الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: مقاصد العائلة في الشريعة
اعتنى الشيخ بمقاصد أحكام العائلة الأصلية والتابعة. وافتتح قوله بأن انتظام أمر العائلة في الأمة أساسُ حضارتها وانتظامِ جامعتها. وهذه الحقيقة غير خاصةٍ بالتشريع الإسلامي أو مقصورةٍ عليه، بل هي التفاتٌ إلى الحِكمة الإلهية في تشريع أحكام الأُسرة، وإلى بنائه سبحانه المجتمعات الإنسانية على ما سنه لها من شرائع تمكّنها من ضبط وإقامة أصول حياتها المدنية. فقد عنيت الشعوب من أقدم العصور بنظام تكوين العائلة. وهو اقتران الذكر بالأنثى المعروف بالنكاح. وسعت إلى اختيار أكمل صورة وأشرفها له، حتى لم تعُد الداعيةُ إلى ذلك الاقتران هي قضاء الشهوة كما هو الأمر عند سائر أنواع الحيوان، ولكنّها الارتفاعَ بالإنسان إلى مراتب عالية ودرجات سامية، بنيت عليها الحياة الصالحة، وأقيمت على أسبابها سياسة العمران البشري. وإن الله الخبير العليم كرّم ابن آدم فلم يجعله كغيره من الخلق. وجعل من إتيان الرجل للمرأة، واندفاعِه إليها، دوراً لا يقف عند الميل الجنسي، بل جعله بما فضّله به على غيره يَنشُد حباً ووداً، ولطفاً ورحمة، وتعاوناً وتناسلاً، واتحاداً وإقامةً لنظامِ الأسرة، ولنظام القبيلة، ثم لنظام الأمة. وإنها للمحامد والغايات التي أثمرتها الشرائع، وصيّرت جُذورَها الأُولى شيئاً ضئيلاً في جنب ما حُبي به الإنسان من عظيم
الكمالات. فأصبح بحق مشرَّفاً بشرف آثاره ونتائجه (1).
وإثر هذه الملاحظات ينتقل رحمه الله ليواكب المسائل الفقهية التي من الضروري الحديث عنها في هذا الباب. فذكر حقيقة النكاح مع ما يكتنفها من أحكام، ويُمثلها من صور، ويُثبتُها من عقد، ويُبذل فيها من مهر. ثم تعرّض كسائر الفقهاء إلى مسائل أخرى ذكروا منها الولي، والشهرة، والتوقيت والتأجيل، وحُسن المعاشرة، والقوامة على النساء، وتعدد الزوجات إلى الأربع، والإنفاق، والإرث.
ولا بدع أن يكون لكل قضية من هذه القضايا السابقة حُكم، وأن تكون لها شروط. وتترتّب على ذلك بدون شك أهداف وغايات هي المقاصد المطلوبة من ورائها.
كان النكاح عند العرب في الجاهلية متعدد الأنواع:
الأول منها: النكاح الشرعي الذي عليه الناس اليوم. وذلك أن يخطب الرجل إلى الرجل وليّته أو ابنتَه فَيُصْدِقَها، ثم ينكحها.
والثاني: هو الاستبضاع.
والثالث: نكاح الرهط.
والرابع: البغاء.
وهذه الأربعة ورد ذكرها في حديث عائشة (2).
والنوع الخامس: هو الذي اختص القرآن بذكره في قوله عز وجل:
(1) المقاصد: 421 - 422.
(2)
انظر المقاصد: 303، 422 - 423.