعأمثلة للمقاصد مستخرجة من كتب المؤلف:

- ‌الفصل الأول: أمثلة للمقاصد الشرعية المستخرجة من التحرير والتنوير

- ‌المثال الأول: النبي الأمي صلى الله عليه وسلم

- ‌الْمَعْرُوفِ}

- ‌الطيبات:

- ‌الرحمة:

- ‌المثال الثاني: ضرب المرأة:

- ‌المثال الثالث: الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد:

- ‌المثال الرابع: مثال من كتاب النظر الفسيح: حديث الوصيّة

- ‌المثال الخامس: مثال من كتاب كشف المُغطَّى: حديث بيع الخيار

- ‌الباب الخامسمنهجية الشيخ ابن عاشور في كتاب المقاصد

- ‌الفصل الأول: أسس النظر في المقاصد والأحكام

- ‌الإسلام حقائق لا أوهام:

- ‌من صفات الشريعة رفع خلط الاعتبارات بالأوهام:

- ‌الخطاب الشرعي أو النصوص التشريعية:

- ‌الفصل الثاني: منهج الشيخ ابن عاشور في تقريراته وفي تناوله لبعض متممات الخطاب

- ‌التفصيل والتقسيم:

- ‌الضوابط والشروط:

- ‌التقرير والتقعيد:

- ‌الأسباب:

- ‌إعمال النظر الشرعي طلباً لتحديد الأحكام:

- ‌الاستدلال:

- ‌المقام والسياق:

- ‌الاستقراء:

- ‌تنوُّع الأحكام بين التعبّدي والمُعلَّل:

- ‌تعقيبات الإمام ابن عاشور ومناقشاته:

- ‌الفصل الثالث: مع فقهاء الشريعة الإسلامية

- ‌1 - التضييق في الرخص:

- ‌2 - تعارض الروايات:

- ‌3 - الإجماعُ:

- ‌4 - اختلاف الفقهاء:

- ‌5 - من صور اختلاف الفقهاء:

- ‌توجيه وتنبيه:

- ‌التنبيهات:

- ‌6 - المقادير:

- ‌7 - المصطلحات الشرعية:

- ‌من المصطلحات:

- ‌المنهج:

- ‌المسائل والأحكام في "مقاصد الشريعة الإسلامية

- ‌القواعد والمقاصد باعتبار ما ينبني عليها، أو ما تدعو إليه من ترتيبات وتصرفات:

- ‌القسم الأول: يتضمن جملة من القواعد والمقاصد:

- ‌القسم الثاني: استنباط الأحكام من القواعد العامة:

- ‌القضاء بالعوائد:

- ‌الأوصاف الطردية:

- ‌ترجيح المصلحة الكبرى:

- ‌العمل بالمصلحة المرسلة:

- ‌القسم الثالث: موضوعات ذات صلة بالأصول والمقاصد للإمام عليها ملاحظات أو له بشأنها اقتراحات:

- ‌الباب السادسمصادر التشريع

- ‌الكتاب:

- ‌السُّنة:

- ‌الإجماع:

- ‌القياس:

- ‌أنواع القياس:

- ‌أقيسة الاستدلال:

- ‌جريان القياس:

- ‌المصلحة المرسلة:

- ‌الاستحسان:

- ‌سدّ الذرائع:

- ‌الحيلة:

- ‌أركان الحيلة:

- ‌أنواع التحيّل:

- ‌الباب السابعتوجه الأحكام التشريعية إلى المعاملات وتعيين الحقوق لأنواع مستحقيها

- ‌توطئة

- ‌الفصل الأول: الحقوق وأنواعها

- ‌تعيين مستحقي الحقوق يرفع أسباب النزاع:

- ‌أصحاب الاستحقاق:

- ‌حقوق العمال:

- ‌القواعد العامة لقيام المجتمعات الإنسانية:

- ‌الفصل الثاني: مقاصد العائلة في الشريعة

- ‌آصرة النكاح:

- ‌ آصرة النسب

- ‌آصرة الصهر:

- ‌طرق انحلال الأواصر الثلاث:

- ‌الفصل الثالث: الأموال

- ‌ تعريف المال:

- ‌ أنواع المال:

- ‌ أقسام المال في الملكية:

- ‌ الفوارق بين الأموال العينية والنقدية:

- ‌ المقايضة

- ‌النقود

- ‌من النقود السلعية إلى النقود المعدنية:

- ‌رأي الغزالي والمقريزي في النقدين:

- ‌النقود عند ابن القيم وابن عابدين:

- ‌أنواع النقود:

- ‌النقود المساعدة:

- ‌الفصل الرابع: مقاصد التصرّفات المالية ونظر الشريعة في أهمية الأموال

- ‌من مقاصد المعاملات المالية

- ‌أ - مصارف المال: البرّ، والصدقات، والزكاة:

- ‌الزكاة:

- ‌ب - التملُّك والتكسُّب:

- ‌1 - الأسباب المشروعة وغير المشروعة للتملك:

- ‌2 - أصول التكسّب:

- ‌ الأرض

- ‌ العمل:

- ‌ أنواع العمل:

- ‌ اختيار المسؤولين والعمال:

- ‌ج - رأس المال:

- ‌د - مجالات التكسب:

- ‌ التجارة

- ‌ الفلاحة:

- ‌ الصناعة:

- ‌ الاحتكار:

- ‌ الرواج:

- ‌استنفادُ بعض الثروة:

- ‌من أحكام المعاوضات:

- ‌توسيع الدراسات الفقهية:

- ‌الفصل الخامس: العقود

- ‌المجموعة الأولى: عقود التمليك:

- ‌التبرعات:

- ‌الرهن:

- ‌الوقف:

- ‌الهبة:

- ‌المجموعة الثانية: عقود المعاوضات:

- ‌البيع:

- ‌الإجارة:

- ‌السَّلَم:

- ‌المجموعة الثالثة: عقود المشاركة أو الشركات القائمة على عمل الأبدان:

- ‌ المضاربة

- ‌المساقاة:

- ‌المزارعة:

- ‌المغارسة:

- ‌تحريم المعاملات الربوية كلها:

- ‌العقود المنهي عنها:

- ‌بيع حاضرٍ لبادٍ ممن لا يعرف الأسعار، ومن كل وارد على مكان وإن كان من مدينة:

- ‌تلقي الركبان

- ‌البيع وقت النداء لصلاة الجمعة:

- ‌البيع والشرط وهو ما يسميه الفقهاء بيع الثُّنْيَا وبيع الوفاء:

- ‌الفصل السادس: مسائل مختلفة

- ‌تصرّفات المكلفين وأفعالهم، وما يترتب عليها من تشاريع وأحكام تناط بها أغراض الشارع ومقاصده

- ‌أثر المقاصد والمصالح في التشاريع والأحكام التي تحكم تصرّفات المكلفين:

- ‌جواز كراء الأرض بالخارج منها:

- ‌الفصل السابع: بيان طرق الاستدلال على مقاصد الشريعة

- ‌طرق التعرف إلى المقاصد:

- ‌دلالات المقاصد:

- ‌الرخصة:

- ‌الإصلاح والمصلحة:

- ‌الباب الثامنمقاصد أحكام القضاء والشهادة

- ‌توطئة

- ‌تولية القاضي:

- ‌عزل القاضي:

- ‌الباب التاسعالغرض من مقاصد الشريعة

- ‌مع علم مقاصد الشريعة:

- ‌النزوع إلى التجديد عند ابن عاشور وغيره من العلماء:

- ‌أول المجددين للدين في نظر صاحب المقاصد هو الإمام مالك بن أنس:

- ‌إمام الحرمين:

- ‌التطوّر والتجديد:

- ‌التجديد بين اتجاهين تحيط بهما محاذير:

- ‌المحاذير من التجديد:

- ‌التراث عروبة وإسلام:

- ‌تصورات للتجديد:

- ‌الباب العاشرالاجتهاد

- ‌الفصل الأول: مقدمات في الاجتهاد

- ‌واجب الاجتهاد:

- ‌إعادة النظر في قضايا اجتهادية:

- ‌الإجراءات الشرعية:

- ‌الفصل الثاني: عالميّة الشريعة والعمل بها

- ‌عالمية الشريعة وأسباب العمل بها:

- ‌العمل بالشريعة:

- ‌الفصل الثالث: بعض ما يحتاج إلى إعادة النظر فيه من الأحكام

- ‌مسائل بيع الطعام:

- ‌المُقاصّة:

- ‌بيوع الآجال:

- ‌كراء الأرض بما يخرج منها:

- ‌الشفعة في خصوص ما يقبل القسمة:

- ‌الفصل الرابع: الدعوة إلى إقامة مجمع للفقه الإسلامي

- ‌الخاتمة

الفصل: ° السادس: فقدان الدليل بعد التفحّص البليغ يغلب ظنّ عدمه،

° السادس: فقدان الدليل بعد التفحّص البليغ يغلب ظنّ عدمه، وعدمه يستلزم عدم الحكم لامتناع تكليف الغافل.

وكل هذه الآليات، التي يتوصّل بها إلى معرفة معنى النصّ، وحُكمِه في عمومه وخصوصه وإطلاقه وتقييده، لا تغني وحدها عما ينبغي أن يَأخذ به المجتهدون من مناهجَ تُوجَّهُهُم، وتسلك بهم سبل الحق، ليتبيّنوا حكمة التشريع التي تميّزت بها الأحكام في الإسلام، وليقفوا على قِيمه العليا، وليدركوا من أسرار التشريع ما هم مطالبون به من تحقيق العدل ومراعاة المصالح الحقيقية المعتبرة شرعاً. وذلك استناداً إلى الدلالات الأربعة وما ثبت بها من أحكام عن طريق المنطوق. ولا نستثني من طرق الاستدلال مفهوم المخالفة لأنه من طرق إثبات الأحكام واستثمار النصوص، كيف وهو عبارة عن دلالة المنطوق على ثبوت خلاف حكمه المقيّد بقيد، لغير المنطوق عند انتفاء ذلك القيد المعتبر في تشريعه (1).

والاستدلال الذي هو من وظيفة الأصوليين يُعتَدُّ به لديهم إلى حد كبير. فهو موضوع علمهم، ومدارُ بيان الخطابات الكثيرة الصادرة عن الشارع. وليس في متناول كل الناس التوصل إلى معرفة ذلك، أو إدراك ما تنتجه تلك المعرفة من إفادات شرعية يُطمأن إليها. فهم لذلك يعتمدون كل الاعتماد على العلماء يكشفون لهم معانيَها ويصورون أغراضها.

‌المقام والسياق:

يتصل بهذه الدلالات بحث موضوعي المقام والسياق. فقد عُني

(1) الدريني. المناهج الأصولية: 315 - 316، 324.

ص: 234

الشيخ ابن عاشور بهما، لما لهما من أثر في استحضار الظروف والملابسات التي تحفّ بخطاب الشارع.

فالمقام هو محلُّ القيام، ويطلق على المكان المعدود لأمر عظيم، كما في قوله تعالى:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} (1). وهو في الغالب لا يكون إلا لأجل العمل فصرفت دلالة هذا اللفظ إلى العمل نفسه، يشهد لذلك قوله تعالى، على لسان نوح عليه السلام:{إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ} (2).

والأصل فيه لغة: الدلالةُ على الموضع أو المكان الذي يصدر عنه الناس في أقوالهم وأحوالهم وتصرّفاتهم. وهو بهذا مورد الكلام عندهم. وقد حمل المرادُ من المقام قسماً من الباحثين على ملاحظة وجود نوعين له:

الأول منهما: المقام الذي ينظر فيه إلى الزمن والمكان المصادر فيه الخطاب.

والثاني: وهو لبابُ علمَي المعاني والبيان؛ لأن مداره الخطاب، يقوم على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب في ذاته، وأحوال المخاطِب والمخَاطَب.

ويتّضح مما قدّمناه ما نلمسه من تساوق بين ألفاظ الخطاب، ومن اشتراك وتكامل بين المقامات يعين على التوصّل إلى تحديد معنى الخطاب.

وكلمة (سياق) أخصّ دلالة من كلمة (مقام)؛ لأن المقام - كما أشرنا إلى ذلك أعلاه - نوعان. ولفظ (سياق) لا يعني غير المقام المقالي

(1) سورة الإسراء، الآية:79.

(2)

سورة يونس، الآية:71.

ص: 235

للخطاب. وهو عنصر فعال في توجيه الخطاب صوب مقصد الشارع منه، كما أن من وجوه أهميته رفع التعارض الظاهر بين ألفاظ الخطاب (1).

ويلاحظ من الفصل السادس والسابع من القسم الأول من كتاب مقاصد الشريعة الاهتمام الفائق بمقام التشريع، وتصويره أقوالَ وأفعالَ الرسول صلى الله عليه وسلم صادرةً عن مقامات مختلفة استُدرِك بها على القرافي في فروقه. وقد أورد الشيخ ابن عاشور أمثلة لذلك في الفصلين المذكورين. قدم لها بقوله: ولقد أحببت أن أمثّل في هذا المبحث بأمثلة كثيرة يتجلّى بها للناظر مقدار اعتبار سلف العلماء لهذا الغرض المهم. وفيه ما يعرفك بأن أكثر المجتهدين إصابة، وأكثرهم صواباً هو المجتهد الذي يكون نجاحُه في ذلك بقدر غَوصِه في تطلب مقاصد الشريعة (2).

ولأجل هذا يتأكد التنبيه على اختلاف المدارك بين المتلقّين للخطاب عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين المجتهدين في اعتمادهم على ذلك في استنباط الحُكم الشرعي وتحريره، أو في بيان أي غرض آخر.

ومن أمثلة ذلك:

حديث جابر بن عبد الله وأبي هريرة ورافع بن خديج فيما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: "مَن كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه". وفي هذا منعٌ لكراء الأرض للفلاحة ونحوها. وقد خالف في ذلك عبد الله بن عمر. وفاوضَ فيه رافع بن خديج، واستشهد بما كان منه في ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين وصدراً من خلافة معاوية من غير نكير. لكنه خشي

(1) إسماعيل الحسيني. نظرية المقاصد: 342.

(2)

المقاصد: 66.

ص: 236

أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أحدث في ذلك شيئاً لم يكن يعلمه فترك كراء الأرض. ومما يؤكد موقف ابن عمر هنا ما رواه طاوس عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه. ولكنه قال: أن يمنح أحدكم أخاه خيرٌ له من أن يأخذ شيئاً معلوماً. وجرى على هذا البخاري في صحيحه في الباب الذي عقده بعنوان "ما كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يواسي بعضهم بعضاً في المزارعة والثمرة". ووقف مثل موقف ابن عمر من هذا الحديث ظهير بن رافع في قوله: لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان بنا رافقاً (1).

ويوضح اختلاف المدارك في فهم النصوص ما كان من لوم عبد الله بن مسعود لخبَّاب بن الأرتّ، وقد جاء إليه وفي أصبعه خاتم من ذهب. قال ابن مسعود: أما آن لهذا الخاتم أن يُنزع. فقال خباب: أما إنّك لن تراه بعد اليوم. فقال العلماء: وكان خبَّاب يرى نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن لبس خاتم الذهب نهيَ تنزيه لا نهي تحريم. وهذا سبب محاورة ابن مسعود له في نزعه، وأجاب خبابُ ابنَ مسعود إرضاء له. ولم يكن فيما نحسب خلف بين الرجلين؛ لأن ابن مسعود لو كان يرى حرمة ذلك لكان تغييره عليه بلهجة تغيير المنكر (2).

ومن هذا الحديث الذي أخرجه مالك في موطئه وقد تقدّم (3): "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيعَ الخيار". فالإمام مالك رغم إثباته الحديث في مصنَّفه علّق عليه بقوله: وليس لهذا عندنا حدّ محدود ولا أمر معمول به فيه. ووجهه عنده حمل الافتراق على الافتراق بالقول. وهو صدور صيغة البيع دون القبول (4).

(1) المقاصد: 66 - 68.

(2)

المقاصد: 71.

(3)

انظر: 162.

(4)

المقاصد: 71، 72.

ص: 237

ومن الأمثلة لبعض هذه الحالات حديث:

"من قتل قتيلاً فله سلَبه". اختلف العلماء هل هذا تصرّف بالإمامة. فلا يستحق سلب المقتول إلا أن يقول له الإمام ذلك. ورآه الشافعي تصرّفاً بالفتوى فلا يحتاج إلى إذن الإمام. وخالف الإمام مالك ما ذهب إليه الشافعي لقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} (1). وهذه الآية جَعَلت في السَلب: الخُمس لله وبقيته للغانمين. والآية مقدمة على الحديث، ولأنّ إباحة السَلب للقاتل بدون إذن الإمام تفضي إلى فساد الأخلاق (2).

وقد حملت هذه الاجتهادات الشيخ ابن عاشور على القول بفتح مشكاة تضيء مشكلات كثيرة، لم تزل تعنت الخلق وتُشجي الحلق. وكان الصحابة يفرّقون بين ما كان من أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم صادراً في مقام التشريع، وما كان منها صادراً في غير مقام التشريع. وإذا أشكل عليهم أمرٌ سألوا عنه (3).

وعقّب المؤلف على هذا بقوله: أما حال الإمارة فأكثر تصاريفه لا يكاد يشتبه بأحوال الانتصاب للتشريع إلا فيما يقع خلال أحوال بعض الحروب مما يحتمل خصوصية كالنهي عن أكل لحوم الحُمر الأهلية في غزوة خيبر (4).

وللمقام في مجال التأويل والاجتهاد فوائد كثيرة معتبرة:

منها رفع الاحتمالات الكثيرة التي يثبت بالنظر معارضتها للخطاب.

(1) سورة الأنفال، الآية:21.

(2)

المقاصد: 95 - 96. تع 1.

(3)

المقاصد: 96

(4)

المقاصد: 108.

ص: 238

ومنها التوصّل عن طريق سياق الخطاب إلى الوقوف على العلّة التي قصدها الشارع، والتي يمكن أن تناط بها الأحكام غير المنصوصة.

وقد ذكر الغزالي من هذا القبيل ما آذن به سياق آية الجمعة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} (1). فالآية ما نُزّلت لبيان أحكام البياعات ما يحل منها وما يحرُم. فالتعرض للبيع لأمر يرجع إلى البيع في سياق هذا الكلام يخبط الكلام ويخرجه عن مقصوده، ويصرفه إلى ما ليس مقصوداً به. وإنما يحسن التعرض للبيع إذا كان متعلقاً بالمقصود، وليس يتعلق به إلا من حيث كونه مانعاً للسعي الواجب. وغالب الأمر في العادات جريان التكاسل والتساهل في السعي بسبب البيع. فإن وقت الجمعة يوافق الخلق وهم منغمسون في المعاملات. فكان ذلك أمراً مقطوعاً به لا يُتمارى فيه. فعُقل أن النهي عنه لكونه مانعاً من السعي الواجب. فلم يقتض ذلك فساداً، ويتعدّى التحريم إلى ما عدا البيع من الأعمال والأقوال وكل شاغل عن السعي لفهم العلّة (2).

ولتحديد الغرض الحقيقي من نصوص الكتاب ومن أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم يتعين التفريق بين ما هو غير مقصود، أو ما لا يتوَفَّر فيه القصد كالنوم والإغفاء والزلة، أو كونه صادراً عن الجِبِلّة والطبع. فهذا غير ملزِم ولا يوجب حكماً. وبين ما هو متضمن لقصد الشارع وهو على قسمين:

(1) سورة الجمعة، الآية:9.

(2)

الغزالي. شفاء الغليل: 51 - 52.

ص: 239

أحدهما: لا يفيد حكماً بسبب ما ورد فيه من مقامات غير تشريعية كأحوال الوعظ والترغيب والترهيب.

وثانيهما: ما قام على التشريع بدون شك كأحوال القضاء والفتوى والإبلاغ. فهذه تدل على الأحكام التي على المخاطبين بالشريعة الالتزام بها.

وينظر هذا إلى ما عناه الشيخ ابن عاشور من قوله: على العالِم، المتشبع بالإطلاع على مقاصد الشريعة وتصاريفها، أن يفرّق بين مقامات خطابها. فإن منها مقام موعظة وترغيب وترهيب وتبشير وتحذير، ومنها مقام تعليم وتحقيق. فيردّ كل وارد من نصوص الشريعة إلى مورده اللائق، ولا تتجاذبه المتعارضات مجاذبة المماذق. فلا يحتج أحد بما ورد في إثبات أوصاف الموصوف، وإثبات أحد تلك الأوصاف تارة، في سياق الثناء عليه

فإذا عرضت لنا أخبار شرعية، جمعت بين الإيمان والأعمال في سياق التحذير أو التحريض، لم تكن دليلاً على كون حقيقة أحدهما مركبة ومقوّمة من مجموعهما. فإنما يحتج محتج بسياق التفرقة والنفي، أو بسياق التعليم والتبيين. فلا ينبغي لمنتسب أن يجازف بقولة سخيفة، ناشئة عن قلة تأمل وإحاطة بموراد الشريعة وإغضاءٍ عن غرضها، ويؤول إلى تكفير جمهور المسلمين وانتقاض الجامعة الإسلامية، بل إنما ينظر إلى موارد الشريعة نظرة محيطة حتى لا يكون ممن غابت عنه أشياء وحضره شيء، بل يكون حُكمه في المسألة كحُكم فتاة الحي (1).

ولا شك في أن ما يتوصل به إلى معرفة المقام وتحديده هو

(1) التحرير والتنوير: 1/ 273 - 274.

ص: 240

القرائنُ القولية والحالية مما يشهد لذلك المقام بكونه تشريعياً أو غير تشريعي. وعلى الدارس أن يكون ذا اعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب. فذلك هو المقصود الأعظم، بناء على أن العرب إنما كانت عنايتها بالمعاني، وإنما أصلحت الألفاظ من أجلها. وفهمُ الخطاب على الوجه الدقيق الكامل هو المقصود والمراد، وعليه ينبني الخطاب ابتداء. وكثيراً ما يغفل هذا النظر بالنسبة للكتاب والسُّنة فتلتمس غرائبه ومعانيه على غير الوجه الذي ينبغي، فتَستَبهِمُ على الملتمس وتستعجمُ على من لم يفهم مقاصد العرب، فيكون عمله في غير مَعمل، ومشيه على غير طريق. والله الواقي برحمته (1).

والطريق العلمي العملي الناجع لمعرفة مقاصد الشريعة وضَبطها عند الشيخ ابن عاشور هو الاستدلال والاستقراء وإعمال النظر الشرعي لكون الشرع عندنا مفيد للعقل في توجّهاته. قال الشاطبي في بداية مقدمته العاشرة: إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعاً ويتأخر العقل فيكون تابعاً. فلا يُسرَّح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يُسَرِّحُه النقل (2).

وللعقول قوى تستن دون مدى

إن تعدها ظهرت بينها اضطرابات

وإنا لنجزم بأن الشيخ ابن عاشور قد اعتمد هذه الأدلة كلها وبخاصة ما وقع التعريف به منها أولاً. وذلك في أكثر كتبه ومؤلفاته العلمية. وإذا كان كتابه مقاصد الشريعة الاسلامية قد وضع أساساً للتعرف على مقاصد الشريعة فإن الإمام، بحكم ما أخذ به نفسه من تقريرات وتتميمات وتقسيمات وتفاصيل وضوابط وغيرها، كان دائماً

(1) الشاطبي. الموافقات: (3) 2/ 87، 88.

(2)

الموافقات: (3) 1/ 87.

ص: 241

في حاجة أكيدة إلى الاستدلال. نجد ذلك مبثوثاً في تفسيره التحرير والتنوير، وفي النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح، وفي كشف المغطى من المعاني والألفاظ في الموطأ، وكتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام. وربما وجدناه يؤكد هذه الاستدلالات كلما تطرق إلى الموضوع نفسه أو عاد إلى تناوله من جديد في أحد كتبه أو مقالاته، ملخِّصاً مرة، ومستدركاً أخرى ما يعِنّ له من الاستدلال لبعض المعاني أو الاستعمالات أو المقاصد.

والشيخ الإمام كغيره من علماء الشريعة كان يشعر بالحاجة الأكيدة إلى الاستدلال على الأحكام الشرعية التي أقرّها السلف الصالح أو المجتهدون أو الفقهاء، وهو يعتمد كثيراً على علمي الأصول والمقاصد. ذلك أنهما متشاكلان ومستحوذان على اتجاهه في تحريراته وتقريراته. فكانت استدلالاته راجعة إلى مقاصد الشريعة التي جاء بها الخطاب الشرعي، وإلى المقاصد التي دل عليها أئمة الفقه عند استنباطهم الأحكام الشرعية.

وموضوعات النظر كانت لديه فسيحة جداً تتناول قضايا العبادات بأنواعها، ومباحث الأطعمة والذبائح ما كان منها على الإباحة وما ورد فيها من نهي أو تحريم أو رخصة، وخص ببيانات دقيقة جداً موضوعات الأسرة وأواصرها وضبط التصرّفات الزوجية، ثم الطلاق والظهار والإيلاء والوصايا. ولم يَغفل، بحكم ارتباطه بنصوص القرآن والسُّنة، عن دراسة المعاملات المالية ومعاملات الأبدان، وما تولد عنهما من أنظار في مسائل عدة، كما عني بوجه خاص بمقاصد الشريعة في تلك التصرّفات، وما يرتبط بها من قضايا عامة وخاصة، ومن تعليل للممنوعات، وما يتصل بها من أحكام.

ولم تكن النصوص كما هو معلوم مقصورة على الجوانب

ص: 242